مركز حقوقي: وعد بلفور يتكرر “منح من لا يملك اعترافاً لمن لا يستحق”

logo4

فتح نيوز|

رأى المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، أن قرار الرئيس الأميركي، أن القدس عاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي ونقل السفارة الأميركية إليها، هو منح من لا يملك اعترافاً لمن لا يستحق، لأن الحق الفلسطيني في القدس قانون دولي لا تزيله التصريحات والإجراءات السياسية، وقرار ترامب سابقة خطيرة تتناقض مع القانون الدولي.

وأكد المركز في ورقة موقف له خاصة بذلك اليوم الخميس، أن وضع القدس القانوني كجزء من أرض فلسطين المحتلة مقر بالقانون الدولي، استناداً إلى قرارات الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية، وباعتراف وإقرار الأغلبية الساحقة لدول العالم، حيث صوتت (154) دولة على الاعتراف بدولة فلسطين على الأرض المحتلة عام 67 والتي تشمل القدس.

ورأى المركز أن الإعلان هو بمثابة إعطاء من لا يملك اعترافاً لمن لا يستحق، وكأن التاريخ الظالم يعيد نفسه ليخرج “وعد بلفور” جديد، في الذكرى المأوية للوعد القديم، ولكن بلسان أميركي هذه المرة. مؤكدا أن ما قام به ترامب مخالفة واضحة للقانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن واتفاقيات جنيف، ويمثل جريمتين وهما: جريمة عدوان على الدولة الفلسطينية، باعتبار إنه دعم وتأييد لضم أراضي الغير باستخدام القوة؛ كما إنه يمثل جريمة حرب باعتباره بمثابة اشتراك في جريمة الاستيطان التي تمارسها دولة الاحتلال في الضفة الغربية بما فيها مدينة القدس.

وقال المركز: إن هذا القرار هو بمثابة دعوة صريحة لشريعة الغاب، وفرض لسياسية الأمر الواقع، وتحطيم كامل للنظام القانوني الدولي ودور الامم المتحدة، وإنه إعطاء شرعية سياسية لجرائم الاحتلال ومساس بالتاريخ والحاضر والمستقبل وبكرامة الشعب الفلسطيني.

وقال مدير المركز الفلسطيني لحقق الإنسان المحامي راجي الصوراني: يأتي هذا التطور في معرض سياسة ممنهجة اتبعتها الادارة الأميركية الحالية في التنكر لحق الفلسطينيين في تقرير المصير، ومحاولاتها تصفية القضية الفلسطينية.

واضاف بدأت هذه السياسة بدعم التوسع الاستيطاني، وهو موقف عبر عنه اقطاب الادارة الاميركية صراحة في أكثر من موقف، من خلال السكوت المتعمد عن ادانته أو التحدث صراحة عن تبعية المستوطنات لدولة الاحتلال وإنكار إنها أرض محتلة. ويضاف إلى ذلك، الضغوط الهائلة التي مارستها الولايات المتحدة على اجسام الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية والقيادة الفلسطينية لحرمان الفلسطينيين من اللجوء للعدالة الدولية، وهو موقف عبرت عنه ممثلة الإدارة الأميركية في الأمم المتحدة، “نيكا هالي”، عندما قالت “زمن ادانة اسرائيل ولى”. وأخيرا، يأتي ما قامت به الإدارة الأميركية  أمس من عدوان على الارض الفلسطينية بما ينهي عمليا جهود احلال السلام وحل الدولتين.

يذكر أن (13) دولة كانت لها سفارات في القدس حتى نهاية السبعينيات دون الإقرار بأنها عاصمة دول الاحتلال الإسرائيلي، ولم تكن الولايات المتحدة منها، حيث لم يكن لها الا قنصلية في القدس تابعة للسفارة الموجودة في تل ابيب. وبادرت تلك الدول الـ 13 إلى سحب سفاراتها من القدس ونقلتها إلى مدن أخرى في دولة الاحتلال، وخاصة بعد صدور قراري مجلس الأمن رقم 476، 478 اللذين يدينا قرار سلطات الاحتلال بضم القدس.

