الخان الأحمر رمز للصمود الفلسطيني

image-1

فتح نيوز |

بقلم/ د. رمزي بارود

على غرار النسور الجارحة، انقضّ الجنود الإسرائيليون على الخان الأحمر أخيراً، ليعيدوا بذلك مشهداً خطراً يحيط به سكان هذه البلدة الفلسطينية الصغيرة، الواقعة شرقي القدس.

الموقع الاستراتيجي للخان الأحمر يروي قصة الهدم الإسرائيلي الوشيك للقرية السلمية الفريدة وسط التدمير المستمر لمنازل الفلسطينيين والقتل الجماعي لهم في أنحاء غزة المحاصرة والضفة الغربية المحتلة.

على مر السنين، أصبحت بلدة الخان الأحمر، التي كانت ذات مرة جزءاً من مشهد للأرض الفلسطينية الممتدة، معزولة بشكل متزايد. لقد تركت عقود الاستعمار الإسرائيلي للقدس الشرقية والضفة الغربية هذه القرية محاصرة بين المشاريع الاستيطانية الإسرائيلية الواسعة والممتدة بشكل كبير، والمتمثلة بمستوطنتي معاليه أدوميم وكفار أدوميم وغيرهما.

وتعتبر هذه البلدة المنكوبة والمدرسة المجاورة لها، علاوة على 173 شخصاً من الفلسطينيين المقيمين هناك، هي العقبة الأخيرة التي تواجه مشروع ربط الوحدات السكنية اليهودية غير القانونية في القدس الشرقية المحتلة بالقدس الغربية، وبالتالي قطع القدس الشرقية تماماً عن ضواحيها الفلسطينية في الضفة الغربية.

وعلى غرار قرية العراقيب، التي هدمتها إسرائيل وأعيد بناؤها من قبل سكانها 133 مرة، يواجه سكان خان الأحمر جنوداً مسلحين وجرافات عسكرية بصدورهم العارية، وعبر أي تضامن محلي ودولي يمكنهم الحصول عليه.

وعلى الرغم من الظروف الخاصة والسياق التاريخي الفريد للخان الأحمر، فإن قصة هذه البلدة ليست سوى فصل في سرد مطول لمأساة فلسطينية امتدت سبعين عاماً.

سيكون من الخطأ مناقشة تدمير خان الأحمر، أو أي قرية فلسطينية أخرى خارج السياق الأكبر لعمليات الهدم التي تمارسها الحكومة الإسرائيلية.

صحيح أن القوى الاستعمارية استخدمت على مدى التاريخ سياسة تدمير المنازل والممتلكات، ونفي مجتمعات بكاملها كتكتيك لإخضاع السكان الرافضين لسياساتها، حيث استخدمت حكومة الانتداب البريطاني في فلسطين هدم المنازل كتعبير «رادع» ضد الفلسطينيين الذين تمردوا على الظلم طوال سنوات الانتداب، حتى أقيمت إسرائيل في عام 1948.

ومع ذلك، فإن الاستراتيجية الإسرائيلية أكثر تعقيداً بكثير من مجرد استخدام سلاح الردع، فقد أصبحت إسرائيل مقتنعة تماماً بأنه لكي تحافظ على وجودها يجب تدمير فلسطين تماماً. ولهذا، فإنها تنخرط في حملة تبدو كأنها لا نهاية لها من محو كل شيء فلسطيني، لأن ذلك، من وجهة نظر إسرائيلية، يمثل تهديداً وجودياً لها.

ولهذا السبب على وجه التحديد، ترى إسرائيل النمو الديموغرافي الطبيعي بين الفلسطينيين «تهديداً وجودياً» للهوية اليهودية الإسرائيلية.

ولا يمكن تبرير هذا إلا من خلال درجة غير معقولة من الكراهية والخوف التي تراكمت عبر الأجيال، إلى درجة أنها تشكّل الآن ذهنية جماعية إسرائيلية يدفع الفلسطينيون مقابلها ثمناً باهظاً.

التدمير المتكرر لقطاع غزة هو أحد أعراض هذا المرض النفسي الإسرائيلي.

لقد أدّت استراتيجية إسرائيل «الوحشية» في قطاع غزة المحاصر في حرب 2009 إلى تدمير 22 ألف منزل ومدرسة ومرافق أخرى خلال واحدة من أكثر الحروب الإسرائيلية دموية على قطاع غزة.

وبعد سنوات، وفي صيف عام 2014، أحدث الكيان الإسرائيلي مزيداً من الدمار وخسائر في الأرواح لدى الفلسطينيين.

وهدم إسرائيل الشامل لمنازل الفلسطينيين في غزة، وفي أماكن أخرى، بدأ قبل عقود. ويُظهر مسح سريع للحقائق التاريخية أن إسرائيل هدمت منازل ومجتمعات فلسطينية في سياقات سياسية وتاريخية متنوعة، حيث لم يكن «أمن» إسرائيل مهدداً.

وتم تدمير ما يقرب من 600 بلدة وقرية ومحليات فلسطينية بين عامي 1947 و1948، وطرد نحو 800.000 فلسطيني من بيوتهم وأصبحوا لاجئين في الدول العربية المجاورة لإفساح المجال لإنشاء إسرائيل.

ووفقاً لمركز أبحاث الأراضي، دمرت إسرائيل 5000 منزل فلسطيني في القدس وحدها منذ أن احتلت المدينة المقدسة في عام 1967، مما أدى إلى المنفى الدائم لما يقرب من سبعين ألف فلسطيني. إلى جانب حقيقة أن ما يقرب من 200 ألف من المقدسيين قد طردوا خلال النكبة عام 1948، ومع استمرار التطهير العرقي البطيء، فإن المدينة المقدسة أصبحت في حالة دمار مستمر منذ تأسيس إسرائيل.

وتستمر إسرائيل في الإفلات من العقاب بفضل الدعم الأميركي لها، ولا تشعر بأي ندم من سياستها العنصرية تجاه الفلسطينيين. ولهذا السبب، تم تمرير قوانين لتغيير أسماء الشوارع التاريخية من العربية إلى العبرية. كما تم إقرار قانون الدولة القومية العنصري أخيراً، وهو يرفع كل شيء يهودي ويتجاهل ويخفي تماماً وجود الفلسطينيين الأصليين ولغتهم وثقافتهم التي تعود إلى آلاف السنين.

إن الخان الأحمر يعتبر رمزاً للصمود ومسألة بقاء للشعب الفلسطيني، الذي يواجه دولة عنصرية سُمِح لها أن تسرح وتمرح وتفعل ما تشاء في فلسطين لمدة سبعين سنة، بلا هوادة وبدون ردود فعل من المجتمع الدولي.

نقلاً عن جريدة البيان الإماراتية