السلام في ميزان الأحزاب الإسرائيلية

971181519303783

فتح نيوز |

بقلم/ نبيل السهيلي

يلاحظ المتابع لتحولات المشهد الإسرائيلي، أنه بعد انعقاد مؤتمر مدريد في تشرين الأول (أكتوبر) 1991، بات من الصعوبة بمكان توصيف الأحزاب الإسرائيلية. فإذا كان المعيار الرئيسي لهذا التوصيف هو البرامج السياسية لهذه الأحزاب وبنودها الخاصة بالسلام مع الفلسطينيين، فإن تحولات كثيرة طرأت على هذه البرامج مما أضاف صعوبة أخرى على التوصيف، حيث حدث خلال المعركتين الانتخابيتين اللتين تلتا اتفاقات أوسلو في أيلول (سبتمبر) 1993، وبالتحديد في انتخابات الكنيست التي أجريت في أيار (مايو) 1996، وكذلك انتخابات الكنيست التي أجريت في أيار 1999 نزوح كبير لهذه البرامج نحو وسط الساحة الحزبية السياسية، سواءً من قِبل أحزاب اليمين بزعامة «الليكود»، الرافعة للواء عدم التنازل عن أجزاء من أرض إسرائيل الكبرى، أو من أحزاب اليسار بزعامة «العمل» التي تتبنى بدرجات متفاوتة خيار دولتين لشعبين في حدود متعارف عليها.

وقد اعتبر متابعون عودة حزب «العمل» ومعسكر اليسار عام 1992 إلى الحكم في إسرائيل بمثابة انقلاب في المشهد السياسي، بعد خمسة عشر عاماً من حكم اليمين. ما لبث اليمين أن انتزع الحكم في انتخابات 1996، ثم عاد اليسار ثانيةً في انتخابات 1999 بزعامة إيهود باراك، فيما اعتبرته بعض أوساط إسرائيلية في حينه فرصة تاريخية للتوصل إلى حل تاريخي مع الفلسطينيين. وبعد اندلاع انتفاضة الأقصى في 28 أيلول من عام 2000 وحتى عام 2018، يلحظ المتابع غياب دور سياسي فاعل لمعسكر اليسار الإسرائيلي، الأمر الذي دفع كثيرين من المحللين السياسيين إلى التساؤل عن الأسباب الكامنة وراء هذا الغياب، والمدة المرشحة لاستمراره، فيما ذهب آخرون إلى أبعد من ذلك، حين تنبأوا بتلاشي اليسار الإسرائيلي، أو ما يسمى معسكر السلام من المشهد السياسي الإسرائيلي خلال العقد المقبل، وقد يعزز هذا الاتجاه اتساع وتفاقم ظاهرة العنصرية في المجتمع الإسرائيلي تجاه العرب الفلسطينيين في داخل الخط الأخضر وفي الضفة الغربية وقطاع غزة.

تجدر الإشارة إلى وجود لبس أحياناً بين مفهوم اليسار الإسرائيلي وقوى السلام، فمفهوم اليسار أوسع، حيث تعتبر قوى السلام إحدى مكونات معسكر اليسار، وتصنف بيسار اليسار وفق المعيار الرئيسي للتصنيف، وهو الموقف من مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 5 حزيران (يونيو) 1967. فمن ينادي بإعادة هذه المناطق كاملة إلى السيادة الفلسطينية وعدم الاحتفاظ بها، أو ضمها إلى إسرائيل مقابل السلام ينطبق عليه تحديد قوى السلام وهي يسار اليسار. وما يزيد من صعوبة تحديد قوى السلام في إسرائيل وفق هذا المفهوم هو مفهوم السلام لدى القوى والأحزاب الإسرائيلية. فمن المعروف أن قادة إسرائيل منذ احتلال الضفة والقطاع، ينادون بتحقيق السلام مع العرب، في الوقت الذي يمارسون فيه أعمالاً عدوانية ضد سكان الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، والنشاط الاستيطاني المحموم في عمق الضفة الغربية ومن ضمنها مدينة القدس خلال فترة حكمي العمل والليكود أو الائتلاف بينهما، دليل على ذلك، حيث أنشأت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ عام 1967 وحتى عام 2018 151 مستوطنة يتركز فيها 530 ألف مستوطن إسرائيلي، منهم 180 ألف مستوطن في 26 مستوطنة تلف مدينة القدس بطوقين من المستوطنات. واللافت أيضاً أن الأحزاب الإسرائيلية الدينية، سواء من داخل ائتلاف حكومة نتانياهو الحالية أو من خارجه، أسقطت من أجندتها في الأساس أي عملية تسوية محتملة مع الفلسطينيين، وتجمع في الوقت ذاته على الاحتفاظ بالأراضي الفلسطينية المحتلة. وعلى سبيل المثال لا الحصر كان حزب «البيت اليهودي»، الحزب القومي الديني، بقيادة نفتالي بينيت، يعارض بصراحة إقامة دولة فلسطينية، ويعارض أعضاؤه بشدة أي تنازل عن الأراضي، ويتعهدون في الوقت ذاته بالتصدي للتخلي عن سنتيمتر واحد عن ما يسمى «أرض إسرائيل» للعرب.

