وثائقنا في أرشيفاتهم بين الطمس والتزييف

ejzim20

فتح نيوز|

إن تاريخ أي بلد ما يعتمد على الآثار والوثائق، فإذا وقعت الوثائق بين أيدي الأعداء فسوف يقومون بتحريف أو تزييف بعض الحقائق التاريخية وذلك تمشياً مع مصالحهم، كما يقومون أيضاً بإضافة نقطة في كلمة لتغيير المعنى، أو إضافة كلمة كذلك، وربما إضافة جملة على الوثيقة لتصبح دون فائدة أو دون معنى، كمن يضع السم في الدسم، فعلى المؤرخ أن يكون يقظاً وأن يكون ملماً بتاريخ البلد الذي يكتب عنه، لأنه إذا لم يكن متخصصاً بتاريخ ذاك البلد فسوف تنطلي عليه بعض المغالطات ويصدقها وهي ليست صحيحة.

كما أن هناك الوثائق الصحيحة التي لا يرغب الأعداء بتقديمها للباحثين لأنها تكون ضد مصالحهم فتكون مخبأة في الأرشيف نفسه وربما تكون قد أتلفت كي لا يطلع عليها أحد. وفي هذا البحث سأتناول بعض الوثائق الفلسطينية التي تم تزييفها، ولماذا تم التزييف، مع الدليل على ذلك.

وثائقنا في أرشيفاتهم بين الطمس والتزييف

توجد مئات الآلاف من الوثائق الفلسطينية محفوظة في دور الأرشيف اليهودية والصهيونية، وقد اقتبس منها بعض الباحثين في أبحاثهم أو كتبهم. ومن هذه الأرشيفات: أرشيف الدولة اليهودية:

الأرشيف اليهودي، Israeli State Archive، والأرشيف الصهيوني، Zionist Archive.

ومن الخطأ أن يعتمد الباحث على وثائق لم تخضع للنقد والتمحيص أو التسليم بأنها وثيقة صحيحة. فبعض الوثائق تكون صحيحة والبعض الآخر مزيفاً، وحول نقد الوثائق، كتب الدكتور حسن عثمان في كتابه منهج البحث التاريخي قائلاً: “أول مرحلة من مراحل نقد الأصول التاريخية هي إثبات صحتها، لأنه إذا كان الأصل، أو المصدر كله أو بعضه مزيفاً أو منتحلاً، فلا يمكن الاعتماد عليه على وجه العموم، وصحيح أن تزييف الأصول والوثائق صار اليوم أصعب منه في الماضي، ولكن دوافع التزييف والدس لا تزال قائمة كالأهواء والمطامع، وحب الكسب والشهرة، والتزييف والانتحال يوجد في كل أنواع الأصول والمصادر التاريخية”.

إن الباحث في دور الأرشيف اليهودية يجد وثائق كثيرة عن فلسطين لكن معظمها غير هام للتاريخ الفلسطيني، وأما الوثائق الهامة فهي ربما مخفية في مكان ما أو أتلفت لأنها ضد المصلحة الصهيونية. والسؤال الذي يتبادر للذهن هو: كيف حصل اليهود على كل هذه الوثائق والملفات منذ زمن الانتداب البريطاني على فلسطين؟

والجواب على ذلك السؤال أُوجِزُهُ بما يلي:

كان الإنجليز قد عينوا أول مندوب سامٍ بريطاني على فلسطين هيربرت صموئيل وهو يهودي إنجليزي، وقد خطط صموئيل على جعل فلسطين يهودية، كما هي إنجلترا إنجليزية وفرنسا فرنسية. وبعد تسلمه السلطة في فلسطين أصدر أمره بتشكيل مجلس استشاري، كان نصف أعضائه من الموظفين الإنجليز والباقون هم أربعة من المسلمين وثلاثة من المسيحيين وثلاثة من اليهود، وقد رفض العرب قبول المجلس الاستشاري لأنهم يشكلون 93% من سكان فلسطين ولم تمثل هذه النسبة عدد الأعضاء في المجلس الاستشاري، وقدم العرب لصموئيل احتجاجاتهم عليه وخوفهم من المستقبل بسبب أهداف الصهيونية. وحاول طمأنة العرب أو خداع العرب في أحد تصريحاته لهم قائلاً: أن العرب خائفون على مستقبلهم من الأهداف الصهيونية، وإن هذا الخوف ما هو إلا من قبيل الظنون والأوهام لأن الحكومة الإنجليزية لن تقبل بأن يهضم الحق العربي، ثم أضاف: “في فلسطين بقاع واسعة تتسع لعدد كبير من السكان، فالذين يهاجرون إليها من اليهود سيهاجرون تدريجياً بالقدر الذي تسمح به حالة البلاد”.

