ارطاس.. جدار الفصل طمس معالمها التاريخية

65255791_908561222869392_1676371356771418112_n

فتح نيوز|

لم تسلم قرية ارطاس الواقعة إلى الجنوب الغربي من مدينة بيت لحم من سرطان الاحتلال المتمثل في جدار الفصل العنصري الذي شكّل تفككا خطيرا في مشهدها الحضاري الثقافي القديم، ودمر أجزاء كبيرة من نظامها المائي.

ارطاس الكنعانية التي احتلت المرتبة الثانية من ناحية الأقدمية بعد مدينة أريحا، وفيها العديد من الآثار القديمة التي زادت الأهمية الحضارية للقرية، لُقّبت منذ زمن الصليبيين بـ”الجنة المغلقة”، وكلمة ارطاس “Hortus” كلمة يونانية (لاتينية) تعني الجنة أو البستان، فصل الجدار مساحات كبيرة من تلك المعالم والمواقع الأثرية والتاريخية والبيئية عن بعضها، ودمر جزءا كبيرا من قناة وادي البيار ومجموعة العيون الموجودة في الوادي، بالإضافة إلى قناة العروب “قناة بيلاطس” والتي عملت منذ الفترة الرومانية المبكرة على تزويد برك سليمان بما يلزمها من مياه لقرون عديدة.

هكذا وصف الباحث الفلكلوري فادي سند، وهو صاحب متحف تراثي في قرية ارطاس تبعات ما يمارسه الاحتلال بحقها، وقال لـ”وفا”: يضم الجدار الفاصل بداخله ما تبقى من آثار دير البنات الذي بني في الفترة البيزنطية، بعد أن ناله قسط كبير من التدمير، أثناء شق طريق الثقافي وإقامة نقطة استيطانية جديدة فوقه مباشرة، بالإضافة إلى بقايا خربة البيرة الرومانية.

وتابع، للجدار تأثير مباشر على عدم إمكانية تطوير مسار التجوال السياحي الثقافي في ارطاس والذي يربط ما بين برك سليمان وحصن هيرديوم، وبالتالي تضييق الدائرة السياحية لمنطقة بيت لحم، وعدم الإبقاء على المنطقة البيئية القائمة، بالإضافة الى اقتطاع أجزاء كبيرة من الطريق الجبلي الأزلي الذي ربط جنوب فلسطين بشمالها ( طريق القدس- الخليل) وتغيير في مساره والذي ارتبط بأذهان الفلسطينيين منذ أقدم العصور، إضافة إلى تغير جذري في المسارب والدروب التي اعتاد عليها الفلاحون للوصول إلى أراضيهم الزراعية وغيرها في شعاب المنطقة وجبالها وحتى أسمائها المحلية، وخلق واقعا جديدا لتلك الدروب والأسماء بعيدا عن ثقافة الآباء والأجداد والأبناء وعن ثقافتنا كفلسطينيين لهم ذكرياتهم وقصصهم وعاداتهم وتقاليدهم التي توارثوها عبر التصاقهم وحبهم لهذه الأرض منذ آلاف السنين.

وأضاف: الاستيلاء على الأراضي من قبل الاحتلال قلّص مساحتها الزراعية، ومنعها من التوسع العمراني، بهدف توسيع تلك المستوطنات، ما خلق مشكلة في عدم التوسع بشكل أفقي، حيث أصبح البناء يتوسع بشكل أفقي، وبعد العام 1967 تم إنشاء أول مستوطنة على أراضي قرية ارطاس وهي مستوطنة “كفار عتصيون”.

وأضاف أن ارطاس ذات بيئة حضارية ثقافية تشكل متحفا ثقافيا وطبيعيا مفتوحا يمثل البقايا والمباني الحضارية للحضارات المتعاقبة في فلسطين، وتحتوي على أكبر نظام مائي مركزي عرفه تاريخ فلسطين زود القدس لأكثر من 20 قرنا بما يلزمها من مياه الشرب والاستعمال المنزلي.

