كتاب: حركة فتح البدايات

Want create site? Find Free WordPress Themes and plugins.

 

غلاف كتاب ابو جهادغلاف كتاب ابو جهاد2

كتاب: حـركــة فـتــح الـدايــات

الكاتب: الشهيد/ خليل الوزير “أبوجهاد”
 

مـــقــــــدمـــــــــة:

الفدائي إذا تكلم

نشرت “مجلة الدراسات الفلسطينية” في العدد (104) خريف 2015، والتي تصدر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية ببيروت نص الكراس/ الوثيقة للشهيد خليل الوزير (أبو جهاد(، نائب القائد العام لقوات العاصفة وعضو اللجنة المركزية لحركة “فتح”. وهذا الكراس الذي صدر في سنة 1986، كان نتيجة حوارات بشأن بداية حركة “فتح”، له قصة تستحق أن تُروى. فقد عمد المؤلف إلى إتلاف نسخ كراسه، قبل أن يتم توزيعها، ولم يتحفظ سوى بنسخ قليلة جدًّا استطعنا الوصول إلى إحداها بفضل الأخت “انتصار الوزير” (أم جهاد)، التي أعطتنا نسخة من هذا النص بهدف نشرها، وعند سؤالها عن سبب سحب الكتاب تحدثت عن حرص الأخ أبو جهاد على عدم إغضاب أحد من المؤسسين. لكننا نرجح – وهذا مجرد اجتهاد – أن أبو جهاد سحب كتابه من أجل عدم إغضاب الأخوين الشهيدين “ياسر عرفات” (أبو عمار)، و”صلاح خلف” (أبو إياد)، لاعتبارات تتعلق بتوقيت النشر؛ إذ من الواضح أن رواية أبو جهاد تقدم افتراضها أن البدايات كانت في غزة، وضمن مجموعة صغيرة باشرت العمليات الفدائية في سنة (1954)، أي قبل لقاء خليل الوزير بياسر عرفات في سنة (1955). كما أن رواية البدايات، بحسب خليل الوزير لا تشير إلى الدور الذي قام به صلاح خلف.

وقد حدثتنا الأخت انتصار الوزير أن أبو جهاد كتب مقدمة جديدة لكراسه من أجل تلافي ثغراته، لكن هذه المقدمة ضاعت بعد انقلاب حركة “حماس” في غزة (حزيران/ يونيو 2007)، والعبث الذي جرى بمقتنيات منزل أبو جهاد.

الكراس الذي نضعه كاملاً بين أيدي القراء، هو وثيقة غير منشورة، وهي ملك للتاريخ، ونحن ننشرها انطلاقًا من اهتمامنا كمجلة بتوثيق التاريخ الفلسطيني، وبوضع خبرة مؤسسي الثورة الفلسطينية في خدمة القضية في هذه الأيام الصعبة التي ينتشر فيها الأسى على ما آلت إليه ثورة كبرى يتهددها خطر تبديد مكتسباتها.

لا يحتاج خليل الوزير إلى تعريف، فالمناضل الذي كان “أول الرصاص”، و”أول الحجارة”، والقائد العسكري في قوات “العاصفة” ومسؤول “القطاع الغربي في فتح” (أي قطاع الأرض المحتلة)، ومهندس العمليات الفدائية، وكاتب نصوص “فتح” الأولى، شكل في حياته واستشهاده علامة مضيئة في تاريخ الشعب الفلسطيني.

خليل الوزير قاد – وهو في التاسعة عشرة من عمره – أول خلية فدائية في غزة ضمت “محمد الإفرنجي”، و”كمال عدوان”، و”حمد العابدي”، و”عبد الله صيام”، و”نصر عبدالجليل”، وقد كانت هذه الخلية مسؤولة عن عملية تفجير “خزان زوهر” في 25 شباط/ فبراير 1955، العملية التي أعلنت أن الكفاح المسلح وبناء الشخصية الوطنية الفلسطينية هما أول الطريق وبداية الثورة.

شارك في سنة 1957 في اجتماع الكويت الذي أعلن تأسيس حركة “فتح”، والذي ضم كلاً من: ياسر عرفات، وخليل الوزير، وعادل عبدالكريم، ويوسف عميرة، وتوفيق شديد. محرر “فلسطيننا” لسان حال حركة “فتح” التي صدرت في بيروت سنة 1959، ومسؤول مكتب فلسطين في الجزائر بدءًا من سنة 1963، والذي أدى دورًا مركزيًّا في بناء الجهاز العسكري لقوات “العاصفة”، وكان أول من بادر إلى العلاقات مع القوى الثورية وحركات التحرر في الصين وفيتنام وكوبا.