كان تعيين صموئيل مندوباً سامياً على فلسطين إرضاءً للصهيونية، ويعترف صموئيل في مذكراته قائلاً: “عينتني حكومة صاحب الجلالة وهي على بينة تامة بميولي للصهيونية، وبلا شك إن تلك الميول كانت سبباً أساسياً بذلك”، كما اعترف زعيم الصهاينة وايزمن أنه كان السبب في تعيين صموئيل مندوباً سامياً على فلسطين فقال: “أنا المسؤول عن تعيين السيد هربرت صموئيل في فلسطين، إن صموئيل صديقنا، ولم يقبل أن يقوم بهذه المهمة العسيرة إلاّ نزولاً عند رغبتنا، نحن حمّلناه هذه الأعباء، إن صموئيل هو صموئيلنا” وقد عين صموئيل عنده بعض الموظفين الإنجليز واليهود في مكتبه، فكان الموظفون اليهود يصورون نسخاً من الرسائل الواردة من العرب للمندوب البريطاني، ثم يقومون بإرسال هذه النسخ إلى المنظمة الصهيونية والوكالة اليهودية في القدس، كما قاموا بتصوير الوثائق والرسائل التي ترسل من حكام المقاطعات الإنجليز للمندوب البريطاني كذلك.

حتى إنهم كانوا يصورون الرسائل المرسلة من المندوب البريطاني إلى وزارة المستعمرات البريطانية ويرسلون هذه الصور إلى المنظمة الصهيونية كي تطلع عليها المنظمة الصهيونية قبل أن يطلع عليها وزير المستعمرات، أضف إلى ذلك أنه عندما كان اليهود يقومون بهجوم على المكاتب والدوائر العربية وحتى الإنجليز، كانوا يأخذون الوثائق منها ويحفظونها لديهم فيضيفون عليها أو يحذفون منها ما لا يعجبهم، ويحذفون نهائياً الوثائق التي لا يريدون أن يطلع عليها أحد. وبهذه الطرق حصلوا على آلاف الوثائق.

وهناك طرق أخرى اتبعها الصهاينة لجمع الوثائق نستنتجها من منظر الوثائق الموجودة في دور الأرشيف، حيث نرى أن كثيراً من الوثائق تعرضت للشطب والتغيير في بعض معلومات الوثيقة مما يدل على أنها مسودة، ولا بد أن تكون للصهاينة طرق أخرى حتى استطاعوا تجميع هذه الوثائق. أضف إلى ذلك أن هناك كثيراً من الوثائق التي وصلت إليهم ربما لم تعجبهم لذا زيفوها عن قصد لتغيير مجرى التاريخ الفلسطيني. 

ولا بد من إعطاء بعض الملاحظات على الوثائق المحفوظة في دور الأرشيف اليهودية كي يستطيع الباحث الحكم عليها، ومن الأمثلة على هذه الوثائق: نجد أن كثيراً من الرسائل في ملف رقم (ك13/31) كتبها محمد شاكر الحسيني للمندوب البريطاني في القدس، وهي كثيرة يشكو فيها على الحاج أمين الحسيني مفتي القدس، وبعد البحث والتدقيق توصل الباحث إلى أن هذا الشخص هو شاكر الشاكر الحسيني حسب اعترافات آل الحسيني، ولم يكن شخصية هامة في العائلة، ولم يلعب دوراً تاريخياً يذكر في تاريخ فلسطين بل كان رجلاً عادياً، ولكن القارئ للوثائق الفلسطينية في دور الأرشيف سيأخذ فكرة وانطباعاً أن هذا الشخص ذا مكانة هامة بسبب كثرة الوثائق التي كتبها للمندوب البريطاني في القدس. فهذا النوع من العمل هو نوع من أنواع الخداع ومصائد للباحثين كي يقعوا في الخطأ ويكتبوا عن تاريخ فلسطين نقلاً عنه ليصبح تاريخها مزوراً.

وهناك مثال آخر وهو أن مجموعة من الأشخاص بعثوا رسائل للمندوب البريطاني بتاريخ 11/8/1932م تهجموا في رسائلهم على الحاج أمين الحسيني وعلى المجلس الإسلامي الأعلى ووقعوا هذه الرسائل مع محمد شاكر الحسيني، وقد أرسل المندوب السامي رسالة إلى وزارة المستعمرات البريطانية بتاريخ 24/9/1932م شرح فيها عن الذين أرسلوا الرسائل له فقال: إن هؤلاء ليسوا ذوي أهمية في فلسطين وأنهم غير محبوبين في بلدهم. وجاء في رسالة المندوب البريطاني عن هؤلاء العرب لوزير المستعمرات البريطانية قائلاً:

“I may add that the petitioners are not people of importance, nor are many of them highly respected in the country”

إن القارئ لهذه الرسائل المرسلة من محمد شاكر الحسني للمندوب البريطاني يجد أن الخط يختلف من وثيقة لأخرى مما يدل على التزييف.

وإذا نظر الباحث إلى الرسائل المكتوبة عام 1925م لهذا الشخص يجد أنها تختلف عن الرسائل المكتوبة في أعوام 1931-1932 سواء من ناحية الخط أو التوقيع. ويستطيع الباحث ملاحظة الخطوط التي كتبت في بعض الرسائل بخط جميل جداً وموقعة بتوقيع محمد الشاكر بخط جميل، ووثائق أخرى كتبت من الشخص نفسه بخط غير جميل وتوقيعه مختلف عن توقيعه في الوثائق الأخرى، وهذه دلالة أخرى على التزييف. 

