مئوية عبد الناصر

omar-header

فتح نيوز |

بقلم/ عمر حلمي الغول

في مثل هذا اليوم من التاريخ قبل مئة عام أبصر الطفل جمال عبد الناصر، النور في منزل والده رقم 12 شارع قنوات بحي باكوس بالإسكندرية. وأصوله صعيدية، حيث ولد والده في قرية بني مر في محافظة اسيوط. كان الخامس عشر من يناير 1918 إيذانا بميلاد زعيم عربي من طراز جديد. وبمناسبة ذكرى مئوية  الزعيم العظيم، تملي الضرورة إبراز دوره في النهوض بالقومية العربية، ورفع شعارها. لا سيما وان اللحظة السياسية، التي تعيشها الأمة العربية تحتم استحضار تجربته، لاستلهامها والاستفادة منها في الرد على كل المشاريع الاستعمارية الغربية، التي عملت، وتعمل على تعميق عملية تفتيت وحدة شعوب ودول الأمة العربية.

الزعيم الخالد عبد الناصر تلمس طريقه للقومية العربية في فلسطين عندما حوصر في الفالوجا، واكتشف آنذاك جريمة الأسلحة البريطانية الفاسدة، ومع انضمامه لتنظيم الضباط الأحرار، الذين اقتلعوا الملكية الفاسدة في ثورة تموز/ يوليو 1952. وتميز بين أقرانه بدور ريادي ، حيث قاد عملية تصحيح للثورة مع عزل رئيس الجمهورية الأول محمد نجيب، وتولى الرئاسة في 23 حزيران 1956 إلى يوم رحيله، وهو يدافع عن الثورة الفلسطينية، وبعد ان عقد قمة طارئة في القاهرة في ايلول 1970 للملمة الجراح، وما إن أسدل الستار على تلك القمة، وودع آخر من شارك فيها من الزعماء العرب أصيب بجلطة أودت بحياته في 28 من ايلول 1970.

القائد التاريخي عبد الناصر منذ أدرك مكانة وعبقرية دور وثقل مصر الشقيقة الكبرى، وأيقن أن مصر العربية لها رسالة عظيمة في بناء صرح الوحدة العربية، وتحرير الأرض العربية المحتلة في أرجاء الوطن العربي من الاستعمار خاصة في فلسطين والجزائر وليبيا وسوريا ولبنان، وملاحقة أنظمة الفساد في الوطن العربي، كما حصل في اليمن، ورفض التبعية، وسياسة الإملاءات الغربية الاستعمارية عبر توحيد طاقات وجهود وإمكانيات دول وشعوب الأمة العربية. عمل مع رفاقه وأقرانه في قيادة الثورة، ومع اشقائه الوطنيين والقوميين العرب للدفاع عن شعوب الأمة وحريتها واستقلالها ونهضتها ووحدتها.

تعمقت تجربة جمال عبد الناصر القومية بالمراس ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية، حيث جابه بصلابة مع أقرانه من الضباط الأحرار الإقطاع السياسي، ووكلاء الغرب الرأسمالي، وجماعة الإخوان المسلمين، الذين حاولوا اغتياله في عام 1954، لأنه اكتشف مآربهم ومخططهم الإجرامي، وتبعيتهم للغرب، ورفض اميركا وأوروبا الغربية بيع السلاح للجيش المصري، ورفضهم تمويل بناء السد العالي، وقبل ذلك عدوانهم الثلاثي في أكتوبر 1956، حيث شنت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل حربا على مصر عبد الناصر بعد تأميمه قناة السويس، لكسر إرادته وتوجهه الوطني والقومي. لكن إرادة الشعب العربي المصري وقيادته الصلبة أوقعت الهزيمة بالمعتدين الاستعماريين.

ولم يتوقف الرئيس الزعيم عن الإقدام على اتخاذ سياسات وخطوات دراماتيكية لبناء جسور الوحدة العربية، التي تتناقض مع مخططات سايكس بيكو، وكامبل نبرمان ووجود إسرائيل الاستعمارية في فلسطين المحتلة، فدافع عن عروبة لبنان 1957، وأقام أول مشروع وحدة عربية مع سوريا شكري القوتلي 1958، التي انهارت عام 1961 لأسباب داخلية وخارجية، وقاد أكثر من مشروع وحدوي للنهوض بمقدرات الأمة العربية، وتلازم مع ذلك عملية بناء مصر الحديثة والعظيمة. لكن تآمر قوى الداخل المصري والعربي والاسرائيلي والغربي الرأسمالي، والحروب وغيرها من الأخطاء حالت دون نجاح تجربة القومية العربية، التي قادها الزعيم الخالد عبد الناصر.

فشل تجربة قائد الأمة العربية في إشادة صرح الوحدة العربية، لا يعني بحال من الأحوال فشل المشروع القومي النهضوي، إنما كان لذلك اسباب ذاتية وموضوعية. ورغم تراجع وهج المشروع الوحدوي مع تعمق الفئوية والدولة القطرية، وتكالب قوى العمالة والرجعية في الوطن العربي على عبد الناصر شخصيا، وعلى مصر المحروسة بشكل عام، وتعاونهم مع أميركا وإسرائيل، إلا انه مازال المشروع القابل للحياة في ربوع هذه المنطقة، وهو المشروع المؤهل بحكم عوامل التاريخ واللغة والثقافة والجغرافيا والمصالح المشتركة للنهوض مجددا، ولن تستطيع قوى الغرب وإسرائيل الاستعمارية من احتجازه إلى ما لا نهاية، ولعل تجربة الخريف العربي منذ نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة، وافتضاح دور أميركا وحليفتها إسرائيل وأدواتهم من جماعة الإخوان المسلمين وأنظمة الردة هنا وهناك، ستشكل الدافع القوي للرد على هذة الهجمة في المستقبل المنظور. ومن يتابع التطورات الداخلية العربية سيلحظ ولادة أنوية عربية جديدة للمشروع القومي العربي، أهمها تجربة المؤتمر الشعبي العربي، الذي عقد مؤتمره الأول في تونس في ديسمبر / كانون اول 2017، ويعتبر مشروعا واعدا بما يحمله من آفاق قومية وديمقراطية.

ستبقى تجربة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر نبراسا وهاديا لكل القوى القومية والديمقراطية العربية الحية. ولن يموت المشروع القومي برحيل الزعماء، الذين حملوا رايته، لأن الرواد الجدد على موعد لرفع رايته مجددا وعاليا في سماء كل ارض عربية، ووفق معايير وطنية وقومية وديمقراطية قادرة على مواجهة التحديات، واجتراح المعجزات للنهوض من القاع الآسن، الذي تعيشه شعوب الأمة العربية منذ زمن لا بأس به مع تكالب كل اصحاب المشاريع التآمرية عليه في الإقليم والعالم.