ريم بنّا… التعبير عن حقيقة الواقع بصوتها وأغانيها

untitled-1

فتح نيوز|

استطاعت الفنانة الثوريّة الفلسطينيّة الراحلة ريم بنّا أنّ تصنع لها مكانًا مختلفًا في فلسطين وفي العالم، ريم صاحبة الصوت الملائكي وبأغانيها الوطنيّة والإنسانيّة نجحت في أن تتواصل مع الناس باختلاف أعمارهم وطبقاتهم الاجتماعيّة وانتماءاتهم وحتى مع اللذين لا يفهمون اللغة العربيّة أو الذين لا يفهمون تاريخ قضيتنا. كانت تقول دائمًا: “يمكنك أن تعطيهم خطابًا سياسيًا طويلًا، ما زالوا لا يفهمون قضية شعبنا ونضاله، بس بأغنية بسيطة ممكن توصل رسالتنا”.

حين كانت تقف على المنصة بجمالها، أناقتها، بثوبها الفلسطيني، كوفيتها، إكسسواراتها حافية القدمين، تغني كلمات توفيق زيّاد وأميل حبيبي ومحمود درويش وسميح القاسم وزهيرة صباغ، وعندما تنتهي من الأغنية، كانت تقول أن كلمات أغانيها وصوتها كانا يوصلان رسالة واضحة وهي “اللعنة على الاحتلال”.

ريم والتي تميزت بالتهاليل الفلسطينية وبأغانيها الوطنيّة والتراثيّة، وارتبط حضورها بجميع المناسبات الوطنيّة، فمثلًا انضمت للإضراب عن الطعام تضامنًا مع الأسرى في سجون الاحتلال، بالإضافة إلى دورها الريادي كفنانة في الدعوة إلى المقاطعة الفنيّة والثقافيّة للاحتلال، ولموقفها المبدئي مع الأهل في غزة أبان العدوان الغاشم خلال السنوات السابقة. فلقد أكدت على أن الفنان إما أن يكون فنانًا مشتبكًا في هذه المرحلة أو لا يكون. لقد ارتبط اسم ريم بالمقاومة مما جعل منها أيقونة ونموذج يحتذى به الفنان/ة الفلسطيني/ة.

كل أغنية، قصّة عن الواقع

ريم فنانة صاحبة رسالة، وأعمالها متنوعة ومختلفة ببعدها وعمقها ونضوجها مقابل التجارب الأخرى، فهي شكّلت تجربة موسيقيّة مبدعة وفريدة وتركت إرثًا موسيقيًا مميزًا للأجيال القادمة. لقد ارتبطت أغاني ريم بالواقع، فكانت تحاكي المشاعر والروح وتحرّك الشعور الإنساني والوطني لدى المستمع. ريم، وفي أغنيتها “وحدها بتبقى القدس” تحدثت عن وضع القدس الصعب  وهي صامدة وحدها أمام عمليات التهويد. حين غنّت “سارة” تحدثت عن الشهداء والأطفال والمعاناة، أمّا ألبوم “مرايا الروح” والذي قدّمته إلى الأسرى العرب والفلسطينيّين في معتقلات الاحتلال الصهيوني.

وشاركت في أسطوانة “صرخة من القدس”، حيث غنّت في أحد البيوت المصادرة والتي سيطر عليها المستوطنون في حي الشيخ جراح في القدس. أما ألبوم “مواسم البنفسج”، أغاني حبّ من فلسطين من نهرها إلى بحرها، وأسطوانتها الأخيرة والتي صدرت بعد وفاتها “صوت المقاومة”، حيث كتبت كل القصائد بنفسها  وشاركت في عملية صنعها حتى النهاية، هو دليل واضح ومليء بالحيويّة والشعريّة تجاه المقاومة التي ستحفز الكثير من الناس في العالم للتحدي ولمواكبة الكفاح من أجل العدالة وضد الاحتلال.

ريم والتي شاركت بالعديد من المهرجانات المحلية الفلسطينية كانت تشعل الأجواء وتشحن همم الناس. في أحد المهرجانات التي شاركت بها في مهرجان القدس،  كانت ساحة قبور السلاطين مكتظة بالجمهور المتحمس لأغاني ريم، فاضطرت لإعادة أغنية “يا ليل ما أطولك” لأكثر من مرة، والعديد من الأغاني الأخرى لاندماج الجمهور معها. لقد كانت أغانيها تسهم في رفع المعنويات، خصوصًا عندما تتصاعد وتيرة المواجهات مع الاحتلال.