ومن دراستنا لكل رسائل محمد شاكر الحسيني نلاحظ أن كل رسائله تتهجم على المفتي والمجلس الإسلامي الأعلى، وهذا يدلنا على أنه كان مدفوعاً من المعارضين للمفتي ومدفوعاً من المنظمة الصهيونية التي كانت تراقب الوضع في فلسطين من حيث النزاع بين العائلات الفلسطينية الحسيني والنشاشيبي.

كما نلاحظ أن النصوص التي ذكرها في وثائقه مقارنة مع الحقائق التاريخية غير مطابقة وغير صحيحة، وهذه دلائل أخرى على التزييف والانتحال، وكما يبدو أن هذا الشخص مؤيد لمعارضي المجلس الإسلامي الأعلى ورئيسه، كما أسلفنا.

ومن دراستنا للوثائق والرسائل الموجودة في دور الأرشيف اليهودية نلاحظ أن رسائل المعارضين للمجلس الإسلامي الأعلى هي أكثر من رسائل المؤيدين له أي بنسبة 80% إلى 20% والحقيقة على العكس تماماً ونستنتج من ذلك أن الباحث في المستقبل عندما يطلع على هذه الوثائق سيقع في الخطأ إذا اعتمد على هذه الوثائق، لأنه سوف يستنتج من دراسته للوثائق في الأرشيف أن أغلبية الشعب الفلسطيني هم من المعارضين للمجلس الإسلامي الأعلى، وكما هو معلوم تاريخياً أن المعارضين هم الذين تعاونوا مع الإنجليز وكانوا يسيرون في فلكهم، أي أن القارئ لهذه الوثائق سوف يستنتج أن الشعب الفلسطيني مؤيد للاحتلال الإنجليزي وهذا خطأ فادح. 

والدارس لهذه الوثائق في الأرشيف يلاحظ أن النزاع بين العائلات المقدسية الحسينية والنشاشيبية زمن الانتداب البريطاني كان واضحاً، وذلك بسبب سياسة فرق تسد التي اتبعها الإنجليز، كما نلاحظ أن الأرشيف مليء بالوثائق التي تبث سمومها في شكاويها على المجلس الإسلامي الأعلى ورئيسه المفتي لأنه تفوق عليهم في الشارع الفلسطيني. ويستنتج القارئ للوثائق في الأرشيف أيضاً أن المجلسيين قليلون وأنهم موجودون لإعاقة مخططات المعارضين وهذا على العكس تماماً.

كما أن الأرشيف مليء بالوثائق متشابهة النص حرفياً لكنها بخطوط مختلفة، وهي موجهة إلى السكرتير العام أو إلى المندوب البريطاني مرسلة من حزب الزراع أو الحزب الوطني الذي كان سكرتيره عبد الله مخلص، وأغلبية هذه الرسائل تتهجم على المجلس الإسلامي الأعلى، ومن المعروف أن عبد الله مخلص وفخري النشاشيبي كانا قد قبضا أموالاً نتيجة تعاملهما مع الصهاينة كما هو مثبت في وثائق الأرشيف نفسه.

وهناك وثائق أخرى في الأرشيف اليهودي مزيفة أو مدسوسة فمثلاً هناك وثيقة مرسلة من الحاج أمين الحسيني- مفتي القدس- إلى المستر ديدس Wyndham Deedes السكرتير المدني في حكومة الانتداب، وهو شخص معروف ويكره العرب، ويتعاطف مع الصهاينة كلياً، ففي هذه الرسالة المؤرخة بتاريخ 24/3/1921م، تقول أن المفتي يشكر المستر ديدس على رسالة التعزية بوفاة الشيخ كامل الحسيني (مفتي القدس السابق). ولو تفحصنا هذه الوثيقة، لوجدنا أنها غير صحيحة للأسباب التالية:

أولاً: إن توقيع المفتي على هذه الوثيقة يختلف عن توقيعه في الوثائق الأخرى.

ثانياً: أن ديدس شخصية إنجليزية معروفة لدى المفتي، فهو يكره العرب ويكره المفتي الحاج أمين وإنما وضعت هذه الوثيقة في الأرشيف لإعطاء فكرة خاطئة للباحث بأن المفتي كان يتعامل مع الصهاينة، وهذا يعني المس بسمعة المفتي.

ثالثاً: لا يمكن أن يكون ديدس قد بعث برسالة تعزية للمفتي، ولو كان صحيحاً أنه بعث برسالة تعزية، إذا لماذا لا توجد هذه الرسالة في الأرشيف نفسه ولا حتى في الأرشيف الإنجليزي. وإنما الموجود هو الجواب لديدس فقط.

رابعاً: أن نوع الورقة التي استعملها، ليست ممهورة بختم، وليست مطابقة لنوع الأوراق الأخرى.

