الكفاح الوطني الفلسطيني وحقوق شعبنا لا يُختزلان في أشخاص

thumb-2

 

فتح نيوز |

بقلم/ صائب عريقات

من الواضح تماما قيام الإدارة الأميركية الحالية بدور المدافع الرئيسي عن إسرائيل في سحق حقوق الشعب الفلسطيني وحقوق الإنسان، حيث واصل المسؤولون الأميركيون خلال الأشهر القليلة الماضية إعلان موافقتهم على قتل المتظاهرين الفلسطينيين في قطاع غزة، وإعلانات الاستيطان الاستعماري الإسرائيلي، وموجات جديدة من القوانين الإسرائيلية العنصرية التي لا تميز ضد الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي فحسب، بل ضد المواطنين العرب داخل إسرائيل. وبقيامها بذلك، فإن إدارة ترمب تمارس التحريض على الحقوق الوطنية والإنسانية لشعب فلسطين.

وبالتأكيد، لا يمكن أن يستند السلام في الشرق الأوسط إلى جرائم الحرب وانتهاكات القانون الإنساني الدولي، بل بوضع حد للاحتلال العسكري الإسرائيلي لفلسطين الذي طال أمده لـ 51 عاما اليوم. 

إن “صفقة القرن” ليست سوى إملاء سياسات غير قانونية وانتهاكات إضافية للقانون الدولي، بما في ذلك نقل السفارة الأميركية إلى القدس. لقد عززت إدارة ترمب الفوضى، وقوضت المعاهدات الدولية، وزعزعت المنظمات الدولية المكلفة بتنظيف الفوضى الإسرائيلية. ومهما اقترحت إدارة ترمب تلك على فلسطين فلن تكون قريبة حتى من تحقيق سلام عادل ودائم، بل ستكون استمرارا وترسيخا للاستعمار الإسرائيلي وسياسات الفصل العنصري التي ما زالت تحرم شعب فلسطين من حقه في الوجود في وطنه، وفي الحرية والكرامة.

دعونا نسمي المسميات بأسمائها: المشكلة تكمن في الاحتلال الاستعماري الإسرائيلي، ومن المعيب اختزال الكفاح الوطني الفلسطيني وحقوق شعبنا غير القابلة للتصرف في الحديث عن صائب عريقات أو أي زعيم فلسطيني آخر.

فالأمر برمته لا يتعلق بمن يقود الطريق الآن نحو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتحقيق السلام، وإنما في الأسس والمبادئ الدولية ذاتها للوصول إلى هذه الغاية.

كان على مبعوث ترمب “جايسون غرينبلات” أن يوجه لنا على الأقل رسالة تعزية بفقدان عشرات الأرواح الفلسطينية، وإصابة الآلاف في قطاع غزة على أيدي القناصة الإسرائيليين. ومع ذلك، فقد اختار أن يصبح المتحدث الرسمي للاحتلال الإسرائيلي من خلال تأييده المستمر لنقاط التحدث الإسرائيلية وإلقاء اللوم على الضحية في موتها وإصابتها، وكونها تحت الاحتلال، واعتقالها، وتهجيرها قسرياً ومواصلة سلب أرضها وديارها.

إذا كانت تلك هي رؤية غرينبلات “لمقاربة واقعية”، فلا يمكنه إلقاء اللوم على الشعب الفلسطيني كونهم يعتبرون الإدارة الأميركية الحالية امتدادا لحكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة الداعمة للاستعمار الاستيطاني وواقع الدولة الواحدة بنظامين أحدهما “الأبرتهايد”. مع ذلك، سيواصل أبناء الشعب الفلسطيني المقاومة والإصرار على إنهاء الاحتلال العسكري الإسرائيلي المستمر منذ عقود بوجود غرينبلات أو عدمه.

إن تصريحات غرينبلات تهدف إلى حرف الأنظار عن المشكلة الحقيقية. فالجهود الفلسطينية لتحرير فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي لا تتعلق بالقيادة الفلسطينية وأعضائها بل يتعلق بالاحتلال الإسرائيلي نفسه وبأولئك الذين يدعمون إطالة أمده وترسيخه.

وهذا أكثر مما يقال لإسرائيل التي تواصل تجريم حرية التعبير. أما القيادة الفلسطينية فينتقدها مواطنوها ويمارسون عليها الضغوط ويتحدثون عنها بحرية في الصحافة – مثل جريدة القدس التي نشرت مقالاً لغرينبلات باللغة العربية وغيرها من الصحف- هكذا نفعل كما يفعل أي مجتمع ديمقراطي.