كما يذكر أن الكونجرس الاميركي قد أقر مدينة القدس كعاصمة لدولة الاحتلال الاسرائيلي في العام 1995، وأوصى في قراره الرئيس الأميركي حينها بإصدار اعلان رسمي ونقل السفارة الأميركية للقدس. ومنذ ذلك التاريخ دأب الرؤساء الاميركيين على تأجيل تنفيذ هذه التوصية، حتى تجرأ الرئيس ترامب على اصدار الاعلان امس، متنكراً للقانون الدولي ومستهيناً بالسلم الدولي وحياة الكثير من الابرياء التي قد تتعرض للخطر نتيجة لإثارة مشاعر ملايين المسلمين والمسيحيين حول العالم.

وجاء في ورقة الموقف، انه صدر عن مجلس الأمن (12) قراراً  تؤكد على أن القدس أرض محتلة من قبل سلطات الاحتلال الاسرائيلي، تنص (8) منها على عدم قانونية كافة الاجراءات أو التغييرات في الوضع القانوني للمدينة وضرورة سحب القوات الإسرائيلية منها، والاربعة الأخريات تطالب اسرائيل بالانسحاب من الارض المحتلة عام 1967 بما فيها القدس، كان أولها قرار مجلس الأمن رقم 242.

وبينت الورقة أن من القرارات التي تعلقت بمدينة القدس مباشرة، قرار مجلس الأمن رقم 476 لسنة 1980، والذي يطالب اسرائيل بالانسحاب من الأرض المحتلة، بما فيها القدس، مؤكدا على أن أي تغيير على وضع القدس غير قانوني. وفي العام ذاته، صدر القرار رقم 478 الذي ادان دولة الاحتلال الاسرائيلي لقيامها بالنص على القدس كعاصمة موحدة لها في قانونها الاساسي، ويعتبر القرار ذلك خرقاً للقانون الدولي، ولا يحول دون تطبيق اتفاقية جنيف الرابعة على المدينة باعتبارها ارضاً محتلة. كما ادان القرار أي تغيير على وضع القدس، واعتبر كل التشريعات والاجراءات والتصرفات التي أجرتها سلطات الاحتلال هناك غير قانونية وملغية فوراً.

ومن أبرز وآخر القرارات التي تدين الاستيطان في الأرض المحتلة، بما فيها القدس، قرار رقم 2334 لسنة 2016، والذي يؤكد على أن فرض الوقائع الاستيطانية على الأرض بلا قيمة قانونية، ويمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وعقبة كبيرة في طريق عملية السلام وحل الدولتين. ويدعو القرار في الفقرة (5) منه دول العالم للتفرقة بين الأرض الاسرائيلية والأرض المحتلة عام 1967 عند التعامل مع دولة الاحتلال.

ومن جدير بالذكر أن هذا القرار اتخذ بأغلبية 14 عضواً، ودون اعتراض من الولايات المتحدة، ويعتبر الخامس من نوعه الذي يؤكد على ارتكاب الاحتلال لجريمة استيطان ويدينها.

وتؤكد محكمة العدل الدولية في قرارها الاستشاري بخصوص جدار الضم العنصري لسنة 2004 على أن قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس ارضاً محتلة وفق القانون الدولي، وعلى هذا الاساس جاء قرارها ليؤكد عدم قانونية مسار الجدار، باعتباره يقتطع أجزاءً من الأرض الفلسطينية.

كما وصدر عن الجمعية العامة عدة قرارات تؤكد عدم وجود أي حق لإسرائيل في مدينة القدس، وإنها قوة محتلة. وكان اولها القرار (303) لسنة 1949 والذي يؤكد على ادانة الجمعية العامة اعلان إسرائيل القدس عاصمة لها.

وفي اعقاب العدوان الاسرائيلي عام 1967 على الأراضي العربية واحتلال جزء منها، بما فيها قطاع غزة والضفة الغربية صدر قرار رقم (2253) من الجمعية العامة والذي تؤكد فيه رفضها تطبيق القانون الاسرائيلي في القدس الشرقية. بعدها صدر القرار رقم (1536) لسنة 1981 والذي يعتبر أي تغيير في وضع مدينة القدس غير قانوني.