خامساً: إن خط هذه الوثيقة يختلف عن خط المفتي، ولو قارنا خط هذه الوثيقة بخطوط الوثائق الأخرى في الأرشيف لوجدنا أن خط هذه الوثيقة يشبه تماماً خط بعض رسائل المعارضين التي أرسلت إلى المندوب البريطاني بتاريخ 27/6/1925م في ملف رقم 189 والتي ذكرت ضرورة تعديل قانون المجلس الإسلامي الأعلى وتهجمت على المفتي. وتشبه أيضاً خط وثيقة أخرى مرسلة إلى المستر آمري Amry مرسلة من المعارضين، وكذلك تشبه خط الرسالة المرسلة إلى المندوب البريطاني والتي وقعها محمد الشاكر الحسيني وهي في ملف (ك13/13) في أرشيف الدولةIsraeli State Archive.

ومن الأمثلة الأخرى على تزييف الوثائق الموجودة في الأرشيف، نرى أن هناك وثائق متشابهة الخط مما يدل على أن كاتبها واحد، فمثلاً نجد وثيقة مرسلة إلى المندوب البريطاني بتاريخ 27/8/1925م في ملف رقم 190 تشبه تماماً وثيقة أخرى في خطها مرسلة إلى الحاج أمين الحسيني بتاريخ 11/9/1925م ولو تفحصنا هاتين الوثيقتين لوجدنا أن الوثيقة المرسلة إلى المندوب البريطاني فيها أسماء أشخاص وتواقيعهم، وهؤلاء هم المندوبون عن كل مدينة في فلسطين كما ذكرت الوثيقة. وأما في الوثيقة الثانية فهي مرسلة إلى المفتي وعليها أسماء الأشخاص دون تواقيعهم وهم نفس الأشخاص الذين وقعوا على وثيقة المندوب البريطاني، ويبدو أن كاتب الوثيقة الثانية كتبها وكتب أسماء الأشخاص دون تواقيعهم ودون استشارتهم.

ومن الأمثلة الأخرى للدلالة على الانتحال والتزييف في الأرشيف هناك برقية مرسلة إلى المندوب البريطاني موقعة من ثلاثة أشخاص من عائلة الخالدي في القدس يشكون فيها زواج منيف الحسيني من بنت من آل الخالدي.

كما أنهم ذكروا في رسالتهم كلمات بذيئة ضد تصرفات المفتي وأنه أجبر الفتاة على الزواج من منيف الحسيني (صاحب جريدة الجامعة العربية). عندما قرأت الوثيقة في الأرشيف ذهبت للقدس أبحث عن أسماء الذين توجد لهم أسماء في هذه البرقية، فقابلت السيد فؤاد عبد الغني الخالدي الموجود في قرية بيت حنينا قرب القدس، وسألته فيما إذا كان قد أرسل مع اثنين من آل الخالدي برقية إلى المندوب البريطاني يعترضون على زواج منيف الحسيني من بنت آل الخالدي فقال فؤاد الخالدي:

“إنه لم يبعث برقية مطلقاً إلى المندوب البريطاني، ولا حتى أصدقاؤه بعثوا. وأضاف قائلاً إن زواج منيف من شمعة الخالدي لم يحبذه بعض الأشخاص من العائلة، ولكنهم لم يعترضوا عليه. ثم سافرت إلى بيروت لمقابلة منيف الحسيني، وسألته وسألت زوجته عن قصة زواجهما وعن الوثيقة الموجودة في الأرشيف، فاستغربا بوجود هذه الوثيقة وقالا إن الحاج أمين لم يجبر الفتاه على الزواج مطلقاً، وقالت شمعة أيضاً: على العكس تماماً إنني كنت معجبة به.

وهذه القصة تدلنا على أنها منتحله، وأن ملفقيها كانوا على اطلاع بما يجري في القدس حتى بين العائلات، وخاصة أن شمعة الخالدي ستنتقل أملاكها من آل الخالدي إلى آل الحسيني بعد الزواج. وكان المنتحلون لمثل هذه الوثيقة كتبوا الرسائل والبرقيات للمندوب البريطاني تطابق الحوادث التي كانت تجري بين الفترة والأخرى، وينتحلون أخبارا كاذبة لإدراجها على أنها حقائق لإيقاع الفتنة بين العائلات الفلسطينية. ومن الأمثلة الأخرى على الانتحال والتزييف في الأرشيف الصهيوني وهي من تخطيط الصهيوني كيش Kish، حيث يقول فيها أنه دعي ثلاث مرات من قبل طاهر الحسيني (ابن المرحوم كامل الحسيني مفتي القدس السابق) وذلك عام 1930م أثناء وجود الحاج أمين الحسيني في لندن، وأضاف كيش أن طاهر طلب منه أن يصبح مفتياً بدلاً من عمه الحاج أمين. 