عندما أخبرت مبعوثا أميركيا سابقا أنه “إذا أصبح توماس جيفرسون الرئيس الفلسطيني، وأصبحت الأم تيريزا رئيسة الوزراء، وأصبح مونتيسكيو رئيس البرلمان، وإذا ما طالب جميعهم بإنهاء الاحتلال وتجسيد رؤية حل الدولتين على حدود عام 1967 والقدس الشرقية عاصمة لفلسطين الشرقية، فإن الثلاثة سيتم اعتبارهم إرهابيين”. ورغم ذلك، لم أتوقع أن يتبنى مسؤولون أميركيون ذلك. وأما الآن، وفي إشارة فاضحة للتدخل في شؤوننا الداخلية، فإن إدارة ترمب تحرّض علناً على القيادة الفلسطينية لالتزامها بمبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.

إنه من السذاجة أن نتوقع شيئا أقل من إدارة ترمب. فقد خرج علينا بالأمس محامي ترمب رودولف جولياني، طالبا من الفلسطينيين “الركوع على ركبهم”. وقام سفيره في إسرائيل، ديفيد فريدمان بالعمل على حذف كلمة “الاحتلال” من تقارير وزارة الخارجية. وواصلت سفيرته في الأمم المتحدة، نيكي هيلي، التصويت ضد الحماية الدولية للمدنيين الفلسطينيين، تاركة الولايات المتحدة تقف وحدها أمام المجتمع الدولي. كل هذا على خلفية عمليات الإعدام الميدانية التي نفذتها إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، بحق 130 فلسطينياً على الأقل في قطاع غزة منذ 30 مارس/ آذار، بما في ذلك المسعفة رزان النجار البالغة من العمر 21 عاماً، والتي أعدمها قناص إسرائيلي بينما كانت ترعى الجرحى المدنيين الفلسطينيين – إن هذا الإجراء الإسرائيلي وحده يعدّ انتهاكاً صارخاً لاتفاقيات جنيف.

لقد قام غرينبلات بتشجيع أجندات تهدف إلى إنكار حقوق الشعب الفلسطيني بشكل ممنهج، وتحويل القضية الفلسطينية إلى قضية إنسانية. في الوقت نفسه، عززت الولايات المتحدة العمل ضد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين التي توفر الخدمات للاجئين الفلسطينيين، بمن فيهم ما يقارب 80% من سكان قطاع غزة.

لن يتحدث غرينبلات أبداً عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير أو عن حل سياسي، ولن يجرؤ على الحديث عن حل يتساوى فيه الفلسطينيون والإسرائيليون. لقد اعتدنا سماع هذا الخطاب من قادة حركة المستوطنين الإسرائيليين اليمينيين الذين يؤمنون بأنه يمكن تحسين الوضع الاقتصادي للفلسطينيين إذا تم تقوية نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في فلسطين، وليس من قبل مسؤول أميركي مكلف بدعم مصالح السلام في المنطقة! لكن خلال عشرات الاجتماعات التي أجريناها معه، رفض غرينبلات مناقشة القضايا الجوهرية: لا حدود، ولا مستوطنات، ولا حل الدولتين. واليوم، يتمحور دوره في تسويق السياسات الإسرائيلية على مجتمع دولي مرتاب، ثم يعبر عن استيائه حين يتم تذكيره بذلك.

من أجل تحقيق سلام عادل ودائم فإننا بحاجة إلى رجال دولة وليس رجال عقارات. قد نأخذ وضاعة غرينبلات وبقية فريق ترمب للشرق الأوسط في الحسبان عندما نستذكر ما كان عليه دور الولايات المتحدة في المنطقة في وقت من الأوقات.

إن رسالة إدارة ترمب إلى الشعب الفلسطيني هي أن كل التسويات التي تم التوصل إليها من أجل السلام، بما في ذلك الاعتراف بإسرائيل على 78% من فلسطين التاريخية لم يكن من المفترض القيام بها. ولن يكن كلٌ من غرينبلات، وفريدمان، وهيلي راضين حتى يتبنى الفلسطينيون الصهيونية ويتخلون عن حقوقهم السياسية، ويوقعون على “الأبارتهايد”.

من الجدير بالمسؤولية عدم ترك مستقبل السلام العالمي في أيدي مبعوثي الرئيس ترمب، ومن الأهمية بمكان أن يتدخل المجتمع الدولي قبل أن نشهد انهياراً كاملاً لعقود من الجهود الدبلوماسية وجهود السلام التي بذلت على مدار السنوات.

إن معايير الحل معروفة للجميع، على الرغم من رفض غرينبلات لها، وعدم التزام إسرائيل بها. ليست المشكلة في القانون الدولي أو قرارات الأمم المتحدة، ولكن في فشل المجتمع الدولي في تنفيذها في فلسطين. مطلبنا يبقى هو نفسه: محاسبة إسرائيل على انتهاكاتها وحماية الشعب الفلسطيني حتى إنهاء الاحتلال.