زيارة الوزير العمانى للقدس.. خطوة لابد منها

641

فتح نيوز |

بقلم/ سيد أبو زيد عمر

قام الوزير العمانى يوسف بن علوى بزيارة للقدس الخميس الماضى 15 فبراير الجارى، جال خلالها بالمواقع الإسلامية المقدسة فى المسجد الأقصى وقبة الصخرة، أول القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، توجه بعدها إلى كنيسة القيامة بالحى القديم بالقدس. والتقى بعد الجولة بالرئيس الفلسطينى محمود عباس ومعاونيه فى مقر السلطة الفلسطينية بأريحا حيث عقد جولة مباحثات للوقوف على آخر مستجدات القضية الفلسطينية وبخاصة حالة الجمود الذى وصلت إليه عملية السلام نتيجة للقرار الأمريكى الأخير بشأن القدس، وأكد الرئيس الفلسطينى على ضرورة إنشاء ألية دولية جديدة متعددة الأطراف تستند إلى الشرعية الدولية وتنبثق عن مؤتمر لإنقاذ عملية السلام وتحقيق السلام الشامل فى المنطقة. ومن جانبه أدلى الوزير العمانى بتصريحات لها أهميتها تضمنت التأكيد على دعم سلطنة عمان الثابت والراسخ لنضال الشعب الفلسطينى وحقه فى تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة تنفيذا لقرارات الشرعية الدولية، وأضاف بأنه لا يمكن تحقيق الاستقرار وبدء ثقافة التسامح إلا بقيام دولة فلسطينية بكامل أركانها لتكون فى مقدمة الركب لمحاربة ما يعانى منه العالم، وقال إن هدف الزيارة هو التعرف على فلسطين، التى تتشبث بثقافتها وعمق تاريخها، والتأكيد على أن الشعب الفلسطينى ليس وحده، ودعا الدول العربية إلى تلبية دعوة الرئيس الفلسطينى لإظهار دعم العرب للشعب الفلسطينى.

تأتى أهمية هذه الزيارة فى أنها جاءت بمثابة الرد العملى ضد القرار الأمريكى بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل والإعداد لنقل السفارة الأمريكية إليها، تلك الخطوة التى تعد خرقا صريحا لقرارات الأمم المتحدة حول القدس وخروجا عما جرى التفاهم العام حوله فى جولات المفاوضات الماضية منذ توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 باعتبار موضوع القدس فى مقدمة عناصر التسوية النهائية والواجب التفاوض حولها وصولا إلى تحقيق حل الدولتين. ذلك بالإضافة إلى تأثيراتها المباشرة على الروح المعنوية للمقدسيين بل والشعب الفلسطينى تحت الاحتلال فى الداخل والخارج، والذى يمكن أن أتخيل أنه قد وصل بهم اليأس إلى ذروته بعد القرارات الأمريكية المتوالية حول البعثة الدبلوماسية الفلسطينية فى واشنطن، وقرارها السلبى عن القدس ثم تخفيضها للدعم الذى تحصل عليه وكالة الإغاثة التابعة للأمم المتحدة، فضلا عن التصريحات السلبية الصادرة عن الإدارة فى الفترة الأخيرة والتى تبين انحياز تلك الإدارة إلى إسرائيل، والتى تخل بصلاحيتها فى أن تستمر وسيطا يمكن الركون إلى توازن مواقفه فى عملية السلام.

يطرأ إلى الذهن أكثر من تساؤل يمكن أن يحيط بهذه الزيارة، إذ للغرابة فقد انتقدتها قطر بشدة، وهى آخر ما يحق له أن يتحدث فى مثل هذه الأمور، فالعلاقات الإسرائيلية القطرية على أشدها وبخاصة فيما يضر الآخرين، ولكن قد بود البعض أن يعرف عما إذا كانت قد تمت بالتنسيق مع إسرائيل أو بعلم منها. فقد أشارت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية على سبيل المثال إلى أن سلطنة عمان وإسرائيل لا تربطهما علاقات دبلوماسية، وأن مثل هذه الزيارات تتطلب فى العادة تنسيقا مسبقا مع السلطات الإسرائيلية، ولكن متحدثا باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية أكد لوكالة الأنباء الفرنسية أنه لم يكن على علم بهذه الزيارة. فى الوقت الذى قام رجال الأمن فى القدس بتفتيش صندوق يحتوى على بخور حمله الوفد العمانى معه هدية للمسجد الأقصى وكنيسة القيامة. والمعروف أن عمان كانت قد سمحت فى منتصف التسعينيات بفتح مكتب تجارى لإسرائيل، وعادت فأغلقته مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية. وفى كل الأحوال فإن هذا لا يقلل من أهمية الزيارة بغض النظر عن الطريقة التى تمت بها.

