خليل الوزير (أبو جهاد) في الذكرى الثلاثين لاستشهاده

yahya

فتح نيوز |

بقلم/ يحيى رباح

كان حلمه بالثورة الشاملة مبكر جدا، وكانت المسافة بين عقله الذي في رأسه ورؤوس أصابعه التي ينفذ بواسطتها أفكاره، مسافة قصيرة جدا، مسافة صفرية، ولذلك فان الفتى خليل الوزير الذي كان لا يزال في عام 1954 يرتدي الشورت المدرسي، ويركب دراجته الهوائية، قد جسد بدايات حلمه الكبير، وعبر عن أفكاره، يصنع أول متفجرة زرعها في مشروع مياه في مستعمرة، ناحال عوز، الإسرائيلية المقامة اغتصابا في غلاف غزة.

تلك العبوة الناسفة الصغيرة كانت تظهيرا لذلك الجنين الذي ينمو في الاحشاء العميقة للشعب الفلسطيني المظلوم والجريح والذي يستخف بجرحه الأقربون والأبعدون، ويستهين به الكبار وتواطأوا ضده على المكشوف، فسلبوه وطنه واعطوه هدية مجانية لخرافة ولدت من العدم اسمها إسرائيل، ولكن العبوة الناسفة الصغيرة نبتت مثل بذرة قوية في الأرض اصبح اسمها بعد ثلاث سنوات حركة فتح، ثم عبرت عن نفسها بتجلب اعم اسمه بالثورة الفلسطينية المعاصرة.

خليل الوزير ((أبو جهاد)) بنى هذه الفكرة، كان هو اكثر من يعرف خطورتها، كان يعرف انها القيامة لشعب اهالوا عليه التراب، ولذلك تعامل معها بابداع خارق، عدم الايغال في الشطحات الأيديولوجية التي تشبه شطحات الصوفيين حين يأخذهم الوجد الصوفي الى ما هو غير واقعي، والايمان المطلق بان الجرح الفلسطيني هو جرح واحد، اقتلاع شعب من وطنه، ونكران اسمه، والمتاجرة بعذاباته وكأنها بضائع نادرة ليسالا. وبالتالي فان الحلم يجب ان يظل سرا في الأعماق البعيدة تظهر تجلياته في اشكال صاخبة، وان حملة هذا السر يجب ان يكون الواحد منهم يعيش بطريقة غريبة نصفه في الماء ونصفه في اليابسة، لا يعرف احد عمق هذا السر ولا صيرورته النهائية، لأن طريق مزروعة بالموت والدسائس السوداء، ولأن أعداء فلسطين في كل زمان ومكان، ليسوا فقط الأقوى، بل هم الأكثر شذوذا، بعضهم يخون شعبه بالمجان، وبعضهم ينكر حليب أمه، وبعضهم يصل الى درجة من العبث بالذات الى حد الجنون المكابر.

ميراث أبو جهاد لا حدود له، كان رجلا مثيرا للدهشة، اذكر انه بعد عملية دلال المغربي التي وقعت في آذار وقت المطر الدافئ، كان أبو جهاد على موعد مع طاقم تلفزيوني أميركي، وقد اختار أبو جهاد ان يكون الموعد جنوب مدينة صور في احد البساتين، وصل الطاقم التفزيوني، ثلاث كاميرات وفنيان في الصوت والاضاءة، وقدمنا أبو جهاد لرئيس الطاقم الذي كاد ان يفقد صوابه من شدة المفأجاة، أبو جهاد، الاسم الكبير، كان يرتدي  كعادته، بدلة خضراء اللون قريبة الى لون الكاكي، لحية حليقة، شعره مسرحا بدقة، وابتسامته المشرقة على شفتيه، وقال رئيس الطاقم هذا مستحيل، اسمك المشهور يوحى بأنك على خلاف ذلك، ضخم، حاد النظرات، متجهم الوجه، اشعث الشعر، اما هذا الذي يقابلنا اشبه بنجم سينمائي وليس رجل حرب واقع الصيف، لكن هذا الرجل ذا الابتسامة المشرقة كان الشغل الشاغل للاسرائيليين وحلفائهم.

وذات يوم، قبل الانتفاضة بشهور قليلة، ناداني أبو جهاد الى بيته في بغداد قائلا انه سيتيح لي الالتقاء بصديق قديم، وذهبت ووجدت عنده في البيت احد الصحفيين الذين يعملون في الصحافة الكويتية وهو مواطن فلسطيني من غزة، وبعد دقائق فتح أبو جهاد امام الضيف حقيبة جلدية، وقال للضيف ان فيها مليوني دولار وطلب من الضيف ان يعمل بطريقته لادخالها الى غزة، فانتفض الضيف كمن لدغته افعى، واصفر لونه كمن فقد دمه، وقال انه ليس لديه فكرة عن هكذا اعمال خطيرة، مع انه كان دائم الانتقاد لابي جهاد، بأنه ليس دقيقا، وليس حريصا، ولكن حين طلب منه ان ينجز شيئا بسيطا مما كان يفجره أبو جهاد كاد الخوف يقتل روحه، صحيح المثل الذي يقول ان الكلام لا يكلف صاحبه أي جمارك، ولكن اهل الكلام الفارغ لا يعتبرون.