تسميم عكا

WhatsApp Image 2019-09-10 at 2.23.23 PM

فتح نيوز|

لم تحدث المجازر بحقّ البشر وحسب، لقد حصلت بحقّ البيوت والأشجار والحيوانات، ولم تقتصر على القتل والتّنكيل، فهناك أساليب أخرى لحدوث المجزرة، كان تسميم عكا واحدًا منها.

في ذلك الوقت، كانت مياه الشّرب تصل إلى المدينة من قناة تتدرّج من القرى الشّمالية قرب كابري التي تبعد 10 كم عن عكا، تُعرف القناة أيضًا باسم قناة الباشا. تعترض القناة في طريقها إلى عكا عدّة مستعمرات صهيونيّة، وفي واحدة من تلك النّقاط حقن الصّهاينة المياه بجرثومة التّيفوئيد، وسرعان ما انتشرت حمّى التيفوئيد بين الأهالي والجنود البريطانيّين. يقول طبيب الصّليب الأحمر دوميرون في تقرير له: “إنّ الوضع خطير، وتفشّي المرض شمل المدنيّين ورجال الجيش والشّرطة”.

وقال البريجادير بفردج، مدير الخدمات الطّبّيّة العسكريّة، إنّ هذه هي المرّة الأولى التي يحدث فيها هذا الوباء في فلسطين” (رغم حالات النّزوح والهلع بين السّكان في أنحاء فلسطين في تلك الفترة). لقد كان الخوف الأكبر أن ينتشر الوباء مع اللّاجئين المتّجهين إلى لبنان.

أشار الإحصاء الأوّليّ لأعداد المصابين إلى إصابة 70 مدنيًّا و55 بريطانيًّا، لكنّ الكثيرين من غيرهم كانوا يخشون التّبليغ عن إصابتهم بالمرض خوفًا من الاحتجاز. ويكفي أن نقول إنّ عدد سكان عكا انخفض في تلك الفترة من ٢٥ ألفًا إلى 8 آلاف (بسبب النّزوح)، الأمر الذي لا يختلف كثيرًا عما حصل في القرى التي حدثت فيها المجازر، لقد كان الهدف واحدًا، تهجير النّاس (نزوحًا أو قتلًا).

غاب رئيس بلديّة عكا عن المدينة تلكَ الفترة، الأمر الذي كان سببًا رئيسًا في إضعاف الجهود لحصر الوباء، فرغم إلحاح الصّليب الأحمر، لم تتمكن البلدية من إصلاح قناة المياه “مصدر الوباء”، الأمر الذي ضاعف من نزوح الأهالي، ومنع عودتهم إلى بيوتهم خوفًا من الإصابة. لقد كان هدف الوباء الرّئيس “منع الأهالي من العودة إلى ديارهم”، وفي تلك الأثناء أيضًا، واستكمالًا للهجوم، كثّفت الهاجاناه من هجومها على المدينة بالمدافع وقذائف المورتر، وطافت سيّارات إسرائيلية تنادي بمكبرّات الصّوت: “أمامكم الاستسلام أو الانتحار، سنبيدكم حتّى آخر رجل”.

وقّع بعض وجهاء المدينة على وثيقة الاستسلام، وسقطت عكا، ومع سقوطها، بدأ الإرهاب الصّهيونيّ يغزو المدينة، فاعتقل كلُّ شاب وشيخ، واعتبروا جميعًا أسرى حرب رغم كونهم من المدنيّين، وانتشرت عمليات النّهب في المدينة، وهامت النّساء والأطفال دون مأوى وطعام.

يقول للفتنانت بيتيت، مراقب الهدنة الذي زار المدينة بعد سقوطها، في تقريره المفصّل: “إنّ عملية نهب منظّمة لمحتويات المنازل حصلت لمنع الأهالي من العودة، وإنّ مذبحة اقتُرفت سقط فيها 100 مدنيّ، خصوصًا من سكان المدينة الجديدة الذين رفضوا النّزوح إلى المدينة القديمة حسب الأوامر الإسرائيليّة”، ويذكر قصّة محمد فايز صوفي، أحد هؤلاء الذين رفضوا الانتقال. لقد نجا محمد بأعجوبة، ومات ثلاثة من زملائه بإرغامهم على شرب سمّ السّيانيد، ثم ألقيت جثثهم في البحر.