الفدائي الذي قاد الفدائيين في كل الظروف متجاوزًا معهم الصعاب جميعها، من الأردن إلى لبنان إلى الانتفاضة الأولى، والذي ارتبط اسمه بجميع العمليات الفدائية الكبيرة، وأشهرها عملية الشهيد “كمال عدوان” التي قادتها الشهيدة “دلال المغربي” في آذار/مارس 1978، يتكلم في هذا الكراس/ الوثيقة عن تجربة البداية بكل ما تحمله من آفاق وآمال، معلنًا بشكل واضح معنى الثورة بصفتها تضحيةً وتفانيًّا وفداءً.

هذا الفدائي عاش فدائيًّا ومات فدائيًّا، طرح جانبًا مغريات السلطة والمال كلها، وعاش مناضلاً يحمل قضيته ويخلص لها حتى الموت.

وردت شذرات من حكاية تأليف هذا الكراس/ الوثيقة في كتاب: محمد حمزة([1])، والذي روى المؤلف فيه أن لقاءً جرى في عمان في ذكرى انطلاق الثورة في سنة 1986، وحضرته مجموعة من الكوادر، وتحدث فيه أبو جهاد عن البدايات، وتم تسجيل الحديث، وقد بادر الأخوة بتفريغ حديث أبو جهاد، وجرى إعداده للنشر في كراس حمل عنوان “البدايات”، بقلم خليل الوزير.

ومن الواضح أن الكراس كان حديثًا شفويًّا ضم إليه مجموعة كبيرة من الوثائق، وأغلب الظن أنه خضع لعملية تحرير ومراجعة.

حافظنا على النص كما طبع في الكراس، ولم نحدث عليه أي تعديلات، لكننا قمنا بتصحيح الأخطاء الطباعية واللغوية الناجمة عن الطبيعة الشفوية للنص، كما أحدثنا تصويبًا لأخطاء قليلة ناجمة في رأينا عن السهو.

نوجه شكرنا الخاص إلى “مؤسسة خليل الوزير” التي أذنت لنا بنشر النص، كما نؤكد أن هدفنا من نشر هذا النص غير المنشور، هو تقديم تحية إلى مناضلي الرعيل الأول الذين قدموا نموذجًا نحن في أمس الحاجة إليه؛ فحركة “فتح” هي حركة ثورية بناها فدائيون قرروا أن النضال هو الطريق لاستعادة الحق، وإعلاء صوت الحقيقة. كما أن نشر هذا النص يجب أن يكون حافزًا لمن يمتلكون وثائق عن تلك المرحلة على نشرها وتعميمها.

هيئة التحرير

مجلة الدراسات الفلسطينية

النكبة أو إلغاء العامل الفلسطيني من معادلة الصراع

من أين نبدأ؟

لنبدأ أولاً من تقييم ما جرى في فلسطين ونشأة الدولة الإسرائيلية وتغييب الدولة والدور الفلسطيني رغم أن وثائق الأمم المتحدة قد نصت على حضوره وقيامه.

هناك أولاً حقيقة سياسية مثبتة وموثقة تقول: “إنَّ الهدف الأساسي للمؤامرة على فلسطين كان تغييب الشخصية الفلسطينية وإلغاء العامل الفلسطيني من معادلة الصراع، وذلك رغم صدور القرار (181) القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين، واحدة إسرائيلية وأخرى عربية فلسطينية”.

يجب الانتباه هنا أن إسرائيل كدولة قد رُفض قبولها كعضو في الأمم المتحدة إلا بشرط توقيعها لاتفاقية “لوزان”، وقد لاحظت اللجنة الدولية المشرفة على تنفيذ القرار أن إسرائيل تبدو وكأنها غير معنية بتنفيذ القرار الخاص بإنشاء دولة عربية في فلسطين، كما لم تنفذ القرارات الخاصة بعودة اللاجئين العرب إلى ديارهم، واستمرت بتنفيذ سياستها العدوانية. فكان أن ألزمت اللجنة الدولية إسرائيل بتوقيع اتفاقية لوزان التي تنص على هذه الحقوق العربية.

