فاتورة الجريمة

56-11-15-14-6-20155-png-49231184832914244

فتح نيوز|

منذ 7 أشهر، ُرفعت دعوى قضائية ضد عدد من ضباط وجنود الاحتلال، ممن ارتكبوا جريمة قتل بحق الشهيد عبد الله غنيمات من قرية كفر مالك شرق رام الله، الذي أعدمه جيش الاحتلال، بعد مطاردة جيباتها العسكرية للشهيد في أزقة قريته، فجر الرابع عشر من حزيران/ يونيو عام 2015.

في ذلك الوقت، حاول الشهيد غنيمات (22 عاما) الاحتماء بأحد الأسوار القريبة من منزله، لكن جيب الاحتلال الذي يقدر وزنه بثلاثة أطنان، استمر بملاحقته إلى أن اخترق السور الذي يختبئ الشهيد غنيمات خلفه، انقلب فوقه، وسحق جسده النحيل تحت عجلاته، ليرتقي بذلك شهيدا على الفور.

الجريمة تلك دفعت المستشارة القانونية في منظمة التحرير المحامية نائلة عطية إلى محاولة فعل ما أمكن فعله في محاكم الاحتلال، ومحاولة استصدار قرار ضد جيش الاحتلال يشفي، ولو جزءا يسيرا من غليل العائلة المكلومة، التي لا يزال الحزن يلفها على فقدان بكرها، لتُصدم قبل يومين بوصول رسالة عبر بريدها الإلكتروني من المحكمة الإسرائيلية، يفيد بقيام جيش الاحتلال برفع دعوى قضائية مضادة، يطالبون من خلالها عائلة الشهيد غنيمات بدفع تعويض مادي عن الضرر الذي لحق بالجيب العسكري الذي دهس ابنهم، وقتله، عملا بالمثل القائل “ضربني وبكى.. سبقني واشتكى”.

تستهجن عطية الدعوى، قائلة “إنها المرة الأولى التي يجري فيها رفع دعوى للمطالبة بتعويض مادي من عائلات الشهداء، حيث يطالب جيش الاحتلال بمبلغ يقدر بـ95 ألف شيقل أي ما يقارب 28 ألف دولار، وهو ثمن الجيب العسكري (أداة الجريمة التي قتل بها الضحية).. هم قتلوا الشهيد، وارتكبوا جريمة نكراء، ويطالبون بالتعويض!!”

وترجح خسارة الدعوى التي رفعها الجيش الإسرائيلي، كونه لا يملك معلومة دقيقة حول مواصفات الجيب العسكري، كما أن تقرير مخمن حوادث السير الإسرائيلي لا يحتوي على رقم للجيب العسكري، أو تاريخ وقوع الجريمة، وهو ما قد يضعف الدعوى- وفقا لعطية.

وتشير إلى أن هناك إمكانية لإبطال الدعوى، خاصة أن الجيش الإسرائيلي لم يقدم حينها أي إسعاف أولي أو مساعدة للشهيد لإنقاذ حياته، ولم يكتف بذلك، بل قام بمنع الطواقم الطبية من الاقتراب والوصول إليه، كذلك فهو أطلق النار على سائق الرافعة الذي كان يحاول رفع الجيب العسكري، الذي بقي فوق جسد الشهيد لثلاث ساعات.

الدعوى القضائية تلك قوبلت من قبل عائلة الشهيد عبد الله غنيمات بالسخرية والاستنكار، لكنها أيضا زادت من حرقة قلبها، وقلّب عليها المواجع، ولم يندمل جرحها بعد، على استشهاد ابنها.

وعند مدخل منزل عائلة الشهيد في كفر مالك، بنت العائلة نصبا تذكاريا لابنها، كما في داخل غرفة الضيافة علقت صورة على جدرانها الأربعة، من ضمنهم صورة عبد الله التقطت له داخل معتقلات الاحتلال، حيث أمضى عامين بتهمة رشق جنود الاحتلال بالحجارة، إلى جانبها رسالة نعي كتبها رفاقه داخل معتقل “عوفر”.

وأشار إياد غنيمات والد الشهيد إلى إحدى صور ابنه، وارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة من قرار رفع دعوى قضائية ضد العائلة، بقوله “إذا أرادوا تعويضا ماديا فليعيدوا لي ابني”.

هذه الدعوى محاولة ابتزاز، ومساومة ضدنا، وضغط علينا، من أجل إسقاط الدعوى التي رفعتها المحامية عطية، غير أننا مصممون على مواصلتها مهما كان الثمن، مع علمنا المسبق أن جيش الاحتلال ومحاكمه سيان”، قال غنيمات.

وتتدلى من رقبة والدة عبد الله قلادة تحوي صورة ابنها الشهيد، الذي مر على استشهاده أكثر من عامين. وتسرد العائلة لـ”وفا” كيف استشهد ابنها، بقولها: حدث ذلك عندما كان عائدا بعد صلاة الفجر من مزرعة للدواجن حيث كان يعمل هناك، وتقع على مقربة من قريته، حيث طلب منه خاله الذهاب إلى البيت، من أجل أخذ قسط من الراحة على أن يعود صباحا.

وتشير -وفقا لشهود عيان- إلى أن عبد الله فوجئ بالقوة العسكرية الإسرائيلية، وعندما حاول الهرب، بدأوا بملاحقته بجيباتهم العسكرية، حينها حاول القفز عن سور لا يزيد ارتفاعه عن 40 سم، غير أن سرعة جيب الاحتلال أدت إلى انقلابه فوق جسد الشهيد.

وتضيف: استيقظنا مفزوعين على صوت ارتطام الجيب العسكري بالسور، وخرجنا من البيت الذي يقع على بعد مسافة قصيرة من مكان الحدث، لنستعلم عن الأمر، غير أن انتشار جنود الاحتلال وتهديدهم بإطلاق الرصاص الحي اتجاه كل من يقترب دفعها للابتعاد قليلا، لكن الأنباء التي بدأت تنتشر تباعا وتفيد بوجود جثمان لشاب أسفل الجيب، جعلها تعاود محاولتها الوصول إليه لإنقاذ حياته، دون أن تعلم أنه نجلها.

وتتابع: مع شروق الشمس، بدأ أهالي قرية كفر مالك بالتجمع في محيط الجيب العسكري، وحاولت والدة عبد الله تقوي عزيمة جارتها، ظنا منها أن ابنها هو الشهيد، ثم عادت إلى منزلها بناء على طلب شقيقها الذي كان يعلم أن الشهيد هو ابنها.

أهالي القرية أحضروا رافعة لسحب الجيب العسكري، وإزالته من على جثمان الشهيد، غير أن جنود الاحتلال أطلقوا النار اتجاه سائقها، ما أجبره على التراجع، وعقب ثلاث ساعات أحضرت وحدات الهندسة التابعة للاحتلال رافعة أخرى من أجل سحب الجيب، ليتبين للعائلة حينها أن من كان أسفله هو نجلها عبد الله.

“أطلب العوض من الله” قال والد الشهيد، بينما كان يحتضن بين ذراعيه مولوده الجديد، الذي أطلق عليه اسم عبد الله، تيمنا بشقيقه الشهيد.