حسناء.. في مواجهة الهدم

28_35_14_4_7_20182

فتح نيوز|

تسير حسناء فوق طريق وعرة قاطعة عدة أمتار، لتطل نحو مدخل قرية الخان الأحمر الرئيسي شرق مدينة القدس المحتلة، ترقب حركة جرافات جيش الاحتلال الإسرائيلي التي ستنقض في أي لحظة على منزلها المكون من الصفيح، وتسويه وباقي منازل القرية بالأرض، وترحل سكانه إلى مناطق أخرى، تمهيدا لتوسيع المستوطنات المحيطة بالخان الأحمر، وربطها ببعضها أو ما يعرف بمشروع (E1) الاستيطاني.

وتغطي حسناء الجهالين رأسها ونصف وجهها بشال أحمر، فيما يعلو الغبار عباءتها السوداء بعد يوم عمل شاق داخل القرية، واقفة لبرهة بجانب مدرسة الإطارات التي يدرس فيها نحو 180 طالبا وطالبة من القرية والقرى البدوية المحيطة، التي سيطالها الهدم هي الأخرى، وتجول ببصرها نحو ساحة المدرسة المليئة بالمتضامنين والنشطاء والصحفيين الذين قدموا لمساندة أهالي القرية ضد قرار الهدم الذي أصدرته سلطات الاحتلال في 24 آيار/ مايو الماضي.

عادت لتنظر للمرة الثانية ناحية المدخل، بدا القلق يساورها، فهي ترى أن الاحتلال جاد هذه المرة في قراره، قالت بلكنة بدوية وهي ترخي الشال عن وجهها: “منذ ثلاثين عاما وهم يقولون سنهدم القرية لكن هذه المرة مختلفة، لأنهم لم يحددوا لنا سقفا زمنيا للهدم كما في السابق”.

يعيش الناس في الخان الأحمر “على أعصابهم”، حيث باتوا يقننون من شراء مستلزمات الحياة اليومية، فهم لا يعرفون متى سيتم ترحيلهم وإلى أين سينتهي بهم المطاف إذا ما تم هدم قريتهم التي سكنوها بعد أن جرى تهجيرهم من النقب في العام 1953، وأصعب اللحظات مرت على الخان كانت خلال شهر رمضان المبارك وعيد الفطر، قالت حسناء: “لم يهدأ لنا بال كنا نترك طعام الإفطار كلما سمعنا حركة غريبة في القرية”.

ما هي إلا دقائق قليلة، حتى همّت حسناء بالذهاب إلى منزل إحدى جاراتها الذي عج بالمتضامنات، طلبت منا مرافقتها محذرة إيانا من استخدام الكاميرات وتصوير النسوة، كونه أمرا مرفوضا في عرف البدو، وسرنا برفقتها في طريق وعرة مكسوة بالأتربة والحجارة إلى أن وصلنا المكان المقصود.

كانت النسوة جالسات بحلقة دائرية تحت ظل شجرة، يتحدثن عما يجري في الخان، للوهلة الأولى بدا الحديث متداخلا مع بعضه البعض، حيث راحت كل منهن تشرح الشعور الذي ينتابها، إلى أن صمتن جميعهن مفسحات الحديث لعائشة وهي إحدى فتيات القرية.

وتقول عائشة: “نحن لا نصدق أنه سيتم هدم القرية، أنا أشعر بالخوف والحزن لأنهم ربما يقومون بترحيلنا فأنا اعتدت الحياة هنا، وأحب وجود المتضامنين أشعر بالطمأنينة معهم، منذ فترة لم يأت متضامنون إلينا، شعرنا بالخوف، وأنا عندما أخاف ألجأ إلى النوم.. والناس هنا خائفون على مصيرهم، في الليل يبيت النشطاء والمتضامنون داخل الخيام وبيوت الصفيح، ويقومون بعمل فعاليات لرفع معنويات السكان”.

حاولت النسوة تقوية عزيمتها، ثم تدخلت إحداهن وقالت إن جيش الاحتلال أحضر قبل أشهر قليلة قوة عسكرية كبيرة من الشرطة وحرس الحدود وجنود وضباط لهدم منزلٍ واحد، ثم قالت: “هل لكن أن تتخيلن كل هذه القوة قدمت لهدم منزلٍ واحد فقط، فكيف سيكون الحال عند هدم القرية بالكامل؟”.

غادرنا المنزل لنكمل جولتنا في القرية برفقة حسناء، التي لمحت من بعيد طائرة تصوير إسرائيلية صغيرة يتم التحكم بها عن بعد، قالت “إنها تقوم بتصوير الخان على مدار الساعة، وفي حال قمنا ببناء أي منزل جديد أو خيمة مهما كبر حجمه أو صغير يأتون لهدمه فورا”.

في هذه الأثناء راحت حسناء ترقب ما يجري عند مدخل الخان الرئيسي، حيث بدأ الأهالي يصطفون أمام الجرافات العسكرية ترافقها قوة عسكرية إسرائيلية كبيرة، لمحاولة منعها من التقدم، لكن الاعتداء كان وحشيا وكبيرا من قبل أفراد الشرطة وحرس الحدود، حيث قاموا بجر المواطنين والاعتداء عليهم بالضرب المبرح، وتنفيذ حملة اعتقالات بحقهم.

قرية الخان الأحمر إحدى القرى الـ45 الأخرى التي يقطنها أكثر من 5 آلاف نسمة، في محيط مدينتي القدس وأريحا والأغوار، مهددة بالترحيل والهدم، إذا ما نفذ هذا المخطط فسيتم عزل القدس المحتلة، وتقسيم الضفة الغربية، وبناء المزيد من المستوطنات، وستصبح تلك المناطق التي تقدر مساحتها بـ13 ألف دونم لصالح المستوطنين، ولن يسمح لأي مواطن فلسطيني بالمرور منها حتى.

مرت ساعات على وجودنا داخل الخان الأحمر، لم تتوقف خلالها حركة جرافات الاحتلال، ودعنا حسناء وأخبرناها أننا سنعود غدا وبعده وكل يوم لمتابعة الأحداث.

ردت حسناء: “ستعودون ولن تجدوا التجمع، ولن تجدوا الأهالي، سنكون قد رٌحلنا”.

20_43_15_4_7_20182

1_28_14_4_7_20181

30_41_14_4_7_20182