نائلة عطية.. أن تعيش حياتك بأكملها “مناضلا”

1

فتح نيوز|

تقرير: يامن نوباني 

” كما أرادت فقد تم دفنها بالثوب الفلسطيني في جنازة متواضعة في تراب حيفا.. عشقها الأول والأخير”.

نائلة عطية (1959-2019) أم كرمل، وابنة الكرمل، ابنة حيفا وعاشقتها منذ الولادة وحتى الممات، ابنة صياد سمك في بحر حيفا، ابنة كل حجر ونبتة ونسمة هواء في وادي النسناس الحيفاوي والعربي بكل ما فيه برغم 71 سنة من محاولات محو هويته الأصلية والأصيلة.

في مسيرة الثورة الفلسطينية، نائلة عطية تعني أن تصحو مجدداً كل يوم لتقارع الاحتلال، تلاحقه لاستعادة الأرض المسروقة ومنعه من التمدد الاستيطاني على حساب أصحاب الأرض والحق، تحرث الشوارع كما كتبت يوما عن الاستعدادات لإطلاق مناسبة يوم الأرض في الداخل في30 آذار 1976، “حرثنا الشوارع..! في تلك الليلة جاء قائدنا توفيق زياد إلينا مع الرؤساء الآخرين الذين تحدوا معه محاولة الغاء الاضراب. ولما كانت دار توفيق طوبي ودار الاتحاد، معرّضتان للتنصت، بعد أن تم ولأكثر من مرة ضبط أجهزه تنصت للمخابرات فيهما، تقرر عقد الاجتماع في صالون دار أبو ديب عابدي القريبة. هناك التقوا جميعا، اميل توما واميل حبيبي وتوفيق زياد وتوفيق طوبي وشفيق طوبي وجورج طوبي وصليبا خميس، وحضر من تل ابيب أيضا ماير فلنر وساشا حنين، وأما نحن فقد تعربشنا على الجدار الخارجي قبالة دكان وَروَر للحراسة وحب الاستطلاع …وفي ذلك الاجتماع حسم الأمر وأعلن نهائيا وصدر الإعلان . من ذاك البيت الوطني العريق، دار ابو الكاتب الراحل ديب عابدي ودار جد الدكتور ماجد خمرة وحسام عابدي وكلهم من الأحفاد المناضلين، تم تبني ودعم قرار الشعب.. وفكرة ومشروع الحزب بأن يوم الثلاثاء 30 آذار سيكون يوم الأرض!وتم تحديد يوم السبت عندنا في حيفا موعدا لعقد مهرجان قطري يختتم التحضيرات. قضينا يوم الجمعة ونحن نحرث الشوارع والمناطق القريبة مثل الفريديس وجسر الزرقاء وابطن والدالية وعسفيا وحارات حيفا، من عباس إلى المحطة، ومنها إلى كفار سمير في الغرب، وشرقا الى الحليصة  ووادي الصليب .

نائلة عطية، تعني أن تطالب بجثامين الشهداء المحتجزة، وأن تدافع عن عشرات الشهداء الذين جرى إعدامهم في السنوات الأخيرة، وأن تواكب أجيالاً من الأسرى وحكاياتهم بحكم عملك محامياً عنهم، وبخاصة جيل الانتفاضة الشعبية الكبرى (1987-1994).

في مقالة لها عام 2012، تروي نائلة قصتها مع اعتقال فتية من مخيم الأمعري: طُرق  باب بيتي ، في حي بيت حنينا بالقدس صباحا في أحد أيام ما بعد رمضان 1997، وإذ بمجموعة  نساء حزينات يبدو عليهن القهر، لباسهن طويل غامق من الرأس حتى أخمص القدمين، ترافقهن أم موسى ريحان أعرفها جيدا منذ الانتفاضة الأولى.

كانت أم لأربعة أبناء من شباب الانتفاضة الأولى، سلامه وحمدي ومازن وموسى، اعتقلوا رفضا للحياة المذلّة واللجوء الأبدي! معبرين عن ذلك بضرب الحجارة !

