صور على قيد الحياة

3190898969a9ba6c1d54c16bf99f4775

فتح نيوز|

طفل يكمم أنفه بقطعة بصل محاولا التخفيف من آثار الغاز السام المسيل للدموع، وآخر يلهو بلعبته فوق ضريح والدته الشهيدة، وثالت يجثو على ركبتيه معصوب العينين ومقيد اليدين لدى اعتقاله من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، وفتاة تحاول إيقاظ والدها الشهيد.

صور وقصص وأحداث خلدتها عدسات الكاميرات، تفاعل معها الناس عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتخطت حدود فلسطين.

من بين هذه الصور، التي وصلت إلى العالمية، صورة الفتى فوزي الجنيدي (17 عاما)، التي يظهر فيها مقيد اليدين، ومعصوب العينين، ومحاطا بنحو 22 جنديا إسرائيليا مدججين بالسلاح، خلال عملية اعتقاله وسط مدينة الخليل في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر عام 2017.

رشا 3

تعرض الفتى الجنيدي للضرب المبرح من قبل جنود الاحتلال، واستمر اعتقاله لعشرين يوما، تعرض خلالها لتعذيب قاس، ما تسبب بكسر في يده اليمنى، وحتى يومنا هذا لا زال الناس يتداولون صورة الجنيدي، كأيقونة للمقاومة الفلسطينية.

يشعر فوزي بالفخر لقيام الناس بتداول صورته على نطاق واسع، معتبرا أنها عكست وجه الاحتلال الإسرائيلي على حقيقته في التعامل مع الأطفال الفلسطينيين.

“رغم قصر المدة التي قضيتها في سجون الاحتلال، إلا أنها كانت كافية لأدرك حجم معاناة الأسرى، ما دفعني للمشاركة في مختلف الفعاليات والنشاطات التي تنظم دعما لقضيتهم، إضافة إلى زيارة عائلاتهم والتواصل معها”، يقول الجنيدي.

فوزي الآن طالب في الثانوية العامة، ويعمل في أحد مطاعم الخليل، ويخطط بعد حصوله على شهادة “الإنجاز” الالتحاق بالجامعة لدراسة تخصص صيانة الإلكترونيات، وتأسيس عمله الخاص، “هذا حلمي الذي أحاول جاهدا لتحقيقه” يضيف الجنيدي.

في إحدى الصور المؤثرة على مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر الطفل يحيى نجل الشهيدة مهدية حمّاد، التي قتلها جيش الاحتلال عند مدخل بلدة سلواد شرق رام الله، أثناء قيادتها مركبتها، في السادس والعشرين من كانون الأول/ديسمبر عام 2015، واقفا إلى جانب قبر أمه، ويلهو بلعبته، وكان عمره في ذلك الوقت ثمانية أشهر.

رشا 4

كبر يحيى، وصار عمره أربع سنوات، يذهب يوميا إلى روضة الأطفال في سلواد، وتتولى شقيقتاه ملك وأحلام رعايته، إلا أنه لا ينفك بالسؤال عن والدته.

كبرت الشقيقتان قبل الأوان وتحملتا مسؤولية البيت، يقول زكريا نجل الشهيدة الأكبر: إن استشهاد والدته أجبرهما على تحمل مسؤولية البيت ويحيى، وهذه مسؤولية أكبر من طاقتهما، فقد عانتا الفقدان وعاشتا ولا تزالان وضعا نفسيا صعبا، خاصة أنني اعتقلت عقب استشهاد أمي وأمضيت في السجن عامين، ولم أستطع أن أكون إلى جانبهما لأخفف عنهما.

وتحاول أحلام وملك رعاية الصغير يحيى قدر المستطاع، لكنهما تقفان عاجزتين عندما يبدأ شقيقهما بالبحث عن والدتهما والسؤال عنها.

الأم عمود الدار، نعيش بدون والدتنا حياة تنقصها الفرحة” يضيف زكريا.

في آخر زيارة لقبرها مع والده قبل أسبوعين، استلقى يحيى إلى جانب ضريحها، وراح يحفر بكلتا يديه، ويزيل التراب والحجارة، وعندما سأله والده ولماذا يفعل ذلك، أجاب: “بدي ماما”.

صورة أخرى أثرت في الناس، كانت للشهيدة عائشة الرابي، والتي تظهر فيها إلى جانب ابنتها وسام طبيبة الأسنان وزوجها، في عيادتها بمدينة الخليل خلال جلسة علاج.