ألهمت ملايين الناس

لقد كان لأسطوانات ريم والتي تم إصدارها مع الشركة النرويجيّة KKV دورًا مهمًا جدًا في شهرة ريم في العالم. حيث كان لحضورها في المهرجانات والاحتفالات العالميّة ومشاركتها بأسطوانات مشتركة مع فنانين عالمين دورًا هامًا في إبراز اللحن والكلمة والحضور الفلسطيني. كما كانت تبرز الرواية الفلسطينية وعمق المعاناة اليوميّة للشعب الفلسطيني، حيث قال المنتج أريك هلساتد من شركة KKV بأن “فور غناء ريم، دخل صوتها إلى قلبه، وحتى من دون فهم اللغة، يمكن أن يخبرنا ذلك بهويتها كفنانة، طاقة وقوة للغاية ألهمت ملايين الناس على مرّ السنين. من خلال أغانيها. أظهر صوتها عمق معركة الشعب الفلسطيني. لقد غيرني ذلك وصقل موقفي ومدني بالعزم والقوة على فعل كل ما بوسعي لدعم القضية الفلسطينية.”

 من خلال مشاركات ريم الفنية بالعالم، حفزت الكثير من الجمهور والفنانين وبالتحديد النرويجيّين لاتخاذ موقف من أجل فلسطين ودعم حملة المقاطعة BDS، لقد عكست ريم صورة واضحة عن الكفاح من أجل حرية فلسطين، لقد أظهرت لنا جميعًا ولجمهورها العالمي أن النضال من أجل الحرية هو قضية إنسانيّة عالميّة. لقد كانت ريم جريئة بطرحها وموقفها أمام الصحافة الأجنبيّة والعالميّة، لقد كانت تتحدث عن القضايا المختلفة في أغانيها وتشرح للجمهور عن كل قصّة وقضية. بالنسبة للكثير ممن حضر عروضها أو سمعها، لقد فتح غناؤها أعينهم وعقولهم لاتخاذ موقف ضد الاحتلال والاضطهاد والعمل والتصدي. وهناك العديد من الفنانين العالميّين الذين تأثروا بريم، فكانت مصدر إلهام لهم ولمواقفهم على الصعيد المهني أو الشخصي. لقد كرّم العديد من المهرجانات العالمية ريم بدعوتهم لها للمشاركة سنويًا أو بتكريمها، ولقد حفظ البعض أغانيها ورددها. وحتى بعد مغادرتها الدنيا، سيقدم مهرجان أوسلو الدولي هذا العام أمسية لذكرى ريم بنّا والإشادة بها وبمسيرتها.

قريبة من إيقاع عصرنا، ومن الواقع

إن الشجن في صوت ريم من آلام ومعاناة شعبها وصموده، ألحانها وإيقاعها قريب من إيقاع عصرنا، لم تختر لون موسيقي محدد، نبعت الموسيقى والألحان من روحها ووجدانها، إنها مزيج من الروح والواقع، صادقة بالتعبير عن الواقع الحقيقي عبر الموسيقى، والأغاني والصوت، أوصلت صوت وصرخة الإنسان الفلسطيني إلى العالم، حتى يدرك المعاناة الحقيقيّة للإنسان الفلسطيني في ظلّ الاحتلال. ريم مزجت القضية بالفن واستطاعت أن تكون حاضرة في المحافل الدوليّة لتضع فلسطين على الخارطة بالموسيقى والفن واللحن.

حملت ريم بنّا رسالتنا إلى العالم، إلى تونس وبيروت ومصر وإيطاليا والنرويج والبرتغال والسويد وجمهورية التشيك والأردن وسويسرا ورومانيا والدنمارك والمغرب وبلجيكا وغيرها. حملت مبادئ الثورة والحرية وتلحفت بالعلم الفلسطيني والإبداع والإلهام. إنّها صوت نادر في عالم تشرذم بالماديات والشهرة، فقررت أن تكون صوتاً لمن لا صوت لهم.