ولكي تثبت بطلان الوثيقة، نذكر أن طاهر الحسيني كان يسكن مع عمه الحاج أمين في القدس وعلاقاتهما جيدة مع بعضهما البعض، ولكن الحقيقة التي ينشدها كيش من أكذوبته هو أن يعود الحاج أمين مباشرة من لندن عندما يسمع هذا الخبر وذلك للحفاظ على منصبه كمفتي، وبذلك يفشل الوفد الفلسطيني الذي ذهب إلى لندن عندما يعود المفتي فجأة، ويعترف كيش بذلك فيقول:

“…. When such news will reach Hajj Amin in London, he will not hasten to return to Palestine to fight for his post, and thus you will achieve two aims with one stroke: Hajj Amin will be deposed and the delegation will fail. He believes that the delegation might cause much harm to the Jewish cause.”

ومن الأمثلة الأخرى على التزييف والانتحال في الأرشيف اليهودي: هناك وثيقة تنص على أن الحاج أمين فرض دفع مبلغ 150 مليماً على رسوم الزواج. وأن هذا المبلغ من الضريبة للإنفاق على إعمار الحرم الشريف. ولكن الحقيقة أن المفتي لم يفرض مثل هذا المبلغ. وأن الذي أقام الدنيا وأقعدها على الحاج أمين هو أحمد طهبوب الذي نشر رسالة مفتوحة إلى المندوب البريطاني في جريدة مرآة الشرق بتاريخ 24/12/1931 عن فرض هذا المبلغ على عقود الزواج، وقد نفى الحاج أمين هذا الزعم للمندوب البريطاني. والحقيقة أن طهبوب كان كاتباً في المحكمة الشرعية في بيسان وطرد من وظيفته بقرار صادر بتاريخ 21/5/1930 من المجلس الإسلامي الأعلى، ولهذا السبب ثار على الحاج أمين رئيس المجلس الإسلامي.

ومن الأمثلة الأخرى على التزييف والانتحال، هناك وثيقة في الأرشيف مرسلة من المجلس الشرعي الإسلامي رقمها 3484 بتاريخ 7/4/1924، على أنها من الحاج أمين الحسيني إلى السكرتير العام، وموضوع الرسالة “أخذ إعانة لعمارة المسجد الأقصى” وتذكر الوثيقة أن لجنة عمارة المسجد الأقصى تقترح جمع الإعانات من المسلمين ومضاعفة الإعانات الخفيفة التي تؤخذ عن عدة معاملات تجري في المحاكم الشرعية”، وهذه الإعانات الخفيفة تُستوفا من أربابها من المسلمين مساعدة للعمارة، أما مقدارها الذي يؤخذ من كل صنف من أصناف المعاملات التي رؤي الأخذ عنها فهو كما يلي:

عقد نكاح 10، طلاق 10، وصاية 10، نفقة 5، إعلام وراثة 15، صورة إعلام 5، تسجيل وقفية 15، وكالة تبرز من المحامي 10، دعوى تستأنف 10، …..”. 

نستنتج من هذه الوثيقة أن المفتي أراد جمع الأموال من طرق مختلفة لعمارة المسجد الأقصى لكن هذه الوثيقة لا يوجد عليها ختم المجلس الإسلامي الأعلى. بينما الوثائق التي كانت تصدر من المجلس كان عليها ختم المجلس. كما أن هذه الوثيقة لم تذكر نوع الإعانة هل بالقرش أم بالجنيه بل ذكرت الرقم فقط، والمفتي معروف عنه أنه لا يغفل ذلك في وثائقه المرسلة من المجلس الإسلامي، وهذا يدلنا على مدى التزييف في الوثائق الفلسطينية في أرشيفاتهم.

ولكن السؤال هو لماذا يحتفظ الأرشيف اليهودي والأرشيف الصهيوني بمثل هذه الوثائق فقط، ولم تحفظ الوثائق الهامة مثل الوثائق التي تنص على طلبات الشعب الفلسطيني من المندوب البريطاني ومن الحكومة البريطانية بالاستقلال التام وإلغاء وعد بلفور الذي صدر في 2/11/1917م؟

إن هذه الوثائق الموجودة في الأرشيف الصهيوني والأرشيف اليهودي يرجع تاريخها إلى زمن المندوب السامي البريطاني هربرت صموئيل Herbert Somuel وهو إنجليزي الجنسية يهودي الديانة. وكان قد عين مندوباً سامياً على فلسطين وهو أول حاكم بريطاني مدني حكم فلسطين في بداية الانتداب البريطاني عليها. وفي زمنه تم خلط الوثائق الصحيحة والوثائق المزيفة التي تخص الشعب الفلسطيني والقصد من ذلك وضع السم في الدسم وكي يتوه الباحث أثناء اقتباسه من هذه الوثائق.