ولكن الحزب المذكور لا ينادي بضم الضفة الغربية بأكملها، بل وفقاً لما يسميه خطة الاستقرار، حيث يطالب فقط بفرض السيادة «الإسرائيلية» في منطقة «ج»، وهي عبارة عن 60 في المئة من مساحة الضفة الغربية والتي يسكنها نحو 80 ألف فلسطيني ويستوطن فيها نحو 350 ألف مستوطن يهودي، فضلاً عن ذلك تدعو الأحزاب الإسرائيلية الدينية، ومنها حزب البيت اليهودي إلى ضرورة الانتهاء من إنشاء الجدار العازل، الذي سيمتد إلى نحو 700 كيلومتر في عمق الضفة الغربية بما فيها مدينة القدس لفرض الواقع التهويدي على 40 في المئة من مساحة الضفة الغربية التي تصل مساحتها إلى نحو 5800 كيلومتر مربع. أما بالنسبة إلى مفهوم السلام الإسرائيلي مع الفلسطينيين، حيث جوهر الصراع، فاعتماد معيار هنا، يستبعد من دون جدال من معسكر السلام أو يسار اليسار، مجموعة كبيرة من القوى السياسية، تبدأ من أقصى يمين الساحة الحزبية وتنتهي بصقور حزب العمل، وهي القوى التي عبرت في شكل أو آخر عن الرغبة في الاحتفاظ بالأراضي الفلسطينية المحتلة مهما اختلفت المشاريع والأطروحات، مثل الحكم الذاتي، أو الإدارة المدنية، أو الضم الفوري، أما إذا اعتمدنا معياراً آخر أكثر اقتراباً من جوهر المسألة، باعتبار أن تحقيق السلام لا يتم إلا بتجسيد طموحات الشعب الفلسطيني في إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها الجزء الشرقي من القدس المحتلة، لرأينا أن قوى السلام هذه تتراجع، لتنحصر في بعض الأحزاب الصغيرة، إضافة إلى شخصيات هامشية، من دون أن يكون لها وزن أو تأثير يذكر في أحزابها.

إن مرور أكثر من خمسة وعشرين عاماً على اتفاقات أوسلو، من دون حصول الفلسطينيين على أي من حقوقهم الوطنية، يثبت من دون شك أنه لا توجد فجوات كبيرة في الرؤى بين الأطياف السياسية الإسرائيلية المختلفة حول السلام مع الفلسطينيين، ناهيك عن مواقف الأحزاب الإسرائيلية المتقاربة إلى حد كبير، إزاء مستقبل القضايا الجوهرية في إطار القضية الأم، وفي المقدمة منها قضايا: القدس، واللاجئين والحدود، والمستوطنات، التي تعتبر المعلم الأساسي من معالم احتلال الأراضي الفلسطينية. وثمة إجماع بين الأحزاب الإسرائيلية بتلاوينها المختلفة على التنكر للحقوق الوطنية الفلسطينية، الأمر الذي يؤكد أن السلام ليس في أجندة الأحزاب الإسرائيلية بغض النظر عن نعوتها المختلفة.

نقلاً عن جريدة الحياة اللندنية