وبين أنها تمتاز بأنها واحدة من القرى التي تحتوي على مصادر مائية دائمة في محافظة بيت لحم، وتتركز أراضيها الزراعية في الوادي، حيث تصل مساحة الأراضي الزراعية إلى 185,9 دونماً، ويزرع منها 167,3 دونماً، وتصل عدد الحيازات إلى 244 حيازة وتمتاز بصغر حجم الحيازة حين أن 201 حيازة تصل مساحتها إلى اقل من دونم ، ويتم ري الأراضي الزراعية للقرية من عين ارطاس وعين عطان وعين صالح. كما يزرع 21 نوعا من الخضروات إضافة إلى 11 نوعا من الأشجار المثمرة.

وتابع: أنه تم اكتشاف كهف أثري في شهر آب عام 2000 يقع على الجانب الأيسر للطريق المؤدي إلى ارطاس والمتفرع عن طريق القدس –  الخليل  في موقع شعب عودة الذي يبعد نحو 200 متر شرقي البركة التحتا من برك سليمان داخل  ارطاس، حيث عثر فيه على أدوات  حجرية استخدمت لكشط الجلود وشفرات وسكاكين كانت تستخدم في حصاد الحبوب والنباتات البرية، وفؤوس لعزق الأرض كما تم العثور على قطع الأواني الفخارية كانت تستخدم في الحياة اليومية في تلك الفترة وهي أواخر  العصر الحجري والنحاسي والعصر البرونزي  المبكر منذ 3700 ق – م  حيث أضاف هذا الاكتشاف الجديد عمقا تاريخيا ابعد للحياة البشرية في وادي ارطاس  وكمجتمع زراعي لفترة ابعد من 6000 عام.

وقال: من المعالم الأثرية  الخالدة البرك المعروفة باسم برك المرجيع والمشهورة اليوم باسم “برك سليمان” ، ولا يوجد تاريخ محدد لبنائها على الرغم  من الاعتقاد السائد بأنها تعود إلى  فترة الملك سليمان بن داود وهو اعتقاد عار عن الصحة إذ لا يوجد دليل يثبت ذلك، وفي الفترة العثمانية سميت نسبة الى السلطان سليمان القانوني الذي قام بترميمها وإصلاح  القنوات الواصلة فيها إلى القدس.

بدوره، قال المصور جمال كيوان لـ”وفا”، قرية ارطاس أُدرجت ضمن الخارطة السياحية في فلسطين، لما لها من طابع أثري ديني ثقافي، فالقرية تضم عدة معالم أثرية سياحية، أهمها: برك سليمان التي بنيت في العهد الروماني، ودير راهبات ارطاس، وبرك سليمان، وقلعة مراد، وأنقاض مسجد عمر بن الخطاب، بالإضافة إلى العديد من العيون، كعين عطاف، وعين الفروجة، وعين صالح، وعين البرك. وجميع هذه المناطق جعلت ارطاس مزاراً سياحياً لأهالي المنطقة أو السياح الأجانب.

المصورة ابتسام سليمان قالت لـ”وفا”، أرطاس قرية جميلة، ترتفع عن سطح البحر 528 مترا، يسمونها “بساتين سليمان” و “الجنة المقفلة ” ويقدر عمرها بأكثر من 6000 عام.

وذكرت أن “اسم القرية على مسمى” لشدة جمالها فهي تقع بين أحضان سلسلة من الجبال وبين تلك السلاسل يمتد وادي ارطاس بعيون المياه المتدفقة والبساتين الخضراء وعلى مدار العام حيث شاهدت شبكة من القنوات من الفترة الرومانية وما زالت تلك القنوات والمياه تمد البساتين بالمياه وكأنها شرايين الحياة للوادي والمنطقة.

