الدين والحداثة السياسية صهيونياً وفلسطينياً(2-2)

thumb-1

فتح نيوز |

بقلم/ خالد الحروب

لم تكن السياسة البريطانية الاستعمارية والاحتقارية لأهل فلسطين سوى جزء من كلٍ أعرض وهو المشروع الكولونيالي الكوني الذي انطلق من أوروبا لاحتلال مناطق وشعوب العالم المختلفة، تحت مُسوغات متناقضة من الحق الديني أو حق التنوير الحداثي أو مسوغ التفوق العرقي، وهي نفس المسوغات المُتناقضة التي استخدمتها الصهيونية أيضاً تجاه فلسطين وأهلها. فرغم الادعاء بأن الاستعمار إن هو إلا مهمة «إنسانية» يتصدى لها «الرجل الأبيض» لإنقاذ «الشعوب المتخلفة» من تخلفها، إلا أن حقيقة وجوهر الكولونيالية الغربية وأختها الصهيونية كانا مختلفين تماماً ولا علاقة لهما بذلك الادعاء. لكن الكولونيالية الأوروبية سوقت دعمها للصهيونية باعتبار هذه الأخيرة حاملة لمشروع «التنوير الغربي» في منطقة «مُتخلفة» ما زالت أسيرة حقب «ما قبل الحداثة». وقد احتضن هيرتزل، وغيره من القادة الصهيونيين، ومنذ البدايات الأولى للصهيونية هذه الفكرة واعتقد انها بالغة الفعالية في حشد التأييد الاوروبي لحركته، اي باعتبارها امتداداً للحداثة والتقدم الاوروبيين. لكن في الجوهر كان الدين والادعاءات الدينية هي الحامل الرئيسي للمشروع الصهيوني برمته.

اشتغل عليها الدين في قلب السيرورة الصهيونية وفي تناقض مباشر مع أية حداثة سياسية، ومن تجلياته الأساسية الإيمان بتفوق اليهود كجنس مميز وبكونهم في مرتبة عرقية اعلى من الاجناس الاخرى، وأن بقية الأجناس (الأغيار) إنما خلقوا لخدمة اليهود. تباينت تمثلاث هذه الفكرة على ارض الواقع وأخذت اشكالاً خفية بسبب عنصريتها الواضحة. لكن رغم ذلك كان ذلك الجوهر العرقي والاحتقاري لبقية البشر سبباً رئيساً من الأسباب التي ادت بالجمعية العامة للأمم المتحدة لاستصدار قرار بغالبية كبيرة اعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية. وثمة لائحة طويلة من السياسات والتصريحات والسلوكيات التي عبر عنها قادة صهاينة تجاه الفلسطينيين تعكس تلك العنصرية، منها اعتبار الفلسطينيين حيوانات وصراصير وأفاعي وغير ذلك، بل تحفل المناهج الإسرائيلية بأوصاف احتقارية وعنصرية ضد الفلسطينيين. وتعدت التصريحات العنصرية ضد الآخرين الفلسطينيين، فحديثاً وصف الحاخام الإسرائيلي الأكبر يتسحق يوسف السود الامريكان بأنهم قرود، كما ان المهاجرين السود في إسرائيل وصفوا على الدوام بأكثر الأوصاف عنصرية.

