معرض “الوطن العائم”… ذاكرة تحمل وطناً

عرفات من الخلف، ١٩٨٢

فتح نيوز|

“لا يمكن للصورة الفوتوغرافية أن تلتقط لحظة بأبعادها المختلفة، وهذا الأمر يزداد استبعاداً عندما يُطلب من الصورة أن تمثل سرداً تاريخياً”

هذه الفقرة الصغيرة موجودة في أحد أركان معرض “الوطن العائم” لفؤاد الخوري وجيريمي بيكوك، في دار النمر للثقافة والفنون في بيروت.

والفقرة أعلاه هي من تقديم قيّمة المعرض منال خضر، ولعلها تمثل رأي المصور اللبناني المعروف فؤاد الخوري، الذي صعد على متن سفينة “أتلاتنس” ولم يكن يعرف وجهتها إلى أين، حيث يقول مقتطف لفؤاد الخوري في نص تقديم “أتلانتس” في بينالي غوانغجو التاسع “عند وصولنا إلى المرفأ ومرافقتنا إلى الباخرة، لم يكن لدي أي فكرة عن احتمال وجود عرفات على متنها، غير أني تيقّنت من ذلك لدى رؤيتي رجال سياسة يتعاقبون على الدخول إليها”.

لم تكن الصور التي التقطها الخوري على متن السفينة التي حملت رجالات الثورة الفلسطينية، بقصد توثيق لحظات تاريخية كما يشير الخوري في مقتطف آخر من تقديم “أتلانتس” بل كان يلتقط الصور بشكل آلي.

ربما لم يدُر في خلد أي ممن خرجوا على متن السفن إلى أماكن مختلفة نحو قبرص والجزائر واليمن وغيرها، أن ثمة وجهة واضحة بعد ذلك، سوى ما تداوله الإعلام عن قول أبو عمار إنه ذاهب إلى فلسطين، في إجابة له على سؤال أحد الصحافيين..

الصور الموجودة في المعرض تحمل في طياتها تاريخاً لم تُغلق صفحاته بعد، وقراءة تلك الأيام يبدو أنها ستبقى مفتوحة، فبيروت التي عاشت الثورة الفلسطينية سنوات من النضال وصنع التاريخ الذي نحن بصدد نتائجه سلباً وإيجاباً، ما زالت أنفاس المقاتلين موجودة في بعض شوارعها، وذكريات بعض أهلها مرتبطة إلى حد بعيد بتلك المرحلة التي كانت فيها منظمة التحرير مع القوى الوطنية اللبنانية، الصوت الأعلى.. كذلك صفحات الكتب الكثيرة التي تناولت ذكريات ويوميات تلك المرحلة. من قصيدة “مديح الظل العالي” و”بيروت” للشاعر محمود درويش، إلى “بيروت صغيرة بحجم راحة يد” لأمجد ناصر، و”أربع ساعات في شاتيلا” للفرنسي جان جينيه. وغيرهم الكثير من فلسطينيين وعرب، ومن مختلف أنحاء العالم.

وها هو المعرض الذي تحتضنه بيروت اليوم، بعدسة فؤاد الخوري وجيريمي بيكوك، يعود ليلقي ضوءاً ساطعاً على ما بعد بيروت، من السفينة إلى ما بعدها في فلسطين. والمعرض الذي لا يدّعي التأريخ لمرحلة معينة، لا يحاول عبر 50 صورة الإجابة عن الأسئلة الفلسطينية والعربية، لكنه حسب القيمة على معرض “الوطن العائم” منال خضر “لا يسعى إلى التقليل من شأن أيقونات القضية، فهي مثل أي صورة أخرى، تمثل وجهاً واحداً للحظة تنطوي على أوجه لا تُحصى.”

الأوجه التي لا تُحصى حملتْها “أتلانتس” في رحلتها، وسفن أخرى حملت المقاتلين الفلسطينيين، وبيروت التي ظل فيها مَن ظل من لبنانيين وفلسطينيين. تلك الأوجه كلها حضرت في المعرض بلقطات مختلفة موجودة داخل “كادر” الصور، وخارجها، بعضها يمكن رؤيتها في اللقطات، وبعضها لم يظهر، لكن الأوجه تلك حضرت في الأجواء التي يحيل إليها المعرض.. فالرحلة التي وصلت إلى “الجزء المتاح من الوطن” لم تنته لدى مئات الآلاف ممن بدؤوها في بيروت أو الأردن، لم يركبوا البحر مع أبو عمار، وظلوا ينتظرون ويراقبون نهاية الرحلة، ويستعدون لرحلة أخرى تحملهم إلى فلسطين ربما من البر الذي يعرف طريقاً نحو الجنوب من لبنان.

