درس الباز لبيريز والصحفيين منذ ٢٢ عامًا!!

201707010147564756

فتح نيوز |

بقلم/ محمد علي إبراهيم

نوفمبر 1995 اغتيل رابين على يد متطرف يهودى… وتولى رئاسة الوزارة خلفًا له شيمون بيريز.. وصل القاهرة فى يناير 1996… كلمنى د. أسامة الباز وقال أنت مدعو للقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلى الجديد فى القاعة الملحقة بمكتب الرئيس مبارك… أضاف مشجعًا الرئيس هو من اختار الأسماء… حضر الأساتذة مكرم محمد أحمد ورجب البنا ومرسى عطا الله ومحفوظ الأنصارى وجلال دويدار والراحل إبراهيم نافع… الحوار ساخن… بمكر اليهود يحاول بيريز استدراجنا إلى السلام مع إسرائيل… لكن الصحافة- فى معظمها- كانت ضد التطبيع، مهما كانت المغريات …

اشتعل الجو وكان أسامة الباز أسدًا … واجه خرافات المسؤول الإسرائيلى ونسفها.. يقارعه منحازًا للحق وقوته… تشجعت من جسارته وسألت بيريز ألا تعتقد أن الصراع العربى الإسرائيلى فيه جزء دينى… نفى بعصبية… وإذا بالراحل أسامة الباز يؤكد بل إن كله دينى يا محمد… الحوار يدور باللغة الإنجليزية بين الصحفيين وبيريز وإذا بالباز يستأذن فى الشرح للجميع ويبدع فى محاضرة عن الصراع العربى الإسرائيلى خلصنا منها بأنه صراع دينى قبل أن يكون سياسيًا …

قال رحمه الله إن الإسلام ليس ضد اليهودية فالإيمان الكامل لا يتحقق إلا بالإيمان بالله وملائكته ورسله لا نفرق بين أحد من رسله…

يضيف رحمة الله عليه أن العرب والمسلمين مستهدفون فى دينهم وتعاليمهم… ويستحيل أن نترك القدس ومسجدها للاحتلال الصهيونى… حاول الراحل إبراهيم نافع أن يقول له الاحتلال الإسرائيلى… رد الباز.. كلا الاحتلال الصهيونى وكررها… وتنبأ بأن اتفاقيات السلام الفلسطينية- الإسرائيلية لن تتم وستظل منقوصة لعقود ما لم تتم تسوية منفصلة، ويبدو وكأنه كان يستشف المستقبل فيما عرف بعد ذلك بـ«صفقة القرن».

أكد الباز أن العرب والمسلمين يرتكبون خطأً فادحًا عندما يتحدثون عن القدس من منظور سياسى حيث إن هناك بعدًا آخر مساويًا له بل ويتجاوزه هو البعد الدينى… كل أوراق الصهاينة بها بعد دين بل إنها كلها تكاد تكون دينية بينما نتحدث نحن بالسياسة.

ومضى يطلق رصاصاته… الصهيونية تعادل العنصرية كقرارات الأمم المتحدة… نحن لا نعادى إسرائيل ولكننا نعادى الصهيونية والأخطر منها الصهيونية المسيحية «يقصد واشنطن» التى تقف وراءها وتقدم لها تفسيرات دينية زائفة ومغشوشة… اعترض بيريز ووقف محاولاً فرد خريطة على المنضدة التى تتوسط الغرفة.

أزاحها الباز بيده وقال خريطة مزورة، مضيفًا أن القدس ظلت تحت حكم المسلمين 1500 عام وحررت بعد أن حكمها الصليبيون 88 عامًا فقط على يد صلاح الدين الأيوبى فى أكتوبر 1187… اعترض بيريز… سأله الباز ما هى اليهودية؟ أجابه ديانتنا… رد الباز ونحن نحترمها لأنها تعبد الله مثلنا… وعاجله وماذا عن الصهيونية؟ لم يرد… كرر السؤال ماذا عن الصهيونية! ظل صامتًا… تولى د. الباز الرد: هى عبارة عن حركة قومية تسعى للسيطرة على قطعة أرض وتكوين جيش يحميها وهى مخالفة تمامًا لليهودية…

وفوجئنا بالباز يقول أمام رئيس وزراء إسرائيل: صحيح أننا أمة ندعو للسلام لكننا لا ندعو للذلة والخنوع والمساس بتراب الأوطان والمقدسات… ويستمر رائعًا ومسيطرًا على دفة الحوار… إننا لا ندعو للتحرير بقوة السلاح ولكن القوة الآن فى العلم والتعليم والاقتصاد والتحكم فى الأسواق… أما التسليح فهو للدفاع عن النفس وردع من تسول له نفسه بالاعتداء علينا… حاول بيريز القول إن الحروب فيها خسائر لجميع الأطراف وكل المرات التى سبقت كنا ندافع عن أنفسنا! رد الباز قصدك تدافعون عن احتلال الأرض وتهجير الفلسطينيين وانتزاع منازلهم …