هم سكان  مخيم الأمعري للاجئين هُجّروا من مدينة اللد، كانت أم موسى تأتيني لاهثة ودائمة الابتسامة تتابع قضايا أبنائها الأربعة.. وحيث كان كل منهم معتقلا في سجن آخر . فتقضي الأيام تلاحقهم ، لتحظى برؤيتهم  وهم موزعين بين سجن الفارعة  ومجدو  والظاهرية وأنصار  3!

  و بينما هم جميعهم بالأسر وفي 18 آذار 1990 فُجِعت أم موسى ريحان، فقد قتل الجيش زوجها سليم ” أبو موسى”،  بعد خروجه من المسجد، وبيده قطعة حلوى يأكلها.

جاءت أم موسى ومعها نسوة يروين لي اعتقال أبنائهن “الفتية” لم يكونوا قد تجاوزا السادسة عشر يومها، بتهمة الدخول للقدس بدون تصريح وملاحقة مجندة اسرائيلية، وهي تهمة باطلة، دافعت عنهم وخرجوا في اليوم التالي، حملتهم بسيارتي لأهلهم، فاستغّليت الظرف وتجوّلت بسيارتي ليشاهدوا القدس ويودِّعوها.. لأنه ستمر الأعوام دون أن يسمح لهم بدخولها.

صادفتهم بعد ثمانية أعوام خلف القضبان بالمحكمة العسكرية في الانتفاضة الثانية. بمعسكر عوفر غرب رام لله.. وقد أصبحوا رجالا بتهم لا تخجلهم !

من حيفا، تدافع نائلة عن الضفة المحتلة، فتقدم في أيار 2016 مشروعاً للصندوق القوميّ الفلسطينيّ يحوي وجهة نظر عن التجاوزات الإسرائيلية المتواصلة للقوانين الدوليّة في مخططاتها الاستعماريّة على الأراضي الفلسطينيّة بهدف تهويد الأرض وتصعيب الحياة على السكان.

وكان الصندوق القوميّ قد طلب من نائلة، ابنة حيفا، وضع مقترحات لمواجهة التهويد الإسرائيليّ للضفة الغربيّة، ردًّا على المساعي الإسرائيليّة المتصاعدة لتعميق تهويد الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربيّة، والتي شهدت، مؤخرًا، محاولة سنّ قانون يُشرّع تهويد الأراضي الخاصّة التي أقيمت عليها المستوطنات الإسرائيلية، ومساحات شاسعة من الأراضي التي تمّ البناء عليها للمستوطنين دون إذن أوْ تنازل من المالكين الفلسطينيين الأصليين، بالإضافة إلى الكمّ الهائل من التزييف لهذه المعاملات.

وفي أيار 2012، أعلنت عطية، عن تأسيس “دار حيفا للإبداع والنشر”، كمؤسسة ثقافية ومعرفية شاملة تهتم بقضايا البحث والدراسة والمتابعة لمختلف جوانب حياة الشعب الفلسطيني التاريخية والمعاصرة، وتنشرها بجميع الوسائل الممكنة: ورقيًا وضوئيًا وبكل الوسائل المتاحة.

 محمد عياش من القدس كتب: نائلة عطيه سنديانة الكرمل عرفتها خلال زياراتها للمعتقلين في معتقل النقب الصحراوي بشموخها ودفاعها عن اسرى شعبنا وقضيته كيف لا وهي تدريب فليتسيا لانجر التي تعرفها كل المعتقلات الصهيونية، نائلة المقاومة، أول من هرّب الى معتقل النقب عام 1989 جهاز الترانزستر حيث كان الأسرى مقطوعين عن عالمهم الخارجي.