تقاطعات العدو والخيار المتأخر

كانت نقطة التقاطع بين كافة القوى المعادية لشعبنا الفلسطيني وركائزها المحلية هي منع قيام حكومة وكيان فلسطيني بأي ثمن. وتم تقسيم الخريطة الفلسطينية، فهضم الكيان الإسرائيلي جزءًا من هذه الخريطة، وتكفلت الكيانات العربية بهضم ما تبقى بعد أن توزعته بينها.

وشعرت القيادات الفلسطينية بفداحة ما حدث، فتداعت إلى لقاء بينها لبحث القرار والواجب اتخاذه في مثل هذه الظروف، وعقد اجتماع فعلاً في غزة لبحث قضية إعلان الحكومة الفلسطينية والدولة الفلسطينية.

والواقع التاريخي الذي نستطيع أن نراه الآن يقول إن تلك اللحظة لإعلان استقلالية الكيان الفلسطيني ونشوئه لم تكن هي اللحظة التاريخية المناسبة، فقد جاءت متأخرة ردحًا من الزمن، وكانت منقطعة عن ظروفها ومعطياتها، فالعدو كرس احتلاله بالقوة العسكرية والدعم المطلق والتواطؤ العربي المكشوف، ولم يبق من الأرض الفلسطينية كي تشهد ولادة الكيان الفلسطيني غير القليل والمهيمن عليه من الأنظمة العربية الطامعة به.

في مثل تلك اللحظة بالذات قررت القيادات الفلسطينية إعلان “حكومة عموم فلسطين”.. وجاء الحاج أمين الحسيني، زعيم فلسطين، إلى غزة وقرر الإقامة فيها، لكن لم تمض غير ساعات قليلة إلا والحاكم العسكري المصري لقطاع غزة يتصل بالحاج أمين ليبلغه بالحرف: “لقد تسلمت أوامر تقول بأن عليك مغادرة غزة إلى القاهرة خلال أربع وعشرين ساعة”. وبالفعل قام الحاكم العسكري بمحاصرة المنطقة التي كان يتواجد فيها الحاج أمين، وأجبره على ركوب القطار إلى القاهرة.

ثم أُعلنت حكومة عموم فلسطين وضمت العديد من الشخصيات الفلسطينية، والتي كان بعضها يتسلم مناصب وزارية في حكومات عربية؛ مما جعلها ترفض تسميتها في “حكومة عموم فلسطين”. وبقيت الحكومة هيكلاً مفرغًا برئاسة أحمد حلمي باشا، واتخذت من القاهرة مقرًا لها، واقتصر دورها على لعب دور إداري طفيف، مما جعل الاسم الشائع لها هو”حكومة هموم فلسطين”، وليس عمومها.

بين المصادرة والرضوخ

كيف نفهم نحن الآن مثل هذا الحدث التاريخي؟ وكيف نقيم ما جرى؟ إن أول ما يجب قوله في هذا السياق هو المهمة التي اضطلعت بها الأنظمة العربية حينذاك، وتقوم هذه المهمة تحديدًا على الرفض المطلق لكل ما يتصل بإمكانية تنظيم شعبنا الفلسطيني؛ حيث إنَّ الرهان يقوم على إمكانية إبادة الكيان الفلسطيني وليس على إحيائه، ولذا فإن المهمة الرئيسية للأنظمة كانت تقوم على بذل كل الجهد لمنع هذا الإحياء.

لكن في المقابل، فإن القيادة الفلسطينية حينذاك قد ارتكبت خطأً فادحًا ومميتًا تمثل برضوخها للقرار العربي. هنا كانت الخطيئة الأولى، فلو أن هذه القيادة قد أصرت على ما أرادت وعلى خياراتها وعلى إحياء الكيان الفلسطيني.. ولو أن هذه القيادة قد تمسكت بوحدتها، واستمرت بحمل راية الحكومة والكيان، لكان الوضع مختلفًا بصورة تامة.. لكنها قيادة كانت من الهشاشة إلى درجة أن إنذارًا من حاكم عربي جعلها تتراجع مائة وثمانين درجة عما أرادت.

كانت الخطيئة أن يقول حاكم عربي لقائد فلسطيني: “إرحل عن وطنك”، فيرحل ويلبي. ونحن ندرك الآن أنه كان هناك ظروف موضوعية، أو ظروف خارجة عن إرادة هذه القيادة جعلتها تبدو عاجزة عن مقاومة القرار العربي، لكن مثل هذا المبدأ – أي مبدأ عدم الانصياع للقرار العربي كيفما اتفق- ومبدأ الاستقلال الفلسطيني، أمر لا يمكن أبدا التفريط به.