ومضى الباز ينتقدنا كصحفيين قائلاً إنكم كإعلاميين تصورتم أن اتفاقيات أوسلو ستجلب السلام وهذا أدى إلى تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية.. تصورتم أن المشكلة انتهت بتوقيع عرفات ورابين على اتفاقيات سبتمبر 1993 والمصافحة الشهيرة بينهما برعاية كلينتون وأنا أقول لكم لم تنته ولن تنتهى…

أعود إلى أوراقى القديمة التى حاولت إصدارها فى كتاب عن «رجال مبارك» فباءت المحاولة بالفشل… لأجدنى قد أشرت إلى استشفاف الباز لرؤى المستقبل فقال إن الموقع الجغرافى للوطن العربى كله مستهدف بإسرائيل والصهيونية المسيحية، وأن الشعارات والخطب الرنانة وعدسات المصورين لن تحل شيئًا بل إن الأجيال القادمة ستلعننا…

وإذا به يحول الحديث باقتدار إلى القدس مؤكدًا أنه لا حل بدونها وإسرائيل نجحت فى أن تجعل العالم يدرك أنها يهودية وتحاول هدم المقدسات الإسلامية بحثًا عن هيكل سليمان المزعوم…

كانت عصبية الباز ملحوظة وهو يتحدث عن الدور الأمريكى فقد أعلنت واشنطن فى أكتوبر 1995 أن القدس عاصمة لإسرائيل ووافقت على نقل سفارتها إليها… وكان الأزهر فى عهد الإمام الراحل د. جاد الحق قد عقد مؤتمرًا عن القدس فى نوفمبر من نفس العام أدان فيه القرار وهاجم فيه أمريكا وقال البيان الذى أصدره إن دعاة السلام صاروا دعاة للغدر والاغتيالات وتدنيس المقدسات…

سأل محفوظ الأنصارى صديقه د. الباز وكيف نشعل الصدور ونحيى الأمل فى نفوس المسلمين والسلطات المسيحية والإسلامية (الأزهر والبابا) يمنعان زيارتها… وفجر الباز القنبلة… «ما المانع من زيارتها؟ هل لو زرناها نعترف بالاحتلال؟! كلا والله… المسجد الأقصى ثالث المساجد التى تشد إليها الرحال كما أنبأنا الرسول… لا أرى مانعًا سياسيًا من زيارتها تأكيدًا على إسلاميتها ومسيحيتها… الامتناع يعنى اعترافنا بأنها يهودية»… انقسم الصحفيون إلى مؤيدين للفكرة ومعارضين لها خوفًا من اتهامهم بالتطبيع… كان الأستاذ مكرم من مؤيدى فكرة زيارة القدس ومثله رجب البنا وعارضها إبراهيم نافع ومحفوظ الأنصارى… وأنا… واتخذ الآخرون موقفًا وسطًا.

ترافع أسامة الباز عن فكرة زيارة القدس كما يترافع محام قدير أمام محكمة.. المحلفون فيها منقسمون والقاضى يكره المحامى والجمهور وينتظر أى فرصة للانسحاب بحجة المرض أو أن وراءه جلسة أخرى …

قال الرائع أسامة الباز إن العرب مسلمين كانوا أو مسيحيين عليهم زيارة القدس وعدم ترك أهلها وحدهم… عليهم الصلاة فى المسجد الأقصى وكنيسة القيامة… هنا سألنا كيف نحصل على التأشيرة فرد: من الأردن… (لم تكن إسرائيل قد أحكمت قبضتها بعد على القدس)…

وأتذكر أنه فى هذا التاريخ طالب د. حمدى زقزوق وزير الأوقاف فى دعوة رسمية بزيارة القدس فشن عليه الزملاء اليساريون والاشتراكيون حربًا ضروسًا اتهموه فيها بالتطبيع ووصلت الأمور إلى الطعن فى زوجته الفاضلة (لأن جذورها ألمانية) وبلغت الأمور حد السب والقذف.. استمر أسامة الباز على منطقه وحجته لا يهتز أو يتراجع يطلق سهامه ناحية بيريز فلا تخطئه ويسلطها علينا للعقاب وليس للقتل!

قال عليكم أن تكثروا من زيارة بيت المقدس كما تحجون إلى المسجد الحرام… إنكم بهذا الامتناع تساعدون إسرائيل على الزعم بأنها يهودية وعلى أن معجزة الإسراء والمعراج لم تتم.. الامتناع عن زيارة القدس تأكيد لكل الإسرائيليات التى تروج لها تل أبيب من خرافات حول الرسول وأن هيكل سليمان هو المكان الوحيد الذى يتم تقديسه فى العالم كله..

طالب الباز بضرورة الذهاب للقدس من الآن لخلق واقع جديد وجيل أكثر وعيًا بقضاياه ولحسن الحظ أن جاء للأزهر إمام من نفس طراز المقاتلين… الدكتور أحمد الطيب أمل الإسلام فى استرداد ما فقده على يد السياسة والدعاية الصهيونية…

نقلاً عن جريدة المصري اليوم