والسؤال الذي يتبادر للذهن هو لماذا وجدت هذه الوثائق الفلسطينية بكثرة في دور الأرشيف في هذه الفترة بالذات؟ والجواب على هذا السؤال واضح وهو أن المندوب البريطاني الذي كان يحكم فلسطين وهو بريطاني يهودي، قد أعطى الضوء الأخضر للمنظمة الصهيونية كي تعمل ما تريد في فلسطين. لقد بدأ صموئيل في تهويد أجهزة الحكم أولاً، فوضع على رأس كل دائرة موظفاً إنجليزياً يهودياً وليس مسلماً أو مسيحياً، ومن أخطر الشخصيات اليهودية التي قام بتعيينها هو نورمان بنتويش، إذ عينه سكرتيراً قضائياً في حكومة الانتداب، فبدأ في سن التشريعات اللازمة لفلسطين، ووضع حكومة الانتداب، ووضع مئات القوانين التي حدت من نشاط العرب وحمت اليهود وسهلت هجرتهم.

وفي تاريخ 26/8/1920م وضع صموئيل أول قانون للهجرة إلى فلسطين، لقد مكن هذا القانون من استقبال 16.500 مهاجر يهودي إلى فلسطين، وفتح هذا القانون باب الهجرة واسعاً أمام اليهود، حيث ارتفع وجودهم في فلسطين من 7% عام 1920م إلى 33% عام 1947م. 

وقام صموئيل بتقليص حجم الملكية بالنسبة للعرب، وعمل على إخراجهم من أراضيهم بزيادة الضرائب على الأملاك، وألغى القوانين العثمانية التي كانت تمنع اليهود من امتلاك الأموال غير المنقولة في فلسطين، واستعاض عنها بقوانين جديدة، تساعد اليهود على تحقيق أهدافهم ومطامعهم ولا سيما قانون انتقال الأراضي رقم 39 لعام 1920م. وفي ظل هذا القانون قامت الشركات الصهيونية بدور بارز في امتلاك الأراضي ونقلها من الأيدي العربية إلى المهاجرين اليهود. ومنح صموئيل شركة البوتاس 75 ألف دونم مجاناً، ومنح شركة الكهرباء 18 ألف دونم مجاناً أيضاً، وهذه الشركات يهودية. وفي نهاية حكمه أصبح اليهود يملكون 1,099,574 دونماً من عام 1921/1925م.

وملاحظة أخرى نلاحظها في الأرشيف وهي أن تصوير الوثائق ميسر جداً، فالباحث يستطيع أن يصور مئات الوثائق بمبلغ زهيد جداً، والسؤال هو لماذا يا ترى؟ والجواب على هذا السؤال: وذلك كي يطلع الباحثون في تاريخ فلسطين الحديث على هذه الوثائق المنتحلة والمزيفة بسهولة كي يكتبوا ما يحلو للمنظمة الصهيونية من وجهة نظر صهيونية.

والسؤال الآخر هو: هل اليهود أرادوا حفظها لأسباب أخرى؟ والجواب واضح أيضاً أنهم يدمرون الوثائق الصحيحة ويتلفونها بينما الوثائق المزيفة يحفظونها كي يستعملها الباحثون ويقعوا في الخطأ أي أنها مصائد للباحثين والمؤرخين.

لقد ذكر المؤرخ حسن عثمان عن حفظ الوثائق بصفة عامة قائلاً “إن الحكومات لا تنشر الوثائق التي تمس بسمعتها، فهي تنشر ما ترى أنه يحقق مصلحتها وتخفي ما عدا ذلك، فهناك الوثائق التي لا تنشرها الحكومة مطلقاً حتى ولو مر خمسون عاماً على بعضها. وهناك وثائق يدون عليها بعض الملاحظات، أو تغير جمل وكلمات فيها، أو ينالها حذف أو إضافة أو كلمات فيتغير المعنى”، ويضيف حسن عثمان في موضع آخر أن تغيير حرف أو مجرد وضع نقطة في كلمة ما يتغير المعنى وقد يقلبه رأساً على عقب.

لذا يجب التأكد من الوثائق والأصول التاريخية قبل الوقوع في الخطأ، كما جاء في سورة الحجرات “يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين”.

لقد ذكر الصهاينة في عدة وثائق في الأرشيف أنهم كانوا يتجسسون على مفتي القدس الحاج أمين الحسيني، وكذلك على المجلس الإسلامي الأعلى الذي وقف حجر عثرة أمام طموحات الصهاينة في شراء الأراضي في فلسطين. كما أسس الصهاينة جمعيات وأهمها الجمعية الإسلامية الوطنية.

 وقد أسس هذه الجمعية اليهودي الصهيوني كالفاريسكي عام 1921م، هدف هذه الجمعية محاولة استقطاب عدد من المسلمين لهذه الجمعية المشبوهة، كذلك هدفها ضرب الجمعية الإسلامية المسيحية.

لم تعش الجمعية المشبوهة أكثر من ثلاثة أشهر بسبب اكتشاف أمرها على يد السيد شكري قطينة الذي فضحها على صفحات الجرائد العربية. ولم تكتف هذه الجمعية المشبوهة بمحاولة ضرب الجمعية الإسلامية المسيحية بل أرادت أيضاً زرع التفرقة بين المسلمين والمسيحيين أي اتباع سياسة فرق تسد، كما أنها ذكرت أسماء أعضاء انضموا لها علماً أنهم لم ينضموا ولم يسمعوا بها، والدليل على ذلك استنكار كثير من الشخصيات الفلسطينية أمر عضويتهم في هذه الجمعية، حيث قدموا استنكارهم على صفحات الجرائد العربية.