كما وصدر عن منظمة “اليونيسكو” عدة قرارات تتعلق بوضع القدس والمسجد الاقصى، كان آخرها في العام 2016 والذي يقر أن المسجد الاقصى وحرمه تراث اسلامي خالص، بما فيه حائط المغاربة (المسمى بحائط المبكى عند اليهود)، وليس لليهود أي حق فيه.  كما أدان القرار كل التعديات والتغييرات التي تقوم بها دولة الاحتلال الاسرائيلي على المعالم الأثرية هناك، باعتبار المسجد الاقصى وحرمه من التراث الإنساني المحمي دولياً.

 وقال المركز الحقوقي: إن القرار الأميركي بإعلان القدس عاصمة لدولة الاحتلال، هو خرق فاضح للقانون الدولي الإنساني، ويمثل اشتراكاً مباشراً في جريمة عدوان ويهدد السلم والأمن الدوليين بشكل مباشر، حيث إنه يؤجج المشاعر الدينية للمسيحيين والمسلمين حول العالم، وليس في فلسطين فقط، ويظهر ذلك بوضوح من ردة الفعل الدولية.

وتابع: تعتبر جريمة العدوان مخالفة لميثاق الأمم المتحدة، والذي يحظر ضم اراضي الغير بالقوة، ويعتبرها أحد الاساسات التي تجيز تدخل مجلس الأمن وفق الباب السابع من الميثاق لحفظ السلم والأمن الدوليين، كما أنها إحدى الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وإن كان تعريفها لم يدخل حيز النفاذ بعد. كما ويعتبر الاستيطان احد جرائم الحرب التي نص عليها كل من اتفاقية جنيف الرابعة في المادة (49) منه، وميثاق روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية وذلك في المادة (8) الفقرة (8). وبموجب ذلك تصبح الولايات المتحدة الأميركية شريكاً في جريمة الاستيطان مع اسرائيل، ويحق للمحكمة الجنائية الدولية ملاحقة المسؤولين الأميركيين عن هذا القرار وعلى رأسهم الرئيس ترامب.

يشار الى أن ملف الاستيطان من الملفات التي تجري فيها المحكمة الجنائية الدولية تحقيقات أولية منذ حزيران 2014.

وبين المركز أن القرار الأميركي يضعف القانون الدولي والأمم المتحدة ويقرر سابقة خطيرة بتجاوز دولة بحجم الولايات المتحدة لقرارات مجلس الأمن والقانون الدولي. وبهذا يقوض الرئيس ترامب مساعي بدأت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، لاستبدال الاحتكام للقوة بالاحتكام للقانون، والتي قطع فيها العالم شوطاً مهما وطويلا، كان له الكثير من الفضل في منع حدوث حرب عالمية ثالثة، وكانت أهم وسائله الأمم المتحدة وتعزيز واحترام القانون الدولي بما فيها القانون الدولي الإنساني.

وقال “إن الاعلان الاميركي المتنكر لكل القوانين الدولية الإنسانية وما واكبه ويواكبه من سياسات داعمة ومتسترة ومشرعنة لانتهاكات الاحتلال الاسرائيلي للقانون الدولي في الأرض المحتلة، تضع العالم كله أمام تساؤلات مهمة: هل عاد هناك فاعلية حقيقة للأمم المتحدة فيما يتعلق بحفظ الأمن والسلم الدوليين؟.. وهل بات للقانون الدولي الحامي للإنسانية وحقوق الشعوب أي اعتبار؟!.. وهل باتت الاجسام الدولية الحامية للإنسانية عاجزة تماما، واصبحت مجرد سلاح في يد الدول القوية للتدخل في شؤون الدول الضعيفة؟!

وأكد المركز الفلسطيني أن القضية الفلسطينية يجب أن لا تدخل في اطار المساومات السياسية، وأن القانون الدولي والقرارات الدولية هما من عينا حدود الدولة الفلسطينية، وأن أية مفاوضات يجب أن تقتصر فقط على كيفية تنفيذ ما نص عليه القانون الدولي بشكل يضمن السلام للجميع.

ودعا المركز الكل الفلسطيني ودول العالم المحبة للسلام والمؤسسات الدولية جميعها وكل نشطاء العالم والاحرار للتكاتف من أجل التصدي لهذه الجريمة.