نتنياهو وخطيئة الأصول

1512379400-1045-3 (1)

فتح نيوز|

بقلم: عمر حلمي الغول 

المستعمرون ليسوا شكلا، ولا نموذجا، ولا مدرسة واحدة. المستعمرون ينقسمون إلى فرق ونماذج مختلفة، ليس بين الشكلين القديم والجديد، ولا استعمار الأغنياء للفقراء، ولا بين استعمار مؤقت بزمن محدد، أو استعمار إحلالي وإجلائي، إنما هناك نموذج آخر من التقسيم بين المستعمرين، هناك استعمار يمارسه شعب وقومية محددة ضد شعب وقومية أخرى، وهناك مجموعة بشرية، خليط من مجموعات إثنية ترتبط بوظيفة محددة لخدمة استعمار أساسي، كلاسيكي يرتبط بقومية أو قوميات لها مصالح مشتركة بتعبير آخر، نموذج الخليط من الشعوب والقوميات المختلفة، هم بالمحصلة النهائية مرتزقة، مهما حاولوا من خلال عملية استعمارهم لشعب آخر، وسعيهم للاندماج فيما بينهم، واعتمادهم لغة واحدة مهجنة، ومحاولتهم تشييد ثقافة مشتركة، فإنهم لن يتمكنوا من ردم هوة التناقضات الإثنية والعرقية فيما بينهم، هذا بالإضافة للتناقضات الاجتماعية والطبقية وحتى الدينية والطائفية والمذهبية. وبالتالي الإدعاء أنهم من جذر واحد، ولهم أصل واحد، ليس أكثر من إدعاء كاذب، وهراء مزيف، لا يقوى على الصمود في الواقع المعطى. ولهذا في سيرورة إسباغ هوية لشخصية استعمارهم فشلوا، واصطدموا بالواقع، الذي كشف ظهرهم، وأماط اللثام عن وجههم، وعن تناقضاتهم العميقة. 
والنموذج الأخير ينطبق تماما على اليهود الصهاينة، الذين تم استخدامهم من قبل الغرب الاستعماري لتحقيق جملة من الأهداف الاستعمارية على حساب شعوب الأمة العربية عموما، والشعب الفلسطيني خصوصا. وأنا هنا لا أريد أن أعود للبروفيسور اليهودي شلومو ساند، ولا لغيره من اليهود المعاصرين، الذين ينفون نفيا قاطعا وجود أي أثر لما يسمى بالشعب “اليهودي”، ولا حتى للعودة ليهود طائفة ناطوري كارتا، ولا للسمرة من أبناء الشعب الفلسطيني، ولا حتى العودة ليهود أوروبا، الذين يعود أصلهم لمملكة الخزر، التي وجدت بين القرنين التاسع والثاني عشر الميلادي في آسيا الوسطى، وانما سأعود لمؤتمر كامبل نبرمان 1905/ 1907، الذي أكد على ضرورة وجود “شعب غريب” وسط شعوب الأمة العربية ليفصل مشرقها عن مغربها، بهدف نهب خيرات وثروات الشعوب العربية، والأهم وأد وتصفية المشروع القومي العربي النهضوي، لأن الغرب الرأسمالي آنذاك كان يجري عملية تقاسم للنفوذ فيما بين دوله لتركة الرجل المريض (الإمبراطورية العثمانية)، والذي تجلى لاحقا في اتفاقية سايكس بيكو 1916، التي قسمت الدول العربية بين فرنسا وبريطانيا وإيطاليا كل حسب وزنه وثقله في العملية الاستعمارية، لأن الغرب كان ومازال يعيش حتى اللحظة الراهنة عقدة الحروب الصليبية، التي تؤرق قادة الغرب جميعا، دون استثناء. 
ودخول الغرب التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية البرجوازية مع نهاية القرن الخامس عشر ومطلع السادس عشر مع اندثار مرحلة وتشكيلة الإقطاع، وولوجه عصر النهضة، ونشوء وتطور الأمم والشعوب الأوروبية، لم يسقط من ثقافة ووعي القيادات الأوروبية والأميركية المتعاقبة لعنة الحروب الصليبية، ولهذا نلاحظهم كلما اشتدت الأزمات، عادوا إلى الأساطير والهلوسات الدينية. 
وبالعودة لنتنياهو وأصل الفلسطينيين، الذي لن أناقشه من حيث المبدأ، لأنني إن فعلت ذلك، وكأني ادافع عن تاريخ وهوية وقومية شعبي المتجذرة في تربة الأرض الفلسطينية العربية على مدار حقب التاريخ القديم والوسيط والحديث. ولكن سأعود للأمس القريب، لما يجري منذ اسبوعين (نهاية حزيران/ يونيو) وحتى الآن، أي بعد اندلاع هبة الفلاشا ضد التمييز العنصري بعد مقتل الشاب سالمون تكا، الذي قتله شرطي أبيض دون أي مبرر، إلا للونه وإثنيته الأثيوبية، وهو ما يعكس طابع المجتمع الإسرائيلي العنصري، ووجها من وجوه التناقضات المتأصلة فيه، حيث يحتل الأحباش الأفارقة فيه الدرجة الأدنى، والمساوية للفلسطينيين العرب، ونتج عن تلك الهبة سقوط ضحايا من الجانبين بالعشرات، وتم اعتقال ما يزيد عن 200 شخص من الفلاشا. وقبل ذلك صراع الإشكناز الغربيين والسفارديم الشرقيين، وأزمة اندماج أتباع القومية الروسية، والقوميات المجاورة لها في أوروبا وآسيا الوسطى، والأتراك في نسيج المجتمع الإسرائيلي المركب. وحدث ولا حرج عن كم كبير من التناقضات، ولا اقول التباينات داخل مركبات المجتمع الإسرائيلي المفبرك والمفتعل، والذي لا يوجد له أصول انثربولوجية في الأرض الفلسطينية العربية. 
خطيئة المستعمر الغبي والفاسد نتنياهو، أنه نتيجة الغطرسة والغرور والعنصرية المنفلتة من عقالها، وبسبب دعم الغرب عموما وأميركا خصوصا للدولة الاستعمارية المارقة، وتهافت العرب، يصر على فضح حقيقة المجموعات البشرية المركزة في داخل دولة إسرائيل، ويكشف مجددا ظهرها وعوراتها، وانتفاء مبررات وجودها، ويعتقد أن الشعب الفلسطيني ونخبه وقيادته تجهل حقيقته، ويخلط بين رغبة الفلسطينيين بالسلام مع إسرائيل الاستعمارية، وبين الروايات التاريخية والمزورة. وأنصحك العودة لما طرحته لتطبقه على مكونات المجتمع الإسرائيلي، الذي لا يجمعه جامع سوى السيطرة الاستعمارية على الأرض الفلسطينية العربية. وهذه لا تندرج في نطاق ردة الفعل، انما استنادا للوقائع التاريخية، وللقراءة الموضوعية لكيفية نشوء وتأسيس دولة إسرائيل المارقة، الدولة الوظيفية.