خزان الوعي الفلسطيني

imgid349084-300x2921-300x292

فتح نيوز |

بقلم/ فاتنة الدجاني

أسبابُ الانقسام الفلسطيني كثيرة. خلافاتٌ على التهدئة، وخلافات على المصالحة، وأخرى على شكل الحل السياسي، والمستقبل، وصورة البلد، ومصير القضية! لكن، إن كان ثمة أمر يتوافق عليه الكل الفلسطيني، غير إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، فسيكون بالضرورة مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ودورها الاستثنائي في حفظ الإرث الوطني.

مناسبة الحديث عن المؤسسة هي المعرض الذي تنظمه في بيروت على مدى شهر، ويستعيد التاريخ الفلسطيني المؤلم، خصوصاً وقائع النكبة وحيثياتها بعد مرور ٧٠ سنة على هذا الجرح النازف والنكبة المستمرة.

المعرض سيستفز مشاعر متنافرة ومختلطة هي مزيج من الحزن والقلق مما آلت إليه القضية الفلسطينية، وفي الوقت ذاته كبرياء وامتلاء وإحساس بالإنجاز والانتصار المعنوي بوجود تلك المؤسسة التي نجحت في حفظ الذاكرة الفلسطينية. ففي المعرض، ستجد القيّم والثمين مما تملكه مؤسسة الدراسات أو ما أنتجته فكرياً خلال ٥٥ سنة. يشمل ذلك التوثيق الدقيق ليوميات الصراع العربي – الإسرائيلي، ومئات الكتب والدفاتر والكراسات، والأرشيف الثمين للدوريات ذات العلاقة، وكذلك أوراقاً شخصية ومذكرات ومخطوطات أصلية لأهم الأسماء التي كان لها دورها الوطني، وأرشيفاً غنياً من الصور العائلية والعامة المعبّرة عن غنى الحياة الاجتماعية والاقتصادية في فلسطين.

هذا الإرث العظيم لمؤسسة الدراسات، يفتح الذاكرة باتجاهات ثلاثة: الأول هو السعي الإسرائيلي الحثيث الى طمس الرواية الفلسطينية ومنعها وتذويب الهوية القومية. ولا يزال في البال أن مركز الأبحاث الفلسطيني الذي أسسه الدكتور أنيس الصايغ، كان هدفاً خلال الغزو الإسرائيلي لبيروت، فسُرق كاملاً بأرشيفه ومكتبته، ونُقلت محتوياته الى إسرائيل، ولم تتسنَّ استعادة قسم منه إلا بعد جهود دولية دؤوبة، ليضيع بدوره في شتات منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت راعية للمركز. والاتجاه الثاني، هو التراجع الكبير في الوعي عربياً وفلسطينياً بتفاصيل القضية الفلسطينية. مثالُ ذلك إغلاق أقسام الدراسات الفلسطينية في غير جامعة عربية، وحذف مادة القضية من مناهج لمدارس الثانوية والدراسات الجامعية. أما الاتجاه الثالث، فهو تكاثر مراكز البحث حول القضية، لكن ذات الصبغة الخدماتية للترويج لحلول سياسية موقتة، والتي تلقى كثيراً من الدعم لهذا الغرض، وتنتهي جهودها بانتهاء مهمتها، تاركة علامات سؤال كثيرة حول معناها أو جدواها.

المعرض شاهد على ما كان ويكون وسيكون. وسيقف الزائر أمام شواهده ليطرح الأسئلة التقليدية الماثلة منذ عصر النهضة، وهي الأسئلة الأساسية في الفكر العربي الآن: «لماذا تأخرنا؟»، و «ماذا يجري في المنطقة؟»، و «الى أين نذهب؟»

ما تفعله مؤسسة الدراسات الفلسطينية في «وعي» القضية الفلسطينية يُمسك بعصب الفكر العربي وقضاياه. وإذا كانت القضية، في مراحلها الأولى (نكبة 1948) والثانية (نكسة 1967)، شكّلت سؤال الوعي حول فكر النهضة العربية ومثّلت رافعة له، فإن مؤسسة الدراسات الفلسطينية هي الحافظة والمحافظة على هذا الدور، على رغم التشتت والتبعثر اللذين أصابا القضية والمنطقة، فهي التي ترعى أرشيفاً يُعاد درسه في صور أسئلة الفكر العربي الآن.

لعل هذا ما أدركه المفكر الكبير قسطنطين زريق، حين بادر، الى جانب البروفيسور وليد الخالدي، لإنشاء مؤسسة الدراسات الفلسطينية، وما راكمته جهود الخالدي الفردية من بحوث وتوثيق.

فلسطينياً، سيعني دعم وجود المؤسسة الفعلَ الفكري والسياسي والحضاري الذي يسعى الى مركزة الوعي الفلسطيني وحمايته من التشتت، مقروناً بشتات الشعب الفلسطيني، أو اقتلاعه من وطنه وتفكك أواصره الاجتماعية والاقتصادية، وهو جهد حضاري تبذله مؤسسة الدراسات الفلسطينية منذ ٥٥ سنة، وجعل منها «خزان الوعي الفلسطيني» بلا منازع.

نقلاً عن جريدة الحياة اللندنية