الضم الصامت للأغوار

فتح نيوز|

في عام 1994، اقتحمت قوة احتلالية منطقة “الرواق”، واستولت على بيوت شعر كان يسكن فيها برهان بشارات وعائلته.. لكنها لم تكن المرة الأخيرة، فالاحتلال كرر الأمر ذاته في العام التالي.

لكن في عام 1997، هدم الاحتلال بيوت الشعر تلك، ودمر عددا من براميل المياه التي كانت تستخدمها عدة عائلات فلسطينية التي سكنت في المنطقة، ثم عاشت تلك العائلات في وضع “الترقب” كما وصفه بشارات حتى عام 2000، حينما قررت أولى العائلات الفلسطينية بالرحيل عن المنطقة.

وقال بشارات: “كان خضر أبو فرح أول من ترك المنطقة بعد عدة اعتداءات قامت بها قوات الاحتلال ضدنا”.

و”الرواق” هي منطقة متعارف عليها بين الفلسطينيين، تقع بالقرب من منطقة الحديدية بالأغوار الشمالية، وتقع بالقرب منها معسكر “حمدات” الاحتلالي.

بعد عام 2000، بدأ التواجد الفلسطيني بالتآكل في المنطقة حتى العام 2003، عندها خرجت آخر العائلات الفلسطينية من المكان، وأخذ بشارات بتسمية العائلات التي رحلت من المنطقة لمراسل “وفا” حتى وصل عند عائلته التي كانت آخر عائلة تغادر المنطقة.

بدوره، قال الناشط الحقوقي عارف دراغمة: إن الاحتلال يسعى منذ عشرات السنين لتفريغ الأغوار من سكانها بالتدريج (…)، كان هناك ضم صامت للأغوار تجلت صورته بسياسات واضحة اجتمع فيها الاحتلال والمستوطنون.

وقال المركز الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة “بتسيلم”: “هنالك ما يقارب 2,700 شخص يسكنون في نحو عشرين تجمّعا رعويا في الأغوار، في أراضٍ أو على أطراف أراضٍ أعلنها الجيش مناطقَ إطلاق نار”.

وتسعى “الإدارة المدنيّة” بوسائل مختلفة إلى منع الفلسطينيين من مواصلة السّكن في المنطقة ومن ضمن تلك الوسائل هدم منازلهم مرارًا وتكرارًا وإخلاؤهم المتكرّر لفترات قصيرة، بحجّة التدريبات العسكريّة والاستيلاء على الصهاريج التي تزوّدهم بالمياه.

ومن وراء هذه الممارسات المخالفة للقانون تسعى اسرائيل إلى تحقيق غاية سياسيّة صرّحت بها جهات رسميّة في مناسبات مختلفة وهي استغلال الوقت لفرض وقائع ثابتة على الأرض والسيطرة على تلك المناطق.

هذه الأيام يعيش الفلسطينيون في “مكحول” وغيرها من مناطق الأغوار حياة تفتقر لأدنى مقومات الحياة فيها، لأسباب تتعلق أساسا بمنع الاحتلال وجودها في المنطقة، وبحسب تقديرات محلية فإن أعداد العائلات الفلسطينية التي تسكن في مثل هذه المناطق تأخذ بالتناقص بشكل سنوي.

حاليا، تُسمع حكايات لا حصر لها من فلسطينيين سكنوا في عدة خِرب مفرغة من السكان، تدور رحاها عن كثير من تفاصيل الحياة  في تلك الأماكن التي كانت تنبض قديما بالوجود الفلسطيني فيها، لكن الاحتلال أفرغها بشكل كلي.

وتابعت “بتسيلم”: “عشرات التجمّعات السكّانية التي يسكن فيها آلاف الفلسطينيين تنتشر في منطقة تبلغ مساحتها نحو 60% من مساحة الضفة الغربية تلك التي جرى تصنيفها كمناطق “ج” ويعتاش سكّانها على الزراعة ورعي الأغنام”.

