في سياسات الاستخدام الوظائفي للمقدس

%d9%85%d8%a7%d8%ac%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d8%ae-500x330

فتح نيوز |

بقلم/ ماجد الشيخ

لا يختلف سياسيو الاحتلال عن سياسيي أنظمة الاستبداد، كما لا تختلف طبيعة الممارسات والسلوكيات القمعية والإرهابية التي تعمل وفقها حزمة القوانين الاحتلالية والاستبدادية، في سياق محاولاتهما الاحتفاظ بهيمنتهما ونظراتهما ورؤاهما الاستعلائية تجاه «محكوميهما» ومن يقعون تحت سلطتيهما. ففي الحالتين المعنيتين هنا، يسود سلوك وحشي امتاز به الاحتلال الكولونيالي على اختلاف أنماطه، كما امتازت به أنظمة الاستبداد البوليسية وحتى الديكتاتوريات المدنية أو شبه العسكرية، كما الميليشيات الطائفية التي ذهبت في تمذهباتها الدينية أو غير الدينية، حدودا قصوى من مسلكيات غير بشرية، تنبع من متلازمات مرضية زاد نظيرها في أيامنا هذه، كما لم تكن من قبل، من قبيل الوحشنة والفحشنة الداعشية وأضرابها، كما من قبيل ما فعلته وتفعله الكائنات الحارسة لسجون ومعتقلات أنظمة الاستبداد والديكتاتوريات السلطوية.

السياسة الاحتلالية تبيح، وقد أباحت في كل حالات ممارساتها ومسلكياتها القمعية، استهداف قهر الإنسان وكسر إرادته وتحطيم عنفوانه وكبريائه، إلى حد استخدام أقصى الأساليب خسة ونذالة؛ وفي هذا لم تختلف الأنظمة الطغيانية الاستبدادية، وهي تطلق العنان لأدواتها من الوحوش الكاسرة في استخدام كل جديد ومستحدث من أساليب التعذيب والأذى النفسي والجسدي، وذلك على أوسع نطاق ممكن، كي تضمن غلبة روح الاستبداد، وتفشيها كأداة حكم سلطوي جائر، يؤكد لا إنسانية الأنظمة الشمولية التي شابهت وتشابه لا إنسانية الاحتلال، وهما يمضيان نحو فرض قوانين جائرة، تحت حماية وإشراف نظام إمبريالي أكثر جوراً، على ما صاره اليوم نظام الصفقات الترامبي، في تحولاته الأكثر إفصاحاً في الإعلان عن أهدافه ومراميه القريبة والبعيدة، كما هو حال أنظمة الصفقات النرجسية التي تعقد اليوم ضمن الصراع على سورية الآن وفي المستقبل، وكما هو حال «صفقة القرن» الترامبية التي يراد لها أن تتم مرة واحدة، كما لو كانت المسألة مجرد صفقة عقارية تتم على الورق وينتهي الأمر، بتعاقد طرفين أو أكثر، وإلزامهم توقيعا على سندات وصكوك. هكذا بكل بساطة، ومن دون تعقيدات السياسة والديبلوماسية والقوانين الدولية وأعراف وتقاليد المجتمعات البشرية، وحقوق الإنسان وسيادات الدول والأوطان، يريد أصحاب الصفقات المشبوهة من المديرين والمديرات، اقتلاع قيم الحق والحرية والديموقراطية والعدالة والنزاهة، وابتذالها وتحويل العالم إلى مسارح للتهريج ولارتكاب الجرائم الكبرى، بالتوازي مع التطرف والإرهاب الديني والمافيوي السلطوي، وهو يدوس على إنسانية الإنسان والقيم المعيارية التي ينبغي الحفاظ عليها من تشويهات قوى الشر لها، والعمل على «العلو» والغلو في نقضها على مستوى دول كبرى تدعي العظمة، وهي تمارس في الواقع انحطاطاً غير مسبوق عبر تاريخ الامبراطوريات القديمة والحديثة، وارتكاباتها المدونة والموثقة، كما في حالات الإبادات الكبرى التي ارتكبت ضد الهنود الحمر والشعوب الأصلانية التي تعرضت لحملات واسعة من الإبادات التي قضت على سياداتها وملكياتها في أوطانها في مواجهة المستعمرين والغزاة. وصفقة القرن التي نحن في صدد مواجهتها اليوم، لا تختلف عن صفقة الوعد المشؤوم، قبل قرن مضى، إذ لم تختلف مسلكيات الغزاة وسرديات محاولات احتلالهم لفلسطين عن مسلكيات الغزاة والاستعماريين البيض الذين هيمنوا على ما تسمى اليوم أميركا، وعلى ما تسمى أستراليا وأراض شاسعة في أفريقيا وما يسمى اليوم أميركا اللاتينية والجنوبية والعديد من مناطق تم إخضاعها بقوة الإبادات التي ارتكبها الغزاة عبر التاريخ المدون والمكتوب، وما لم يدون أو يكتب، وما يحاولون تكراره اليوم في فلسطين، عبر منح ما تبقى من فلسطين وعاصمتها التاريخية لمن ليس لهم في هذه البلاد أي أثر أو لقى تاريخية، على رغم من مزاعم سرديات مقدسة، ما كان التدين هاجسها بقدر ما كانت هواجس المعنيين بها تتطلع نحو اتجاهات مغايرة، في استباق لهيمنة «الأمر الواقع» الإسرائيلي الكولونيالي، ولو عبر سياسات استخدام وتوظيف التدين والقداسة.

نقلاً عن جريدة الحياة اللندنية