سياسة التهويد في إسرائيل ودور «يونيسكو»

971181519303783

فتح نيوز |

بقلم/ نبيل السهيلي

اعتمد المجلس التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو) في جلسته، التي عقدت في 10-10 -2018، قرارات فلسطين والمؤسسات التعليمية والثقافية بالإجماع ، والتي تشدد على ضرورة حماية وصيانة الآثار، والثقافة والتعليم في فلسطين، بما فيها القدس، وإظهار الانتهاكات الإسرائيلية ضد المواقع التراثية والثقافية والطبيعية الفلسطينية، حيث تتمركز المواقع التراثية في المدينة القديمة في القدس، والحرم الشريف، وكنيسة الميلاد، ومسجد بلال بن رباح في بيت لحم، والمدينة القديمة والإرث التاريخي في قطاع غزة وكذلك في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية.

وليست السياسات الإسرائيلية تجاه المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين حديثة العهد، حيث اتبعت إسرائيل سياسات محددة للزحف إلى الأراضي الفلسطينية عبر طرق مختلفة، لانتزاع وطمس الأسماء العربية، واستبدالها بأسماء عبرية، بغية تهويدها في نهاية المطاف. وتعتبر السنوات الأولى من ثمانينات القرن التاسع عشر نقطة البداية للتغلغل الصهيوني في فلسطين وتغيير أسماء بعض القرى. ففي شمال مدينة صفد في الجليل الفلسطيني، تم بناء مستوطنة صهيونية في السنوات المذكورة على قسم من أراضي قرية الجاعونة سميت باسم عبري (روشبينا) وهو مصطلح توراتي. وكانت الوكالة اليهودية شكلت لجنة خبراء يهود تتألف من 24 خبيراً، مهمتها اختيار أسماء للمستوطنات التي ستقام في الأراضي الفلسطينية التي يمكن التسلل إليها، وقد استطاعت الحركة الصهيونية ومنظماتها المختلفة تغيير أسماء216 موقعاً عربيا في فلسطين حتى أيار (مايو) من عام 1948، وهو العام التي أنشئت فيه إسرائيل في ظروف سياسية استثنائية. وقام أول رئيس وزراء إسرائيلي، دافيد بن غوريون بضم اللجنة المذكورة إلى ديوانه، حيث قامت بوضع 560 اسماً عبرياً بدل أسماء مواقع عربية حتى عام 1953 بغية طمس هويتها العربية والإسلامية. عام 1948 كانت مساحة أراضي الوقف الخيري الإسلامي في فلسطين تصل الى 178677 دونماً، وقامت السلطات الإسرائيلية بوضع مخطط لمصادرة وتهويد تلك الأراضي والممتلكات والمواقع، وقد تم ذلك بالفعل عبر اتباع سياسات محددة يمكن إجمالها بما يلي: حلت إسرائيل المجلس الإسلامي الاعلى ولجنة الأوقاف الإسلامية، وأصدرت في الوقت ذاته قوانين للسيطرة على الأراضي الفلسطينية، ومن بينها ما يسمى قانون أملاك الغائبين، الذي سيطرت السلطات الإسرائيلية من خلاله على ممتلكات الأوقاف، وبعد ذلك تم إنشاء سلطة التطوير الإسرائيلية التي وضعت يدها على الأوقاف الإسلامية، من خلال شراء تلك الأوقاف من حارس أملاك الغائبين، الأمر الذي جعل القسم الأكبر من الأوقاف تحت سيطرة ما يسمى سلطة التطوير. وذهبت إسرائيل إلى أبعد من ذلك، حيث أصدرت قانوناً، من أجل تبرير المبيعات من قبل حرس أملاك الغائبين إلى سلطة التطوير، وذلك بغية قوننة المصادرة للأملاك والأوقاف الإسلامية.

