تدمير “المسحال”.. حرب على الفكر

38_0_20_9_8_20181

فتح نيوز|

وسط شارع “عايدية” الذي يصل بحر غزة بحي النصر يتراكم حطام الخمسة طوابق التي تكونت منها “مؤسسة المسحال للثقافة والعلوم” بعد أن دكتها الطائرات الحربية الإسرائيلية بأربعة صواريخ مساء الخميس.

كتب تراثية وشعرية تناثرت بين أنابيب الصرف الصحي، أجهزة حاسوب وطابعات محترقة مع لوحات فنية، ستائر كواليس المسرح تناثر بينها صور جوازات السفر التي كان يعدها ما يُعرف بمكتب “الجالية المصرية” لتنظيم سفر أصحابها.

وفود وأشخاص من الوسط الفني؛ أفراد وجماعات، ممثلون ومخرجون وموسيقيون وقفوا تحت الشمس للتعبير عن تضامنهم وحزنهم على فقدان ما اعتبروه قيمة ثقافية هامة لقطاع غزة.

ملتصقا بوالده، وقف فوزي مطر، ابن الثمانية أعوام، صامتا في وجوم أمام الركام، وهو يرتدي زيه الخاص بتدريب الدبكة الشعبية الذي كان مواظبا عليه في المؤسسة.

صار مش حلو، حزنت عليه… العمارة وقعت”، قال الطفل وهو يحبس دموعه.

وقال والده، محمد، إن طفله بالعادة يشاهد قنوات تلفزيونية خاصة بالأطفال، أما ليلة أمس فكان يشاهد القنوات الإخبارية، بعد ورد خبر قصف مؤسسة المسحال.

وفي الجهة المقابلة، تستظل مجموعة من الفتيات بظل الحائط المقابل للمبنى المدمر هربا من الشمس الحارقة، قالت سمية الأعرج (20 عاما)، إنها كانت تواظب على حضور الأنشطة الثقافية لا سيما المسرحيات في المركز.

أول مرة أشاهد مسرحية كانت في المسحال… كان الملاذ الوحيد الذي أتنفس فيه مع صديقاتي، لم نغب عنه سوى أيام الامتحانات المدرسية،” قالت الأعرج.

وقال الشاعر سليم النفار، المستشار الثقافي للمؤسسة، إن الاحتلال دمر المؤسسة لأنه يكره وجود مراكز تثقيفية وتنويرية في مجتمعنا، ويحاول تصوير الفلسطيني على انه بعيد عن الحضارة والثقافة.

واضاف: “ان المثقفين والفرق الفنية التي ليس لديها قدرة مالية، عادة ما تلجأ إلى مؤسسة المسحال لأنها كانت تتقاضى أجرا شبه رمزي”.

وهذا ما أكده منسق الفنون الاستعراضية في فرقة “العنقاء” للفنون محمد قلجة، التي قدمت عرضا غنائيا فوق الركام، مشيرا الى ان “المسحال” استضافت الفرقة في بداياتها بأجر زهيد مقابل يومين أو ثلاثة أسبوعيا حتى استطاعت الفرقة ان تتحمل نفقاتها”.

وأضاف قلجة “ان 210 أطفال تخرجوا من دورات الفنون الاستعراضية، وهناك فرقة من 75 طفلا وطفلة يتلقون التدريب الآن، لكن ذلك توقف إلى أن تجد الفرقة مكانا مناسبا ك”المسحال.

وقال المخرج المسرحي، جمال أبو القمصان، كان من المفترض أن يكمل “بروفاته” لمسرحيته الجديدة “بيرضيكوا هيك؟” المقرر عرضها الأسبوع القادم، لكن “الديكور والملابس وكل ما يتعلق بالمسرحية تم تدميره ودُفن تحت الركام”.

وعبر أبو القمصان، عن استغرابه من استهداف مؤسسة ثقافية، قائلا “أعرف المبنى شبرا شبرا، لا شيء بعيد عن العمل الثقافي سوى مكتب لتنظيم سفر حملة الهوية المصرية من غزة.”