وهنا علينا أن نعود إلى مجريات الواقع الفلسطيني كما كان قائمًا في تلك اللحظة التاريخية، حيث إنَّ ضبابًا كثيفًا متعمدًا ما زال يظلل تلك الفترة.

بدايات التجمع اليهودي وقصورها

إذا عدنا إلى سلسلة الوقائع التي كانت قائمة، نرى أن الوجود اليهودي في فلسطين حتى بدء الاحتلال البريطاني عام 1917 كان وجودًا طفيفًا إلى حد كبير؛ حيث لم يزد عدد السكان اليهود عن 50,000 يهودي، ولم يزد ما يملكونه عن 1% من الأرض الفلسطينية.

وبين عامي 1917-1948، وبعد كل أشكال الدعم التي قدمت إلى الحركة الصهيونية لتهجير اليهود من أنحاء العالم إلى فلسطين، وزرع المستعمرات اليهودية، فإن عدد اليهود لم يزد حتى عام 1948 عن 650,000 نسمة، كما لم تزد نسبة الأرض المسيطر عليها بشتى الوسائل والحيل والإغراءات والمصادرات عن 1500كم2 من المساحة الإجمالية لفلسطين والبالغة 27,000كم2، وحسب وثائق الأمم المتحدة فإن هذه المساحة لم تكن تشكل أكثر من 6,67% من المساحة العامة. بمعنى أن الشعب الفلسطيني حتى إعلان قيام الدولة الإسرائيلية كان يملك 93% من أرضه، وحتى دخول الجيوش العربية إلى فلسطين لم يكن يملك العدو أو يسيطر إلا على عدد ضئيل من المستعمرات والأحياء اليهودية المغلقة (الغيتوات) في تل أبيب أو حيفا وغيرهما.

أي أنه حتى يوم 15 أيار/مايو 1948، حيث قدمت الجيوش العربية لتحرير فلسطين، كان شعبنا يعيش في قراه ومدنه وأرضه يدافع عنها.

الدور البريطاني

وطوال هذه المرحلة كانت القضية المركزية بالنسبة للانتداب البريطاني هي منع الفلسطينيين منعًا مطلقًا من كل شكل من أشكال التنظيم، مهما كانت طبيعة التنظيم، للدرجة التي مُنعت فيها الجمعيات الخيرية أو النوادي الرياضية. وكان الانتداب في المقابل يساعد ويبني ويفتح كل الأبواب أمام تنظيم المجتمع اليهودي في فلسطين.

أمَّا المؤسسات القائمة في البلاد فكان يضع على رأسها بريطانيًّا يهوديًّا، مثل أجهزة التربية والتعليم، والقضاء، والمحاكم، وما إلى ذلك.

وبالطبع، كانت القوة البريطانية في البلاد متفرغة لمنع وقمع مجرد التفكير في أي عمل عسكري ضد قوات الاستعمار، أو ضد أدوات المشروع الصهيوني، وبالفعل فقد كان يحكم بالإعدام على من كان يملك سلاحًا فرديًّا، أو حتى رصاصة فارغة.

بمعنى أن الاستعمار عمل كل جهده وبإمكاناته الضخمة لتجريدنا من حق التنظيم، وحتى من حق التفكير بالمقاومة مهما كان الشكل الذي تتخذه هذه المقاومة. كذلك فإن الاستعمار نفسه هو الذي أقام للتجمع اليهودي في فلسطين مؤسساته وأطره ومدارسه الخاصة ومؤسساته الثقافية والاجتماعية، ثم مؤسساته شبه العسكرية التي هيأ لها كل الإمكانيات إلى الدرجة التي كان يؤسس فيها منذ ذلك الوقت الصناعة الحربية الإسرائيلية، وذلك بتمكينه من إنتاج الأسلحة الخفيفة والقذائف، ويؤسس فيها الجيش الإسرائيلي من خلال الفيلق اليهودي في الجيش البريطاني الذي تربى فيه معظم القيادات العسكرية الإسرائيلية.

وذلك كله يدل أن المهمة الرئيسية التي أوكلت إلى الانتداب البريطاني وعمل على تنفيذها على مدى ثلاثين عامًا تقريبًا، تتمثل بتأسيس قيام الدولة الإسرائيلية، ومنع قيام الدولة العربية في فلسطين.