بعد 16 عاما، من آخر تواجد فلسطيني في “الرواق” التي تلتقي أراضيها جغرافيا مع الحديدية، صارت المنطقة “مقطوعة” كما وصفها بشارات، وكان يعني بذلك أنه لا وجود فلسطيني في المنطقة.

لكن حينما يجري الاحتلال تدريباته العسكرية في منطقة “حمصة”، فإنه يستخدم بعض أراضيها في التدريبات العسكرية.

على الجهة المقابلة فإن مستوطنا أقام له بعض الخيام، وحظائر الماشية بالقرب من المنطقة، صار يستبيح أراضيها الرعوية بشكل يومي.

عندما جاء بشارات مع عائلته عام 2003، للسكن في خلة مكحول، كان حينها في الخلة 27 عائلة فلسطينية، لكن اليوم يسكن فيها خمس عائلات، أربع منها من سليل عائلة واحدة لبرهان وشقيقه يوسف، وذويه، والخامس يدعى أحمد بني عودة يسكن لوحده.

نشرت “بتسيلم” وهي مؤسسة حقوقية على موقعها الإلكتروني: أن السلطات الإسرائيلية تبذل جهدًا دؤوبًا في خلق واقع معيشيّ لا يطاق لدفع سكّان التجمّعات الفلسطينية إلى مغادرة منازلهم وأراضيهم، الغاية من هذه السياسة تعميق السيطرة الإسرائيلية في منطقة الأغوار وضمّها إلى إسرائيل بحُكم الأمر الواقع (دي فاكتو) وضمن ذلك استغلال موارد المنطقة وتقليص الوجود الفلسطيني إلى الحدّ الأدنى.

جالسا على ركبتيه وهو يعد سيجارة من التبغ الذي يزرعه جانب خيامه، قال بشارات: “لقد أفرغوا الرواق بالكامل (..)، الدور قادم على مكحول“.

في أيلول عام 2013، هدم الاحتلال لعائلة بشارات “بركسا” لأغنامه، ودمر براميل مياه له، فاضطر صاحبها للزحف بعيدا عن المكان الأول.

حاليا عدد من المناطق التي كانت مأهولة بالفلسطينيين أفرغها الاحتلال من سكانها الأصليين، وظلت حتى سنوات قليلة ماضية دون تواجد فيها، حتى جاء مستوطنون وأقاموا بعض الخيام وحظائر للماشية، ثم أخذوا تدريجيا بالاستيلاء على المراعي المحيطة بهم.

وبأرقام سردها دراغمة لمراسل “وفا”، فإن الاحتلال أفرغ منذ استيلائه على الأغوار عام 1967، 13 خربة فلسطينية من السكان بشكل تام.

راهنا عندما يسرّح بشارات أغنامه على قمة تلة تقابل “الرواق” على بعد كيلومترات قليلة، يمكن له أن يرى المنطقة، فإنه كما قال يأتيه شعور كالبكاء، وهو لا يقصد البكاء بذاته، لكنها الرغبة (الممنوعة) للعودة إلى المنطقة.

هذه الأيام، أمكن مشاهدة أغلب الأماكن التي أفرغها الاحتلال من الفلسطينيين، صار فيها تواجد مباشر أو غير مباشر للمستوطنين أو أصبحت أماكن إطلاق نار، وأمكن مشاهدة عشرات المكعبات الطولية مكتوب عليها عبارات بثلاثة لغات تدل على أنها أماكن إطلاق نار.

وقالت “بتسيلم”: إنه منذ عشرات السنين تطبّق اسرائيل سياسة هدفها تهجير هذه التجمّعات عبْر خلق واقع معيشيّ يصعب تحمّله إلى حدّ اليأس منه، ومن ثمّ الدفع بهؤلاء الفلسطينيين إلى الرحيل عن منازلهم- وكأنّما بمحض إرادتهم.

نقلا عن وكالة الانباء الفلسطينية “وفا”