وخلال فترة وجيزة استطاعت سلطات الاحتلال الإسرائيلية في الأعوام 1948 – 1967 هدم وتدمير 130 مسجداً في المناطق التي أنشئت عليها إسرائيل، وتمثل تلك المساجد نحو 41.5 في المئة من إجمالي عدد المساجد داخل الخط الأخضر، التي وصل عددها إلى 313 مسجداً، وبات نحو8400 معلم عربي إسلامي في مواجهة سياسة التزوير والهدم الإسرائيلية. ومن الإجراءات التي اتبعتها السلطات الإسرائيلية لتهويد المقدسات الإسلامية الحملة الكبيرة على المساجد والمقابر الإسلامية في داخل الخط الأخضر، فتم تحويل مسجد بئر السبع إلى متحف، وكذلك بالنسبة إلى مسجد صفد في الجليل الفلسطيني. وقامت السلطات الإسرائيلية بتحويل مسجد قرية قيسارية في قضاء حيفا في الساحل الفلسطيني الى خمارة للشباب اليهود، وكذلك تم تحويل مسجد ظاهر العمر في مدينة طبريا في الجليل الى مطعم، في حين تم تحويل مسجد عين حوض- الذي لا يبعد أهل القرية منه سوى أمتار قليلة – إلى مرقص ليلي.

وفي مدينة حيفا حوّل الجيش الإسرائيلي مقبرة الاستقلال إلى حي سكني لليهود. وهناك محاولات إسرائيلية حثيثة منذ السبعينيات لهدم مقبرة قرية بلد الشيخ في جنوب شرقي مدينة حيفا على سفح جبل الكرمل، حيث يوجد ضريح الشهيد المجاهد الكبير عز الدين القسام الذي استشهد في أحراج يعبد قضاء جنين في 19-11- 1935، وهو المجاهد السوري الكبير الذي أسس لثورة فلسطين الكبرى عام 1936. ولم تتوقف السلطات الإسرائيلية عند هذا الحد، بل قامت بجرف الكثير من المقابر الإسلامية في عكا ويافا في محاولة لتهويد المنطقة.

وإضافة إلى سياسة هدم المقابر والمساجد وجرفها، قام الجيش الإسرائيلي تحت حجج أمنية وغيرها، بتحويل المساجد التي لم يستطع هدمها داخل الخط الأخضر، إلى معابد لليهود، وتشير الدراسات المتخصصة، بان الجيش الإسرائيلي حوّل 14 مسجداً الى معابد يهودية، و منع المسلمين من الصلاة في 19 مسجدا، لتتحول على يد الجيش الإسرائيلي الى مقاه أو مطاعم أو حظائر حيوانات، مثل مسجد البصة ومسجد عين الزيتون في قضاء مدينة صفد، وهناك 50 مسجداً ومقاماً، إما مغلقة أو مهملة أو مهددة بالهدم والإزالة من الوجود.

وعموماً، لا تتعدى المساجد المذكورة عشرة في المئة من إجمالي مساجد فلسطين التي هدمت منذ إنشاء إسرائيل قبل أكثر من سبعة عقود خلت.

وبعد احتلالها الضفة وقطاع غزة في عام 1967، لم تتوقف إسرائيل عن سياسة هدم وتهويد ألاماكن المقدسة عند العرب المسلمين، فخلال واحد وخمسين عاماً من الاحتلال (1967-2018)، حصلت اعتداءات متكررة وممنهجة على المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل، وكان من أبرز الاعتداءات محاولة إحراق الأقصى في عام 1969، ومجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1993.

اللافت أن إسرائيل أقدمت خلال العقود السبعة من الاحتلال على تدمير عشرات المساجد، وتغيير أسماء المواقع المقدسة بغية تهويدها، ولم تتوقف المحاولات الإسرائيلية لتهويد ما تبقى، ولهذا تحتم الضرورة الإسراع في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين، من خلال توحيد الخطاب العربي إزاء خطر السياسات الإسرائيلية التهويدية، ومطالبة المنظمات الدولية ذات الصلة وبخاصة منظمة الـ «يونيسكو» بالحفاظ على دور العبادة والمقدسات، عبر الضغط على إسرائيل للانصياع الى القرارات الدولية والأعراف الخاصة بالمقدسات والأوابد التاريخية، وقد يعزز هذا التوجه عضوية فلسطين الكاملة في الـ «يونيسكو».

نقلاً عن جريدة الحياة اللندنية