كان يمكن أن لا نشاهد كل هذه الصور، وكان يمكن أن تكون رحلة “أتلانتس” التي حملت أبو عمار وبعض قيادات الثورة، والفدائيين، مجرد كلام متداول ومتواتر من هنا وهناك، لو أن الخوري في تلك الليلة لم يجد بكرات التصوير التي لم يحصل منها على أكثر 8 أبيض وأسود، ومثلها ملون.. 

إحدى صور الخوري لـ “أبو عمار” وهو ينظر نحو الأفق في البحر وسماها الخوري “عرفات من الخلف” تبدي رجلًا يتأمل، ولن يستطيع أحد الاجتهاد بما كان عرفات يتأمل، وهل كان فعلا يثق بإجابته أنه ذاهب إلى فلسطين. الخوري يشير في مقتطف “أتلانتس” أن عرفات كان “في عزلة ظاهرة”.

ربما في تلك اللحظة كانت التفسيرات لوقفة عرفات أسهل وممكنة، فاللحظة قائمة بمضامينها القصوى (النصر – الهزيمة – الخروج – العودة) والجميع تحت وطأتها، من ركب السفينة ومن ودعها في الميناء. لكن محاولة الإجابة اليوم تبدو معقدة جداً، معقدة إلى درجة سيتداخل فيها كل ما حصل بعد تلك السنة التي تغيرت فيها معالم فلسطينية وعربية كثيرة، ليس آخرها اتفاق أوسلو، وكل الخلافات والاتفاقات حوله. ولا الانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة، ولا حتى التعمق في أبو عمار الذي ظل يلعب دور الفدائي والرئيس معاً.

في “الوطن العائم” محاولة للمشاهد أن ينجو من غرق محتمل، حين يجرب الدخول في تأويل الصورة، خاصة حين يلتقط عناوين الصور التي تحمل رؤى فنية خاصة بالمصور من جانب، وربما رؤى ليس بوسعي تسميتها سياسية، وهنا ألجأ لما كتبه الخوري في كتابه “حكمة المصور” حيث يقول “عندما نتخيل الصورة كوسيلة للاختباء في عالم ذاتي، تسكنه شخصيات صارمة وطريفة في آن واحد، ومواقف مجنونة، وطرق لتخيّل عالم خيالي بعيد عن الواقع، نابع من الحقيقة، يغدو عالم الحرب غير متوافق مع الصورة” ويضيف الخوري في كتابه الذي حمل المعرض أجزاء منه “جعلت الصور تأتيني من دون اهتمام بترابطها، ثم انتظرت زمناً أكثر هدوءاً كي أربطها ببعضها البعض وأدرك معناها”.

المعرض الذي يبني حكاية فلسطينية/عربية ينتقل من لبنان إلى البحر إلى فلسطين، في تمثيل صارخ للعبور الذي مرت به القضية الفلسطينية بعد حصار بيروت عام 1982، وربما يصح اليوم وسم تلك المرحلة بالرومانسية لما شكّله عنها الأدب والفن وصناعة الشخصية الفلسطينية القائمة حتى اليوم في مخيمات الشتات ولا سيما في لبنان، ولعل بعض صور الفدائيين في المعرض تمثل تلك الشخصية التي نضجت في لبنان خلال مواجهات بطولية مع جيش الاحتلال الإسرائيلي، سواء ببعض العمليات التي جرت فوق أرض لبنان أو داخل فلسطين المحتلة.

نقلا عن مجلة رمان الثقافية 

bposts20190704111230

لا تنس سلاحك، طريق الجديدة، ١٩٨٢
على متن الأتلانتيس، ١٩٨٢
على متن الأتلانتيس، ١٩٨٢
فستان العروس، حي الشجاعية، قطاع غزة، ١٩٩٥
فستان العروس، حي الشجاعية، قطاع غزة، ١٩٩٥