ومن جانب آخر قد يصل التصور بالبعض إلى أن الزيارة تأتى فى إطار البحث عن سبل تحريك عملية السلام، وقد تكون محاولة لتحريك المياه الراكدة، والوزير العمانى بخبراته العريضة وهدوئه وحنكته قد يكون الطرف المناسب لالتقاط طرف الخيط فى هذه الأوضاع المركبة والمعقدة، إذ إنه على الأقل قد أظهر بهذه الزيارة بادرة للنوايا العربية الحسنة والتى سبق للراعى الأمريكى أن طالب بها دعما لعوامل الثقة مع إسرائيل. إلا أنه من جانب آخر لم يتسرب عن الزيارة ما يدعم هذا التوجه.

وفى اعتقادى الشخصى أن هذه الخطوة قد تأخرت كثيرا، فقد راودتنى بقوة فى التسعينيات، وانتهزت فرصة عودتى من مهمة فى رام الله مرورا بغزة حيث تشرفت وسعدت بلقاء المرحوم الزعيم الفلسطينى أبوعمار بمقره فى غزة، وأوضحت له مدى الألم الذى يعتصرنى خلال زياراتى المتكررة للقدس، حينما أجد هذه المقدسات تعيش الوحشة والوحدة، يحيطها العشرات فى أوقات الصلاة فى الأيام العادية، وحالة الفاقة للمقدسيين العرب التى تجعلهم فريسة للضغوط والإغراءات، وقلت له ألم يحن الوقت لرفع الحظر على زيارة القدس المفروض عليهم من القادة الرسمييين والدينيين، والعودة إلى الاعتقاد الذى كنا نؤمن به بأن شعائر الحج لا تكتمل إلا بزيارة القدس. أجابنى بأن هذا الحظر يستهدف عدم إتاحة فرصة التطبيع مع إسرائيل، لأن الزيارات قد تتطلب تأشيرات دخول من السلطات الإسرائيلية، وكذلك فسوف يزيد من دخل إسرائيل من حجم إنفاق الزائرين. أجبته بأن الحصول على تأشيرة من إسرائيل يأتى فى إطار «الضرورات التى تبيح المحظورات» وأنه يمكن توصية الزائرين بالحرص على أن يكون تعاملهم فى كل الأمور الحياتية مع العرب فى القدس، وبما يزيد من دخلهم وصمودهم. ورفعت الأمر إلى المسئولين على أعلى المستويات فى القاهرة مبينا خطورة حالة التوحد التى تعيشها مقدساتنا وحجب الحجاج من المسلمين والمسيحيين عن زيارتها، بحيث تظهر للعالم الخارجى وكأنها ليس لها أصحاب أو أتباع. ووافقت القيادة السياسية أيامها على هذا التوجه الجديد، غير إنه لم يراع فى تنفيذها ما أوصيت به من خطط كانت من الضرورى أن تبدأ باتصالات على المستويات العليا الفلسطينية لإقناعها بالأمر. ووأدت الفكرة فى مهدها عندما صدرت تصريحات تمهيدية من فضيلة المفتى آنذاك ــ رحمة الله عليه، حيث هوجم بشدة وبخاصة من الجانب الفلسطينى.

وفى اعتقادى أننا اليوم أمام التوجه الصحيح الذى يتطلب التنسيق على المستويين الرسمى والشعبى على أعلى المستويات للوصول إلى تدفق لأتباع الديانات الإسلامية والمسيحية لا ينقطع للالتفاف حول مواقعنا المقدسة ليل نهار، وليس لإسرائيل الحق بأى حال فى منع مئات الملايين من الوصول إلى تلك الأماكن لممارسة شعائرهم الدينية.

نقلاً عن جريدة الشروق