كانت هذه هي مهمته وقد نجح فيها أساسًا بسبب التواطؤ العربي الرسمي.. وهذا لم يكن خافيًّا على أحد بعد أن ثبتت بريطانيا هذه المهمة في صك الانتداب في البند الذي ينص على: “تهيئة كافة الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية لقيام الوطن القومي اليهودي”، وهو الصك الذي أعلن كنتيجة للجهد البريطاني المكثف في هذا المجال منذ وعد بلفور، وحتى تبني عصبة الأمم لهذا الهدف البريطاني واعتباره وثيقة رسمية من وثائقها.

ولعل تعيين يهودي ليكون أول مندوب سامي بريطاني على فلسطين يحمل بوضوح الهدف الأساسي للاستعمار.

الفعل الفلسطيني

ورغم كل هذا الجهد البريطاني، إلا أنَّ شعبنا الفلسطيني قد عبر بوضوح عن أهدافه وبكل أشكال النضال، فتحرك أولاً لبناء مؤسساته السياسية، فتشكلت العديد من الأحزاب بتعدد التوجهات الفكرية والسياسية التي كانت قائمة حينذاك، فتبلور التيار الوطني الذي قاد النضال الفلسطيني استنادًا إلى قاعدة جماهيرية واسعة في المدن والأرياف والبوادي، ثم ظهرت مجموعات المثقفين التي قامت بتأسيس أحزابها ومنهاجها الذي كان يصف نفسه بالعقلانية أو بمحاولة التوازن. ثم ظهرت المجموعات الشبابية التي جسدت عنفوانها من خلال رفضها للاحتلال بالانضمام إلى بعض المنظمات التي اتخذت لنفسها شكلاً رياضيًّا مثل “النجادة” و”الفتوة”؛ حيث نشأ وتربى بداخل هذه الأطر العديد من شبابنا الفلسطيني الذين هيئوا طلائع الإعداد للعمل النضالي المسلح.

الريف الفلسطيني والخيار العسكري

وفي لحظة تاريخية معينة، وعند بدء التجسيد العملي للغزو الصهيوني، بدأت طلائع شعبنا الفلسطيني في المدن والقرى بالاستعداد للمواجهة العسكرية. فنشأت التجمعات القتالية والوحدات العسكرية في كل قرية ومدينة، وهنا لابد من القول إن الريف الفلسطيني قد لعب دورًا رئيسيًّا في تكثيف هذا التوجه وحسم الخيار، فتداعت جماهيرنا الريفية المتحمسة لهذا الاختيار لجمع التبرعات بهدف شراء السلاح، فباعت النساء مصاغها والرجال ما يملكون من إنتاج ومن وسائل إنتاج، ثم القيام بتشكيل اللجان التي كانت تتولى البحث عن السلاح لشرائه من أطراف المنطقة العربية، وكان في أغلبه سلاحًا قديمًا من مخلفات الحربين العالميتين الأولى والثانية، وكل ذلك قد ترافق مع تأسيس جيش الجهاد المقدس الذي كان يعبر عن الإرادة الفلسطينية لمواجهة الاحتلال.

الدور العربي ومصادرة القرار الفلسطيني المستقل

وفي هذا الوقت بالذات تداعت الأطراف العربية من جهتها لتأسيس ما دُعي بجيش الإنقاذ الذي لم يكن غير البديل العربي المرتبط بالقرار العربي والوصاية العربية على فلسطين وشعبها.. بديل الإرادة الفلسطينية والخيار الفلسطيني الذي أخذ بالتبلور والاندفاع لحسم الصراع لصالحه.

ولعل السمات الرئيسية التي اتسم بها هذا  البديل العربي المسمى “جيش الإنقاذ” قد تجلت من خلال كثرة الصراعات فيما بين قيادته، وتدني مستويات الضباط وقياداته العسكرية ومقاتليه، ثم اللصوصية والسرقة والاغتصاب التي طبعت كل مسلكه خلال تواجده في فلسطين، باستثناء قلة ضئيلة منه لم يكن هدفها البحث عن المغنم والمكسب الشخصي كما هي الأغلبية. وقد امتلأت مذكرات قائد هذا الجيش – “فوزي  القاوقجي”- وغيره من القادة بالعديد من الحوادث التي تدل على الدرك الذي وصل إليه هذا الجيش. فضلاً عن ذلك فإن القرارات الرسمية الصادرة عن جامعة الدول العربية، والتي لم تزل موجودة كوثائق رسمية، كانت تؤكد دومًا من خلال الأوامر والتوجيهات الصادرة إلى قادة هذا الجيش، على الرفض المطلق لتشكيل أي فصيل فلسطيني، أو المساعدة في تشكيله. ويتضح بالتالي، من خلال رؤية حجم الجريمة التي نفذها هذا الجيش في تلك الفترة، أن الهدف الوحيد لقيام هذا الجيش وإرساله إلى فلسطين كان فقط مصادرة القرار الفلسطيني والإرادة الفلسطينية المستقلة.