بالإضافة للجمال الموجود بالقرية هناك جذور تاريخية تضرب في أعماق الأرض فقد قدمت أقوام وأقوام عليها منذ عهد الملك سليمان الحكيم ما بين العام 950 -1015 ق .م . وقد بنى ثلاث برك بأحجام منها الصغيرة والمتوسطة والكبيرة عام 30 ق.م لتزويد مدينة القدس بالمياه عبر قناة وامتد العمل بالقنوات إلى عهد المماليك وأكتشفت منها أجزاء وعرفت بقناة العروب وما زالت النقوش على لوحات صخرية تدل على ذلك وخلال الفترة العثمانية كان هناك طواحين تدار بواسطة قوة المياه وما زالت الآثار موجودة وخاصة قلعة مراد التاريخية والتي بنيت عام 1622م والكائنة إلى الجانب الشرقي لطريق القدس – الخليل

وأقيمت القلعة لتكون الحارس الأمين على حماية مياه البرك وخوفاً من أن يضع أحد سماً بداخلها وكي تصل إلى مدينة القدس ويوجد بجانب البركة الثالثة محطة تطهير للمياه كذلك انشئت زمن الانتداب البريطاني لفلسطين، وما زال أهل القرية لغاية الآن يمارسون الزراعة وينتجون الخضار ويقام مهرجان سنوي بارطاس أطلق عليه اسم “مهرجان الخس”.

وعن دير الجنة المقفلة تقول سليمان، استغرق بناؤه ثلاث سنوات من عام 1897 – 1901م، حيث قام بتصميم البناء المعمار مرقص نصار، تعيش فيه 8 راهبات يعتنينن بالبساتين الجميلة ذات التنسيق الرائع، ويُزرع بالخضار والفواكه ويحتوي الدير على روضة لأطفال القرية، وهنالك شخصيات من العالم زارت القرية ومنهم الأمير الفرد الابن الاكبر للملكة فكتوريا ملكة بريطانيا، فدهش لروعتها وجمالها، لست متأكدة من المعلومة لكنني سمعت أنه اشترى قطعة أرض وأمر بزراعتها بالزيتون وكان يأتي اليها مع شقيقه الصغير كلما سنحت له الفرصة، وزارها غليوم الثاني إمبراطور المانيا، وملك اسبانيا.

عالمة الإنسان الفنلندية، السويدية الأصل، “هيلما جرانكفيست” ببحثها(1925-1931) ذكرت أن القرية وصل عدد سكانها عام 1922الى 433 نسمة، وكانوا يعيشون في الكهوف والبيوت الصغيرة المبنية من الاحجار على جانبا لوادي وكانت البيوت مبنية في منطقة قريبة من النبع، حيث كان جامع القرية في منطقة قريبة من النبع، في جهة القبلة يقع دير الراهبات الذي تم بناؤه عام 1901.

وبينت “جرانكفيست”، تنتشر البساتين والكروم والحقول والحدائق في قعر الوادي وفي الأراضي شبه المستوية المحاذية والممتدة على طول التلال المجاورة، وكانت الزراعة في ارطاس القاعدة الاقتصادية الأساسية بالرغم من عدم توفر أرقام تظهر عدد العائلات التي كانت تعتمد على الأراضي الزراعية في كسب رزقها، وكان يزرع في ارطاس نباتات الحبوب كالقمح والشعير والنباتات العلفية، مثلما تزرع الخضروات والفواكه كالتفاح والأجاص والخوخ والمشمش والعنب والتين والزيتون.

القرية التي تقع في “واد خصيب” الواقع بين سفحي جبلين مرتفعين، تُشع بأنوار طبيعتها الجذابة وآثارها التاريخية، ويحدها من الشرق قرية هندازة، ومن الغرب قرية الخضر، ومن الشمال مخيم الدهيشة، ومن الجنوب قرية وادي رحال.

ومساحة أراضيها حسب ما ورد في الوثائق العثمانية (13850 دونما)، وفي فترة الانتداب البريطاني تقلصت إلى ( 4304 دونما). بينما تبلغ مساحة القرية اليوم 3514 دونما، منها 2627 دونما مصنفة كمناطق زراعية، و180 مصنفة كمناطق سكنية، وما نسبته 51% من سكان القرية يعملون بالزراعة، مما يؤهلها لأن تكون قرية زراعية بامتياز، 59% من أراضي القرية مصنفة منطقة (ج) وتشمل جميع أراضي ارطاس الزراعية وأجزاء من وادي ارطاس.

65293932_2276188969132848_5936971428275421184_n