اشتغل الدين أيضاً في خلفية النقاش حول مسألة «المواطنة في دولة إسرائيل». وهنا وبحسب الادعاء الصهيوني المتكرر بأن «إسرائيل هي الديموقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط» فمن المُفترض «ديموقراطياً وحداثياً» ان تكون إسرائيل دولة كل مواطنيها. لكن هذا وكما هو معروف غير مُتحقق عملياً على الإطلاق، بل مرفوض من ناحية نظرية ايضاً. فـ «الدولة الإسرائيلية» تنطوي على نوعين من المواطنة: مواطنة الدرجة الأولى وهي الخاصة باليهود، ومواطنة الدرجة الثانية والتي يندرج تحتها غير اليهود. والتجسيد لهذه العنصرية في المواطنة، وكما هو ماثل في سياسات وممارسات لا تُحصى تجاه فلسطيني الداخل، لا يحتاج إلى كثير نقاش وإثبات نظراً لاتساعه وحضوره البارز على ارض الواقع. لكن الجانب النظري الوقح لهذه العنصرية وسياساتها التميزية صار يتبلور في خطاب رسمي لا يتردد في الإعلان عن قولبة تلك العنصرية في إطار «نموذج» نظري خاص بإسرائيل. وفي سياق هذه القولبة نفهم تصريح وزيرة العدل الإسرائيلية ايليت شيكد بأن «الصهيونية يجب ان لا تواصل، واقول انها لن تواصل، قبول نظام الحقوق الفردية كما هو مُعبر عنه بالمفهوم الكوني». وقبلها كان أرييل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق وأحد أعلام اليمين الإسرائيلي قد تحدث بازدراء عن الديموقراطية في مقابلة مع صحيفة يديعوت قائلاً: «إن تعبيرات مثل «الديموقراطية» و»ديموقراطي» غائبة تماماً من إعلان الاستقلال (لإسرائيل)، وهذا ليس بصدفة. وليس هناك حاجة للقول إن الغاية من الصهيونية لم تكن جلب الديموقراطية. بل كانت وبشكل حصري مدفوعة بإقامة دولة يهودية في أرض إسرائيل، تنتمي إلى كل الشعب اليهودي، وللشعب اليهودي فقط». تشير هذه الأمثلة من التصريحات إلى رؤية راسخة ترى في الليبرالية والديموقراطية خطراً على الصهيونية ونقاء الدولة، كما تُعبر عن بنية عقلية ما قبل حداثية قروسطية مُتجذرة عملياً في الفكرة الصهيونية منذ التأسيس. فما عبرت عنه الوزيرة المُناط بها تحقيق العدالة وما عبر عنه رئيس وزراء سابق له جذوره القديمة في قلب تيار الصهيونية التنقيحية التي كان زئييف جابوتنسكي من اهم رموزها، والتي لم تؤمن إلا بالقوة وجبروت النخبة. وتكفي الإشارة هنا إلى آبا أحيمئير، اليهودي الصهيوني الروسي الذي ولد في روسيا القيصرية عام 1896 وتوفي عام 1962 في تل ابيب، وكان مُقرباً من جابوتنسكي ويعتبر أحد المؤثرين الكبار في أفكار هذا التيار. وكان أحيمئير قد تأثر بأفكار نيتشه التي تقدس العظمة والقوة ولا تأبه للجماهير، وهاجم «التربية الليبرالية التي تقود بحسب رأيه إلى الانتحار ودعا إلى استبدال هذه التربية بأخرى استبدادية … ورفض الديموقراطية والليبرالية بإعتبارهما قوى آفلة، وهاجم المطالبة بحقوق زائدة للفرد». ولم تكن افكار أحيمئير، الذي كان يكتب مقالات في عشرينات القرن الماضي تحت عنوان «يوميات فاشي»، هامشية بل اثرت كثيراً في مناحم بيغن واسحق شامير اللذين أصبحا في اوقات لاحقة رؤساء وزراء. وتأكيداً لمركزيته و»تقديرا» لتاريخه وافكاره فقد جرى تكريمه عبر إطلاق اسمه على شوارع وساحات في 13 مدينة إسرائيلية، وأقيم متحف يحمل اسمه، كما نُظمت فعاليات في الذكرى الخمسين لوفاته شارك فيها بنيامين نتنياهو ورئيس الكنيست رؤوبين ريفلين (بحسب توم بيسح في مجلة «قضايا إسرائيلية»، عدد ربيع 2018).