وكان قد ساد اتجاهان خلال مناقشة قضية فلسطين في المؤسسات السياسية العربية: الأول وقد قاده الفلسطينيون وبعض القيادات العربية، وكان يدعو إلى أن يقوم الفلسطينيون بالمهمة الرئيسية في جهد النضال والتحرير، على أن يقوم العرب بدعمهم وتدريبهم وتسليحهم ومدهم بالمتطوعين كذلك.

ثم الاتجاه الثاني الذي كان يدعو إلى أن يُركن الفلسطينيون جانبًا، وأن تقوم الجيوش العربية بالمهمة كاملة، وذلك بعد عزل الفلسطينيين وتجريدهم حتى من حقهم في الدفاع عن أرضهم.

ونتيجة لميزان القوى، ولطبيعة الأغلبية الساحقة للقوى السياسية التي تحكم المنطقة في تلك المرحلة، فقد تغلبت وجهة النظر الثانية، وهكذا، وبدون سابق إنذار، دخلت الجيوش العربية فلسطين. وفي هذه اللحظة بالذات، أي لحظة دخول الجيوش العربية فلسطين، لم يكن الإسرائيليون يسيطرون إلا على 1500كم2 من فلسطين.. أما حين تم توقيع الهدنة بين إسرائيل والدول العربية المعنية، فرأينا أن حقائق جديدة قد تم فرضها على الأرض الفلسطينية، وكذلك بعد أن قام الجيشان السعودي والمصري بتسليم 17,000كم2 إلى القوات الإسرائيلية، ثم تكفلت جيوش العراق والأردن وسورية بتسليم ما تبقى والبالغ 2000كم2، ولم يتبق من كل الأرض الفلسطينية غير 6000كم2 هي التي كانت الضفة الغربية، فكانت النكبة.

والذي لا شك فيه أن مثل هذه المؤامرة التي تم تنفيذها بكل هذه الدقة كان هاجسها الرئيسي هو تحطيم معنويات الشعب الفلسطيني، وقد عبر هذا الهاجس عن نفسه بالعديد من الأشكال المعيبة التي مارسها جيش الإنقاذ العربي في فلسطين، والتي تمثلت أساسًا بالعمل الحثيث على حل التنظيمات الفلسطينية التي كانت قائمة من جهة، وبجمع السلاح الفلسطيني غصبًا وقهرًا. وحتى وقتنا  الحاضر فإن بعض أهلنا ما زال يحتفظ بإيصالات تسليم أسلحته إلى قوات جيش الإنقاذ، وهي إيصالات تسليم يمكن أن تنفع البعض الفلسطيني والعربي في اللحظة الراهنة.

إذن، فإن المصادرة العربية للقرار الفلسطيني المستقل أولاً، والخضوع العربي للسيطرة الاستعمارية ثانيًا، هما العاملان الرئيسيان لنكبة فلسطين وتشريد أهلها وقيام الدولة الإسرائيلية.. ولا نعطي إلا مثلاً واحدًا في هذا السياق هو أنه لم تشهد أروقة الجامعة العربية أي  اجتماع عربي بشأن فلسطين في تلك المرحلة إلا وكان الجنرال البريطاني “كلايتون” مشرفًا وموجهًا للاجتماع وقراراته، فتمكن بذلك من انتزاع التغطية العربية لمؤامرته الاستعمارية في فلسطين، وهو الأمر الذي يجب أن نناضل دائمًا وأبدًا لعدم تكراره، وذلك بمنع التغطية العربية عن الخطة الإمبريالية بشأن المستقبل السياسي لفلسطين.. هذه هي المعادلة التي استوعبها وأشبع بها شعب فلسطين، والتي لا بد من أن تكون نبراسًا ثمينًا له على طريق تحرير فلسطين.

!!!!!