وقد سألت محمد عزة دروزة عن أمر هذه الجمعية، قال إنه لم يسمع بها، وأضاف أن جابوتنسكي هو الشخصية الأكثر شهرة، وهو الذي نادى بالتآخي العربي اليهودي أي التطبيع، لكنه لم يلق قبولاً من العرب، وقد حاول أن يؤسس الجمعية العربية اليهودية أو جمعية التآخي العربي اليهودي، حيث كان هدف الجمعية هو ضرب الجمعية الإسلامية المسيحية أولاً، وضم ذوي النفوس الضعيفة من العرب إلى جابوتنسكي ثانياً، لكنه فشل بسبب يقظة الشعب الفلسطيني.

والأرشيف الصهيوني فيه آلاف الوثائق التي تدل على مدى التجسس على المجلس الإسلامي الأعلى ومعرفة ميزانيته، ففي رسالة بعث بها كيش kish الزعيم الصهيوني في فلسطين (1923-1931م) إلى السكرتير السياسي للمنظمة الصهيونية في لندن بتاريخ 23/5/1923م ذكر فيها عن ميزانية المجلس الإسلامي الأعلى بأن دخلها السنوي هو 65,156 جنيهاً استرلينياً، والقصد من الرسالة محاولة إضعاف المجلس الإسلامي ومراقبته مادياً، وكذلك لاتخاذ الحذر من تزايد سلطة المجلس الذي بدأ يستقطب المسلمين في فلسطين حوله، ويذكر أن جميع هذه الأموال في أيدي آل الحسيني.

وقد استفادت المنظمة الصهيونية من تقارير كيش في تجسسه على العرب، وكان تعاونه مع الإنجليز لمعرفة أخبار المجلس الإسلامي.

وهناك رسالة في الأرشيف الصهيوني مؤرخة بتاريخ 13/11/1931م باللغة الإنجليزية مرسلة من الصهيوني Ch. Arlosoroff إلى الصهيوني Prof.S.Brodetsky في لندن. وهذه الوثيقة تدل على مدى التجسس الصهيوني على نشاط الحاج أمين الحسيني الذي قام بالتحضير لعقد المؤتمر الإسلامي عام 1931م، ونستنتج من هذه الوثيقة أن الصهاينة كان هدفهم الأول محاولة إفشال المؤتمر الإسلامي العام الذي عقد في مدينة القدس.

وقد استعمل الصهاينة أساليب كثيرة مذكورة في الوثيقة كي ينجحوا في إفشال المؤتمر. فكل خطوة كان يخطوها المفتي كانوا على اطلاع بها وذلك لمراقبة حركاته وتنقلاته لإفشالها. ويعترفون بذلك في هذه الوثيقة.

كما نستنتج مدى التخطيط الصهيوني لمحاولة ضرب الوحدة الإسلامية خوفاً من مساعدة المسلمين في العالم للشعب الفلسطيني ضد اليهود. وقد نشروا دعاياتهم مثلاً في الهند ضد مولانا شوكت علي فنشروا في الجرائد الهندية أن مولانا شوكت علي لا يمثل المسلمين في الهند، وعليه أن لا يتدخل في شؤون فلسطين، والوثيقة من خمس صفحات عن النشاط الصهيوني ضد عقد المؤتمر الإسلامي العام في القدس.

وهناك وثيقة أخرى كتبت باللغة العربية، وكما يبدو من نص الوثيقة أن جاسوساً عربياً كان يعمل لصالح المنظمة الصهيونية، كتب هذه الرسالة وأرسلها للمنظمة الصهيونية، ونستنتج من هذه الرسالة أن المنظمة الصهيونية أرسلت رجلاً رفيع المستوى ليراقب حركات رئيس المجلس الإسلامي الأعلى الحاج أمين الحسيني في القاهرة. ويقول الجاسوس في رسالته إنه ركب القطار نفسه الذي ركب فيه المفتي، وأضاف الجاسوس في رسالته أيضاً “…. مضى عليه (الحاج أمين) سبعة أيام وأنا واقف موقف المتفرج أشاهد طرق الدعاية التي ينشرها المفتي للمؤتمر، إني رأيت من الحكمة أن لا أصطدم معه، وكنت كلما سئلت عن رأيي في المؤتمر أجبت السائل أن لي رأياً خاصاً سوف أصرح به، وفي القاهرة أشخاص يثقون بي وتربطني معهم رابطة الصداقة…. إنني انتظر سفر المفتي إلى القدس…. وبعد سفره سأبدأ برشاوي……”

ونلاحظ من دراستنا للوثائق أن معظمها بدون ختم المجس الإسلامي الأعلى، وأعتقد أن الوثائق التي لا يوجد عليها الختم ستكون سهلة التزوير، لأن التوقيع سهل تقليده، حتى إن الرسائل التي كان يبعثها المفتي إلى المندوب السامي كانت موقعة من الحاج أمين دون وضع الختم في أسفل الرسالة، كما أن هناك بعض الوثائق لم تكن مؤرخة، وأخرى لم تكن موقعة. فمثلاً رسالة مأمور أوقاف نابلس إلى المجلس الإسلامي لم تكن موقعة.