لكنه لفت الى أن التفسير الوحيد لتدمير المؤسسة، حسب اعتقاده، “هو الرغبة بتدمير أي رمز ثقافي أو أي منبع حضاري، وترك المجال لصُنّاع الجهل، “لدعشنة” غزة واظهارها بثوب طالبان”.

السيدة أسماء جمعة إحدى متابعات أنشطة “المسحال، قالت: “إنه بتدمير مؤسسة المسحال تكون غزة قد فقدت آخر صروح الفن الحر البعيد عن السلطة الحاكمة”.

وأشارت جمعة (35 عاما) الى أن واحدة من اهم مميزات “المسحال” أنه ترك بصمة في حياة نسبة كبيرة من قاطني قطاع غزة، ومن كل الطبقات.

وكانت المؤسسة هي تجربة الفن الأولى لمعظم المهتمين بالثقافة من الجيل الجديد، سواء بحضور أمسيات شعرية أو غنائية أو مسرح.

وقال الشاب أحمد بكر (19 عاما)، الذي يقطن بجوار “المسحال” إنه ومنذ طفولته حتى تدمير المركز كان يقضي وقتا طويلا بين التعلم والتدريب والمرح في المبنى.

مذ كنت طفلا حضرت دروس تقوية وتدريبا على أغان ورسم، كان بيتي الثاني، تربيت فيه،” قال بكر.

وأشار الى أنه راقب عملية القصف، مضيفا: “ضربوا ثلاثة أو أربعة صواريخ صغيرة حوله، ثم ثلاثة صواريخ كبيرة ضربت المبنى فتحول لركام في ثوان.”

في حديثه عن المبنى قال نائب المدير الإداري للمؤسسة، نضال عيسى، إن المسرح الذي يتسع لـ350 شخصا، وكان مجهزا بأفضل التقنيات الخاصة بالإضاءة والصوت، في غزة على الأقل، وفيه قاعة مؤتمرات للأمسيات الثقافية والمعارض، وكافتيريا، ومسرح، ومكاتب لتدريب فرق فنية بشكل شبه مجاني، ومكان للجالية المصرية، هذا كل ما احتواه المبنى”.

وبدأ العمل في مؤسسة “المسحال” عام 1996، وافتتح المبنى عام 2004، بمبادرة شخصية من أحد مؤسسي حركة “فتح”، رجل الأعمال الفلسطيني المغترب، سعيد المسحال، المقيم في أستراليا، لدعم المشهد الثقافي والعلمي في غزة، استفاد منه آلاف المواطنين تدريب وتعليم وأنشطة ثقافية، وفقا لعيسى.

لم تكن مؤسسة المسحال هي المركز الثقافي الأول الذي تدمره طائرات الاحتلال، ففي عدوان 2008-2009 على غزة، قُصف المسرح الخاص بجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بقنابل حارقة تحول حينها إلى كومة من الرماد.

كما قصفت الطائرات الحربية، في الرابع عشر من تموز/ يوليو الماضي، مشروع المكتبة الوطنية، المُجمد بناؤه منذ عقد، استشهد خلال القصف طفلان وتضررت “قرية الحرف والفنون” بشكل كبير أدى لإغلاقها.

وأدانت وزارة الثقافة الفلسطينية قصف الاحتلال لمؤسسة “المسحال”، في بيان صدر عنها، معتبرة ان “هذه الجريمة تؤكد بما لا يدع مجالا للشك على العقلية الظلامية والهمجية التي تتعامل بها قوات الاحتلال مع أبناء شعبنا وقدراته الثقافية.

مدير عام وزارة الثقافة في غزة، فايز السرساوي، قال لمراسل “وفا” إن الاحتلال عنصر ظلام، وعناصر الظلام، بغض النظر عن هويتها، يحاربون مراكز التوعية والتحضُّر والتنوير في ما أشبه بتواطؤ غير معلن.

38_0_20_9_8_20182

38_0_20_9_8_20183

38_0_20_9_8_20184

10_2_20_9_8_20183