نشأة “فتح”: البدايات الأولى والظرف الموضوعي

بعد النكبة استمرت التوجهات العربية نحو الفلسطينيين كما كانت عليه، وقد اتسمت هذه التوجهات بعد النكبة بجملة من الظواهر كان أبرزها استمرار العمل على إقامة عازل كثيف بين الفلسطينيين وبين قضيتهم، وقد تم ذلك بمصادرة قرارهم السياسي؛ حيث كان الناطق باسم الفلسطينيين في السنوات الأولى التي لحقت النكبة هو الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد “عبد الرحمن عزام”. وقد تم العمل دون انقطاع على تجريد الفلسطينيين من سلاحهم ومن إمكانية استخدام السلاح، وكذلك تجريدهم من وسائل التنظيم بحيث يتم خلق وضع فلسطيني عاجز عن ممارسة أي شكل من أشكال قيادة العمل السياسي والتنظيمي.مصادرة القرار الفلسطيني هاجس مستمر

لكن مثل هذا الوضع لم يستمر – بل من المستحيل استمراره- لأنه قام أساسًا على عجز مطلق، وخضوع مطلق، وعلى كارثة.

وهكذا قامت الثورة في مصر وفي سوريا، وسقط الحكم في لبنان، وتم طرد “غلوب باشا” عن قيادة الجيش الأردني. كان التغيير حتميًّا، فالجماهير العربية في كل مكان أخذت تبحث عن كرامتها وعن طاقاتها وعن روحها التي أهُدرت في فلسطين عام 1948م.

اتجاهات الساحة بعد النكبة

وفي الساحة الفلسطينية كان هناك اتجاهات مختلفة:

الاتجاه الأول: الذي كان ينتظر المخلص العربي أو صلاح الدين القادم بجيشه الجرار لتحرير فلسطين.. وقد انتعش مثل هذا الاتجاه بعد التغييرات التي طرأت على السلطة في أقطار عربية عديدة، لكنه صُدم مرة أخرى حين كانت هذه السلطات تردد بأن: “لا خطة لدينا في الوقت الحاضر من أجل فلسطين”.

الاتجاه الثاني: فكان يرى ضرورة إعادة بناء المجتمعات العربية على أسس جديدة وببنية مختلفة؛ فاتجه أصحاب هذا الاتجاه نحو العمل الحزبي القومي، فتوزعت قطاعات مختلفة من شعبنا الفلسطيني على هذه الأحزاب ظنا منها أنها إذا ما سيطر أحد هذه الأحزاب على السلطة في الأقطار المحيطة بفلسطين فسوف يعني أنهم ملكوا زمام مجتمع عربي قوي وسليم يمكنه أن يكون لبنة أساسية في مواجهة الخطر الصهيوني وتحرير فلسطين.

وقد خاض شبابنا جميع المعارك التي خاضتها هذه الأحزاب؛ بحيث كان الفلسطيني في حزب معين يصارع شقيقه الفلسطيني في حزب آخر، لكن الوقائع أعطت نتائج تختلف عن الآمال التي بُني عليها هذا الاتجاه؛ إذ ثبت أن الأحزاب التي وصلت إلى السلطة في بعض الأقطار العربية، كانت أبعد الناس عن طريق التحرير، وكل ما قامت به أنها ضاعفت الخلافات والانشقاقات بدل الوحدة والتضامن.

الاتجاه الثالث: وكان الشاغل الرئيسي لمثل هذا الاتجاه هو انتظار صراع دولي أو حرب عالمية ثالثة تنشأ في غمرتها إمكانية تحرير فلسطين.

هذه هي الاتجاهات التي كانت سائدة بعد نكبة فلسطين والتي ملأت الساحة الفلسطينية خصامًا واقتتالاً وصراعًا دون أن يكون ممكنا الوصول إلى نتيجة ما.

وفي مثل هذا الظرف جرى الزج بطلائع فلسطينية في معارك لا طائل منها لعبت دور رأس الحربة في معارك الصراع الداخلي والمحلي.

تساؤلات قبل النشأة

كان السؤال الرئيسي الذي يعجن الشارع الفلسطيني هو: كيف نبدأ؟ وكان يعززه دائما تلك المتابعة النهمة التي كانت تختزن الشارع الفلسطيني للتجارب الثورية في العالم، كالثورة الجزائرية وما حملته من صورة مشرقة صنعت أخدودًا في الوعي الفلسطيني العام، وكان هناك التجربة الثورية الصينية، والتجربة الثورية الكوبية.