وكتب عصام عاروري: مَن مِن جيل الانتفاضة الشعبية الكبرى لم يعرف نائلة عطية؟ المحامية الشيوعية، والسنديانة الحيفاوية، الإعصار الذي لا يهدأ أمام الظلم، والتي كرست بداية حياتها المهنية لأسرى النقب، مجانا أو شبه مجان، كانت أحيانا لا تجد في جيبها ثمن بنزين يكفي لزيارة النقب والعودة منه. فقدت الأب والأم والأخ وتمسكت بأهداب الحياة وهي التي لا تنهزم، أخيرا قرر جسدها المتعب أن يرتاح من المرض اللعين، لكن روحها لن تنطفئ، ستبقى مشعلا فوق كرملها ولكرملها الابن.

فيما كتب خالد عيسى: نائلة عطية …دمعة فلسطينية على خدّ حيفا !صعب ان تذكر حيفا دون صهيل هذه الفرس الفلسطينية التي تركناها بوادي النسناس تدّق أقدامها بالأرض في نصفنا الباقي في حيفا في صراع العين الفلسطينية في مواجهة المخرز الإسرائيلي الذي قلع عيون أجمل المدن الفلسطينية على الاطلاق عروس الكرمل حيفا ..

بين نائلة عطية وحيفا ترادف الاسم ، نائلة حيفا وحيفا عطية .. صهيلنا الباقي في وادي النسناس يشهق في وجه الأبنية الشاهقة التي أقامتها اسرائيل على ظلنا في حيفا، وتركتنا نتفرج على حسرتنا في حيفا نطل عليها من فوق حديقة البهائيين وهي بالمكياج الاسرائيلي، نبحث عن ذاكرة خيولنا العربية في ساحة ” الحناتير” التي صارت ساحة باريس ..

نائلة عطية المحامية الفلسطينية التي لها تاريخ طويل عريض من التحدي، يحفظها الاسرى في زنازين الاحتلال وهي على مدار سنوات طويلة طاقة الامل وشباك الحرية للآلاف الاسرى وهي رسول الأمهات الفلسطينيات الى فلذات أكبادهم في غياهب السجون ..

فيما كتبت ميسر عطياني: نائلة ناطورة مفاتيح العودة، رفيقة المقهورين ونصيرة الأسرى، زيتونة فلسطين، قمر على حيفا ويافا، من لم يعرف نائلة لم يعرف حيفا ويافا وعكا والبحر من لم يعرف نائلة لم يدرك معاناة الاسرى، انتصارهم، حبهم، وجعهم، حريتهم، عزلهم، مرضهم.

كانت تغضب من حكم أسير/ة وتفرح لحريتهم، في تلك القاعات المقيتة للمحاكم كان صوتها يهدر أمام

الجلاد يزلزل الجدران ونحن نبتسم لأنها معنا ونتذكر غسان كنفاني وطرق جدران الخزان .

عام 2013 يكتب جميل السلحوت عن كتابها “من لا بحر له لا برّ له”.: تكتب نائلة عن والدها الذي كان يعمل صياد سمك في بحر حيفا، وتذكرت حياة العزّ ما قبل النكبة، وكيف انقلبت الأحوال بعدها الى العكس تماما، وعادت بذاكرتها الى بعض الأحياء في مدينتها حيفا، وكيف أُغلقت بعض مقابر المسلمين والمسيحيين العرب فيها، حتى أمام من يريد زيارة قبر عزيز إليه، وعادت الى البحر وشاطئه المخصص للسباحة، انها مجرد ذكريات يصعب محوها من ذاكرتها كابنة وفيّة لشعب جار عليه الزمن، وتكالبت عليه قوى الشرّ والعدوان. وعادت الى البحر لتتذكر رحلة خروج الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وصحبه من بيروت عبر البحر أيضا، وعرجت على قرية الطنطورة في حيفا، تلك القرية الوادعة التي تعرضت لمجزرة عام النكبة، وجرى تجريفها ومحوها عن الأرض لاحقا. تذكرت بحنينٍ بالغٍ والديها، وتذكرت طفولتها في أحضان حيفا.

1987