كما أن هناك وثائق تخص الانتخابات للمجلس الإسلامي الأعلى، وقد وجدت كثيراً من الوثائق التي بعثها المعارضون إلى المسؤولين الإنجليز ضد المجلس الإسلامي، حتى إن هناك بعض الوثائق المزيفة في الأرشيف بعثها المعارضون وكتبوا أسماء كثيرة من الشخصيات دون توقيع الأشخاص الموجودة أسماؤهم في الوثيقة.

وهناك وثيقة في الأرشيف الصهيوني تحت عنوان:

Confidential Intelligence Report, The Arabs and The Wailing Wall.

لم تكن هذه الوثيقة مؤرخة، ولا يوجد عليها ختم أو توقيع، وتمثل هذه الوثيقة التجسس الصهيوني على العرب وعلى اجتماعهم فيما يخص البراق الشريف.

كما تذكر الوثيقة أن المفتي هو الذي كان يسعى لخلق المشاكل التي نتجت عنها أحداث البراق الشريف. وهذا ليس صحيحاً لأن الصهاينة هم الذين بدأوا مظاهراتهم قرب حائط البراق واعترفت بذلك لجنة شو الإنجليزية، وهذا ما تذكره أيضاً وثيقة في أرشيف الدولة في ملف رقم 3076 بعنوان اللجنة التنفيذية العربية.

وهناك وثيقة في أرشيف الدولة تحت عنوان ، دفاع المستر ستوكر عن القضية العربية أمام لجنة التحقيق البريطانية يوم الخميس بتاريخ 26/12/1929.

إن أي قارئ لهذه الوثيقة سيظن حتماً أنها لصالح العرب، ولا سيما أن ستوكر هو الذي دافع عن القضية الفلسطينية، وعلى الرغم من ذلك سيجد فيها أخطاء تاريخية متعمدة مثل أن فلسطين كانت تحت الحكم التركي منذ عام 1840م وهذا خطأ تاريخي واضح لأن فلسطين كانت تحت الإدارة العثمانية منذ عام 1516م حتى نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918، ويستطيع القارئ أن يلاحظ أن بداية الوثيقة تمثل كلمة المستر ستوكر أمام لجنة التحقيق لكن عندما يستمر في قراءة الوثيقة سيلاحظ أنها ليست كلمة المستر ستوكر بل هي تلخيص لدفاع المستر ستوكر أمام لجنة التحقيق، وهذا يدل على أن شخصاً ما كتبها أو لخص دفاع المحامي في هذه الوريقات. كما أن هذه الوريقات القليلة ليست كل ما دافع عنه ستوكر، ففي نهاية الدفاع يلاحظ القارئ كلمة يتبع، مما يدل على أن هناك كلمات أخرى في الدفاع مفقودة.

وهناك وثيقة مرسلة من المجلس الإسلامي إلى المندوب البريطاني وبتوقيع المفتي، وما دامت مرسلة إلى المندوب البريطاني فلماذا إذاً هي موجودة في الأرشيف اليهودي وليست في الأرشيف البريطاني؟ وهذا يدلنا على مدى التعاون الصهيوني مع حكومة الانتداب، حتى الوثائق الأصلية يحتفظ بها الصهاينة.

 الخاتمة

إن وثائقنا مبعثرة هنا وهناك، وأعني هنا في الأرشيفات اليهودية والصهيونية، وهناك أي في أرشيفات بريطانيا وهي كثيرة، لقد تمكن الصهاينة من الحصول على وثائق عديدة وحفظوها في أرشيفاتهم وقاموا بتبويبها، وشجعوا الباحثين على استعمالها وسهلوا لهم الوصول إليها، والسبب كي ينقل الباحث عن هذه الوثائق الموجودة بين يديه وأغلبها وقع عليها التزييف والتغيير، لذا أنصح الباحثين باتخاذ الحيطة والحذر من الوقوع في الخطأ أثناء استعمال هذه الوثائق، وهي مكدسة بالآلاف في أرشيفاتهم باللغة العربية وأخرى بالإنجليزية وهناك وثائق بالعبرية أيضاً، كما أن بريطانيا سهلت للمنظمة الصهيونية ولليهود تحقيق طلباتهم التي لم تنقطع سواء من سلاح أو مال أو وثائق أو أشياء أخرى بحجة تطبيق وعد بلفور للمصلحة اليهودية، لإيجاد وطن لليهود في فلسطين، والدلالة على ذلك أن أول حاكم على فلسطين لم يكن عربياً مسلماً أو مسيحياً، بل كان يهودياً إنجليزياً هو هربرت صموئيل الذي صرح قائلاً: “سأجعل فلسطين يهودية كما هي إنجلترا إنجليزية وفرنسا فرنسية”.