وربما من أهم الوثائق الأولية التي التقطت الجوهر الرجعي والمعادي للحداثة السياسية في الصهيونية المذكرة التي قدمها إدوين صامويل مونتاغ، الوزير اليهودي الوحيد في الحكومة البريطانية والمسؤول عن شؤون الهند بين سنوات 1917 و1922، رافضاً تصريح بلفور وفكرة مساعدة اليهود في إقامة وطن قومي لهم في فلسطين. في خضم مناقشة تصريح بلفور في اروقة الحكومة البريطانية قدم مونتاغ مذكرة شهيرة للحكومة ورد فيها ما يلي: «… لا أعرف ماذا يتضمن هذا (الوطن القومي لليهود في فلسطين)، لكني افترض انه يتطلب من المحمديين (المسلمين) والمسيحيين التنحي جانباً وافساح المجال لليهود الذي سوف يخلفونهم في كل المواقع ويتميزون بعلاقتهم في فلسطين كما يتميز الانكليز في علاقتهم مع انكترا، أو الفرنسيين مع فرنسا، ويُعامل الاتراك والمحمديين الآخرين كأجانب في فلسطين بنفس الطريقة التي يعامل فيها اليهود في كل البلدان الاخرى ما عدا فلسطين. وربما سوف تُمنح المواطنة تبعاً لإعتبارات دينية. وانني اشدد هنا على اربعة مبادئ:

– أؤكد انه ليس هناك شعب يهودي Jewish nation. لا يمكن القول إن اليهودي الانجليزي واليهودي الموريسيكي (الاسباني) ينتميان إلى نفس الشعب، إلا اذا قلنا ان المسيحي الانجليزي والمسيحي الفرنسي ينتميان إلى نفس الشعب.

– عندما يُقال لليهود ان فلسطين هي وطنهم القومي فإن كل بلد (في العالم) سوف يرغب على الفور في التخلص من مواطنيه اليهود، وسوف تجد في فلسطين مجموعة سكانية تطرد السكان الحالين وتأخذ افضل ما في البلد (فلسطين).

– إنني أنفي فكرة ان فلسطين مرتبطة اليوم باليهود أو اعتبارها المكان الملائم لهم للعيش فيها. صحيح ان الوصايا العشر تنزلت على اليهود في سيناء، وان فلسطين تلعب دوراً كبيرا في التاريخ اليهودي لكنها تلعب ذات الدور في التاريخ الحديث للمحمديين، وبعد زمن اليهود في فلسطين فإنها تلعب دوراً في التاريخ المسيحي كما لا يلعبه اي بلد من البلدان.

– (يتحدث مونتاغ عن النجاح النسبي والتدريجي في اندماج اليهود في اوروبا كمواطنين في دولها ثم يتابع قائلاً) … لكن عندما يمتلك اليهودي وطن قومي فإن ما يترتب على ذلك هو مبررات حرماننا (كيهود) من حقوق المواطنة البريطانية سوف تزيد، ففلسطين ستصبح الغيتو العالمي (لليهود). لماذا (مثلاً) يمنح الروسي اليهودي حقوقاً كاملة، ووطنه القومي هو فلسطين؟

ثم يختم مونتاغ مذكرته بمناشدة الحكومة البريطانية عدم الخضوع لضغوط الحركة الصهيونية، ويقول: «انني أشعر بأن الحكومة يُطلب منها ان تكون أداة لتنفيذ رغبات حركة صهيونية تدار بشكل عام، وبحسب معلوماتي، عبر رجال من أصول او أماكن ميلاد معادية، وهذا يعني توجيه ضربة قوية إلى الحريات، والموقع، وفرص الخدمة لليهود الآخرين المواطنين في بلدانهم. إنني اقول للورد روتشيلد إن الحكومة مستعدة للقيام بكل ما في طاقتها من اجل تأمين الحرية الكاملة لليهود للاستيطان والحياة في فلسطين على قدم المساواة مع سكان ذلك البلد الذي يتبعون أدياناً أخرى. ولكني أطلب من الحكومة ان لا تقوم بما هو ابعد من ذلك.»

نقلاُ عن جريدة الحياة اللندنية