العيادة

فرحة الأم بما أنجزته ابنتها لم تدم سوى سويعات، فبعد أن انطلقت عائشة برفقة زوجها وابنتها الصغيرة راما (9 أعوام)، عائدة من الخليل إلى بلدتها بديا غرب مدينة سلفيت، وقرب حاجز زعترة العسكري جنوب مدينة نابلس، هاجم المستوطنون مركبتهم بالحجارة، ما أدى إلى إصابة عائشة برأسها بشكل مباشر واستشهادها على الفور، بينما أصيب زوجها وابنتها بجروح.

عائلة الرابي اكتوت كغيرها من العائلات الفلسطينية بنار الفقدان، وسادت الأشهر الأولى التي تلت استشهادها حالة من الصدمة والحزن.

“حياة العائلة توقفت، لم تعد هناك رغبة لدى أشقائي بإكمال تعليمهم، لا نشارك الناس مناسباتهم، إلا أن ما يحفزنا على تجاوز ذلك تذكرنا لرغبة والدتنا بأن نكون ناجحين، ونكمل حياتنا كما خططنا لها سويا”، تقول وسام.

كانت عائشة تشارك أبناءها أدق تفاصيل حياتهم، وكثيرا ما تمنت أن تقوم ابنتها وسام بإكمال تعليمها والحصول على شهادة الماجستير في تقويم الأسنان، لذا وتحقيقا لرغبة أمها، التحقت وسام في جامعة القدس “أبو ديس”، من أجل هذا الغرض.

أما سلام الشقيقة الأصغر لوسام، فتعكف حاليا على التحضير لحفل زفافها، الذي من المفترض إقامته منتصف العام الحالي، بعد أن تم تأجيله عقب استشهاد الأم، كما أن شقيقهما الأكبر محمد عاد لإكمال تعليمه في الجامعة الأردنية بقسم الهندسة.

آلاف الصور حظيت بانتشار واسع على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن قليل منها طبعت  في أذهان الناس، ومنها صورة الشاب عائد أبو عمر (21 عاما)، الذي ظهر العام الماضي خلال المسيرات السلمية على حدود قطاع غزة، عاري الصدر، يرفع بيده اليمنى علم فلسطين، وفي اليسرى مقلاعا وحجر.

رشا 1

وتحولت صورة الشاب أبو عمر لأيقونة في المقاومة الشعبية ولاقت اهتماما عربيا ودوليا، حتى ذهب البعض لتشبيهها بلوحة الفنان الفرنسي ليوجين ديلاكروا، وعنوانها “الحرية تقود الشعب”، التي رسمها بذكرى الثورة الفرنسية.

أصيب عائد مرتين خلال المسيرات السلمية، الأولى كانت برصاصة متفجرة في قدمه، مكث بسببها في المنزل لأسبوعين، وما أن بدأ يتعافى، حتى أخذ دربه باتجاه الحدود مرة أخرى، ليصاب بقدمه الثانية بالرصاص الحي.

لازال عائد يعاني لليوم من مضاعفات الإصابة، ولا يستطيع المشي على قدميه.

يتداول النشطاء على مواقع التواصل صورة عائد حتى يومنا هذا، وذلك يشعره بالفخر.

يعمل عائد في بيع حاجيات الأطفال على بسطة صغيرة، ويعيل أسرته المكونة من خمسة أفراد بينهم والداه، وينتظر حاليا أن يكمل علاجه ليعود وضعه الصحي كما كان.

ومن الصور التي صدمت العالم أيضا، كانت للشاب هيثم أبو سبلة (24 عاما)، من قطاع غزة، الذي أصيب بقنبلة غاز مباشرة اخترقت فمه وأحدثت تشوهات في وجهه.

رشا 2

كلما شاهدت الصورة تساءلت كيف بقيت على قيد الحياة، الإصابة أثرت على النطق لدي، لم أعد أستطيع لفظ الحروف كما في السابق، كذلك فقد تشوه وجهي، وحاليا لا أستطيع مضغ الطعام، وإذا ما رغبت بتناول شيء ما فإنه يتوجب علي طحنه، إلى جانب ذلك، أعاني من الدوار ووجع دائم في الرأس، ولم أعد قادرا على العمل كما في السابق” يقول أبو سبلة.