مفارقة نوتردام والمسجد الأقصى

Omar-Header

فتح نيوز|

بقلم: عمر حلمي الغول

 كان حريق كاتدرائية نوتردام التاريخية، والتحفة الفنية، والمنارة السياحية الأهم في فرنسا مساء الخامس عشر من نيسان/ إبريل الحالي، الذي استمر حتى فجر السادس عشر من الشهر نفسه، على مدار ثلاث عشرة ساعة، حدثا هز فرنسا والعالم: قيادات سياسية ودينية وثقافية وشعبية. وتنادى الفرنسيون عموما وأصحاب رأس المال خصوصا للعمل من أجل إعادة ترميم الكنيسة، التي شرع في بنائها في 1160، وتم جمع حوالي 700 مليون يورو خلال يومين، وهو ما يدلل على حرص الفرنسيين على تراثهم الحضاري والتاريخي والديني، ومدى تمسكهم ودفاعهم عن قوميتهم وميراثها التاريخي والديني، مع أن الشعب الفرنسي ليس مولعا بالمسألة الدينية، ولكن إدراكهم للأهمية التاريخية والحضارية والسياحية، حثهم على التكاتف ومواجهة لعنة النيران، التي أتت على المعالم الأساسية للكاتدرائية. 

والشيء بالشيء يذكر، فإن المسجد الأقصى المبارك، ثالث الحرمين الشريفين، وأولى القبلتين يتعرض للحرق، والاقتحامات الصهيونية اليومية لتدنيسه، والحفريات تحته وحوله، ما يعرضه للتدمير، وللتهديد اليومي المباشر. كما أن العاصمة الفلسطينية الأبدية، القدس، التي تحتضن المسجد العظيم، وكنيسة القيامة الأهم من كاتدرائية نوتردام، والعديد من المساجد والكنائس والأديرة تتعرض للسلب والنهب والمصادرة والاستيطان الاستعماري في وضح النهار من قبل دولة الاستعمار الإسرائيلي وبدعم غير مسبوق من الإدارة الأميركية الحالية، وأيضا بدعم من أباطرة المال الصهاينة. وإلى جانب ذلك، يجري ذات الشيء مع الحرم الإبراهيمي الشريف، في مدينة خليل الرحمن، والعرب والمسلمون يقفون بلا حراك، إلا ما ندر من المساعدات والدعم المشكور من قبل بعض الدول العربية الشقيقة والإسلامية، التي على أهميتها لا تسمن ولا تغني من جوع. رغم ان مؤتمرات القمة العربية، ومؤتمرات منظمة التعاون الإسلامي اتخذت العديد من القرارات المتعلقة بدعم الشعب والقيادة الفلسطينية لحماية القدس، وأنشأت العديد من الصناديق، ورصدت نظريا لها ملايين الدولارات الأميركية، لا أنها لم تف إلا بالفتات بما أبدت الاستعداد لدفعه. وهو ما يشير إلى أن بعض الأشقاء العرب يطلقون الوعود اللفظية والشكلية دون أن ترى النور حتى الآن، مع ان إسرائيل المارقة والخارجة على القانون الدولي تتغول في تنفيذ مخططها الاستعماري في القدس خصوصا، ودولة فلسطين المحتلة عموما دون واعز أو خشية من أي فعل عربي، لا بل لأنها مطمئنة إلى ان العرب ليسوا بوارد عمل شيء جدي حتى اللحظة. 

وبعيدا عن القدس وفلسطين وما يصيبها من عملية تدمير منهجية من دولة التطهير العرقي الإسرائيلية وبرعاية أميركية واضحة وضوح الشمس، فإن المرء يتساءل عن نخوة ودور بعض الأشقاء العرب تجاه ما قامت بتدميره الجماعات التكفيرية الإسلاموية وبرعاية من دول شقيقة وإسلامية للمساجد والكنائس في العديد من الدول العربية: اليمن وسوريا والعراق وليبيا ومصر، أين هم مما جرى ويجري في هذه الدول من عملية تدمير منهجي للآثار التاريخية والحضارية، وذات الأهمية الإستراتيجية بالنسبة للحضارة الإنسانية؟ هل بادرت دولة من الدول لرفع صوتها لتقول: لا لما يجري، وكفى عبثا بالتاريخ والحضارة الإنسانية، التي تحتضنها الأرض العربية؟ وما أهمية وقيمة المال العربي إن لم يحم التراث التاريخي والحضاري في أرض العرب؟ وهل تلك الانظمة التي دفعت المليارات من الدولارات الأميركية لتدمير الدول الشقيقة، تعي الأبعاد الخطيرة لما يجري في الأرض العربية، أم انها تجهل ذلك؟ وهل يمكن للعرب والمسلمين ان يتعلموا من الدرس الفرنسي الإيجابي تجاه كاتدرائية نوتردام؟

اتمنى أن يستلهم الأشقاء العرب وقادة الدول الإسلامية الدرس والعبرة مما جرى في فرنسا، ليعيدوا الاعتبار لذاتهم وتاريخهم وحضارتهم، التي هي جزء أصيل من الحضارة العالمية. فهل يفعلون؟