مهمة القيادة اللامستحيلة

Mwafaq

فتح نيوز |

بقلم/ موفق مطر

عندما ندرك جيدا ان الاحتلال والاستيطان الاسرائيلي مجرد مشروع، تتناوب على استخدامه واستثماره دول استعمارية في المنطقة العربية والشرق الأوسط، سنؤمن أن الحتمية التاريخية التي ستصنعها ارادة الشعب الفلسطيني والأمة العربية والأحرار في العالم، ستضع نهاية لصلاحية هذا المشروع، والى ان يحين ذلك، سنراكم الانجازات الوطنية، ونفتح دروبا جديدا للنضال، نثبت وجودنا على ارض وطننا التاريخي والطبيعي، ونقدم للعالم نماذجنا الحضارية بالتوازي مع ابداعات غير مسبوقة في تاريخ تحرر الشعوب.

من الخطأ الاعتقاد ان الصراع مع صناع هذا المشروع وأدواته، ودولته المركزية (اسرائيل)، ستحسمه القرارات الأممية أو البرامج والمواقف والبيانات السياسية الفلسطينية أو العربية، لكنها كلها مجتمعة تشكل لنا قاعدة انطلاق لا يختلف على شرعيتها ومشروعيتها مؤمنان بقيم الحرية والعدل وحقوق الانسان، نحو أهدافنا ورؤانا المعززة والمسلحة بالارادة ومبادىء واسس المنهج الكفاحي، المرفوع على العقلانية والواقعية السياسية، كما يمكن اعتبارها التراكمات الطبيعية التي لابد منها لاحداث التغيير الذي لايأتينا تلقائيا ولا تتدخل الطبيعة لفرضه، وانما هو نتاج اعمال عقلنا الوطني الفردي والجمعي، مايعني خلق الوقائع الجديدة على الأرض، عبر المراجعة المستمرة للنظريات أو التنظيرات المعروفة والسائدة، وخلق البدائل عندما تقتضي الحاجة، او تطويرها على الأقل، وتحويرها لتنسجم مع المستجدات، بما لا يؤثر على لب القضية وجوهرها، التي نسميها بلغتنا السياسية الثوابت.

يتسرع البعض في تحميل القيادة الفلسطينية المسؤولية عن سياسة دولة الاحتلال، اذ يرى هؤلاء أن دخول مسار المفاوضات، وقرارات الأمم المتحدة ومجلس لم تؤد الى اخضاع دولة الاحتلال لقرارات الشرعية الدولية، وان الحل المنشود بات بعيدا، رغم قولهم بتعنت اسرائيل، لكن ألا يعلم المتسرعون– اذا افترضنا حسن النية في الطرح– تمرد دولة الاحتلال (اسرائيل) على القانون الدولي، وانها كمشروع استثمار استعماري مازالت تلبي حاجة القوى العظمى المعنية بالسيطرة على منطقة الشرق الأوسط عموما، والوطن العربي تحديدا واخضاع شعوبها ومنعها من استعادة مكانتها الحضارية، ناهيك عن كونها القاعدة العسكرية المتقدمة والمضمونة امنيا على المدى البعيد، حيث يحرص كل ساسة اسرائيل بتنوع مذاهبهم ومشاربهم السياسية على ابقائها كذلك، لتأمين الوجود الى اقصى مدى زمني، والانخراط في لعبة اقتسام الكعكة والاستحواذ بقوة عقلية وبلطجية الاستعمار على نصيبها من المواقع الاستراتيجية، ما يمكنها من التحكم، واقناع القوى الكبرى بأهمية دورها في حفظ الأمن والاستقرار، مع حرصها على تمرير دعاية الديمقراطية لاقناع شعوب الدول الاستعمارية المعنية برؤية نماذج ما في اي منطقة في العالم.

عملت القوى الاستعمارية على انشاء قواعد عسكرية، وانظمة حكم لضمان مصالحها في مناطق استراتيجية في العالم، لكن معظمها تلاشى اثر تغييرات جذرية لدى شعوب تلك الدول، وهذا ما يجعل القوى الاستعمارية الحديثة تمعن في التعامي عن حقوق الشعب الفلسطيني، والنظر الى امن دولة الاحتلال (اسرائيل) فوق كل الاعتبارات، وان مصيري بالنسبة لها، وهذا مانراه تفسيرا لانحياز دول استعمارية حديثة وقديمة لاسرائيل، أما الدول الكبرى المصنفة كصديقة فان مصالحها تمنعها من الضغط الفعلي والعملي على دولة الاحتلال، رغم مواقفها الايجابية في المحافل الدولية، وهذا ما يجب النظر اليه بدقة أيضا، اذ ان منظومة العلاقات بين الدول وتحديدا الكبرى المؤثرة على الأمن وحسم الصراعات في العالم باتت امتن ومتشابكة أكثر مما نرى.

مهمة القيادة بتفكيك علاقة دولة الاحتلال (اسرائيل) مع القوى الكبرى ودول العالم ليست امرا يسيرا، لكنها ليست مستحيلة ايضا اذا خلصت نوايا المناضلين، وتضافرت جهودهم ونظمت وفق برنامج عمل وطني متكامل كل الميادين، دون الهروب الى القاء المسؤولية على الآخر، أو الغي والامعان في تسطيح الصراع عند التعامل مع القواعد الجماهيرية.

ليست المهمة ميسرة نظرا لسيطرة يهود على وسائل الاتصال والاعلام وكذلك شرايين أموال الشركات الكبرى، والأهم هنا حرص دول اوروبية على ابقاء مشكلة اليهود في الشرق الأوسط، والحيلولة دون ارجاعها الى موطنها الأصلي (اوروبا)، لكنها– اي المهمة– قابلة للتحقق حتما اذا اقنعنا العالم بما لا يدع مجالا للشك ان (اسرائيل المتمسكة بمنهج الاحتلال والاستيطان الاستعماري والعنصري) هي مركز الزلازل السياسية في المنطقة، وأن وأد الصراعات الدموية الى الأبد يقتضي استئصال ورم العقلية الاستعمارية الخبيث، الموروث والمطور في مختبرات تل ابيب، لأن عقلية السيطرة على شعب فلسطين المستحكمة في أدمغة ساسة اسرائيل، وكذلك نفخهم في أتون الصراعات الدينية ستجعل من الاحاطة بالنار ومنعها من التمدد في العالم بالأمر المستحيل.