وكان شعبنا في مواقع الشتات العربية وفي العالم تطحنه الهموم والعذابات التي لا تنتهي؛ إذ كان الحجر في المعسكرات المغلقة والتحفظ على الفلسطينيين فيها ليس إلا شكلاً من أشكال تلك العذابات المريرة.. وقد اتسع التجني والظلم العربي الذي انتشر من القمة إلى القاعدة؛ حيث توجه الشتائم والإدعاءات والأكاذيب إلى كل فلسطيني في كل موقع عربي، وبدأ الفلسطيني في هذه المواقع يواجه اتهامًا باطلاً وظالمًا إلى حد لا يطاق، بأنه هو الذي باع أرضه، وأنه هو الذي تسبب في النكبة التي حلت به، مع أنه معروف تمامًا وبالوثائق من الذي باع أرض فلسطين، ومن الذي سلمها. وفضلاً عن ذلك فقد مورست على الشعب الفلسطيني في جميع الأقطار العربية ممارسات قمعية لا حدود لها بهدف منعه ومنع طلائعه من التلاقي والتجمع، والحرمان من حق العمل السياسي بكل أشكاله. ولعل الفدائح والمظالم التي مورست في مخيمات شعبنا لم تشهدها الغيتوات العنصرية في أفريقيا، فضابط صغير في قوى الأمن في الجيش في دولة ما كان يتحكم بالآلاف من أبناء شعبنا، ويلهب ظهورهم بالسياط بحجة أن فردًا من هذا المخيم كان يقوم بعمل يسمونه تخريبًا، أو يُتهم بمحاولة للتآمر على سلطان هذا الحاكم أو ذاك.

وفي بعض المناطق كان الضابط يدوس على رقبة المناضل لمجرد أن كان يقرأن كتابا عن فلسطين.. وكان يجمع الشباب الفلسطيني في مربعات؛ حيث توجه لهم حملات الشتائم والوعيد، ثم ينتقون مجموعة من الشباب والفتيات وينقلونهم إلى مراكز المخابرات ليلهبوا ظهورهم، فيموت بعضهم تحت التعذيب، ويطلقون من تبقى منهم ليخبروا إخوانهم كي يكونوا مثلا، وحتى يثيروا الرعب في المخيم كله.

في مثل هذا الجو المرعب كانت تُطرح التساؤلات: إلى متى؟ وما العمل؟ وكيف نبدأ؟ وكانت الطلائع تتشكل رويدًا رويدًا، وتتجمع لتضع الخطوط الأولى لتشكيل الخلايا الجديدة التي ستأخذ على عاتقها البدء بالعمل الحقيقي من أجل تحرير فلسطين.

عودة الوعي إلى الذات

في العام 1954 كان العدوان الصهيوني على قطاع غزة، وجاء هذا العدوان ليحمل الدرس والعبرة لشعبنا في كل مكان. وكانت القوات الإسرائيلية قد تقدمت إلى القطاع بعد انسحاب الجيش المصري منه؛ بحيث وجد شعبنا هناك نفسه وحيدًا أعزل ودون تنظيم ذاتي؛ مما فسح المجال واسعًا أمام العدو لينكل بشعبنا أيما تنكيل، فعمت المجازر كل القطاع وكل الشرائح الاجتماعية .

شكلت مثل هذه الواقعة فصلاً تاريخيًّا أعاد الوعي إلى الذات الفلسطينية التي أدركت بما يشبه الصدمة أنه لا غنى لها عن تنظيم نفسها وترتيب بيتها الفلسطيني من الداخل، وأنه بدون الاعتماد على الذات لا يمكن الوصول إلى أي هدف، وسيبقى الشتات شتاتًا فلا يبقى من الوطن غير الذاكرة والحنين، التي لابد أن تغيب وتمحى ذات يوم فيضيع الوطن وتضيع الذاكرة.

هب شعبنا في تلك اللحظة التاريخية يدافع عن نفسه في وجه عدو شرس. وعند انسحاب العدو الصهيوني من القطاع، فوجئ شعبنا هناك بالأمم المتحدة تتخذ قرارًا يضع قطاع غزة تحت الوصاية الدولية، فانتفض رافضًا القرار، وذلك على الرغم من الاتفاق المصري مع الأمم المتحدة بهذا الشأن، واندفعت الجماهير تحرق العلم الدولي وترفع بدلاً منه علم مصر، وتطالب بعودة الإدارة المصرية إلى القطاع. وتنتصر هذه الإرادة الفلسطينية فتعود الإدارة المصرية.. وقد شكل هذا بذاته درسًا ثمينًا لشعبنًا في كل مكان.

خلايا الخلاص والنضال المطلبي

كان هناك طلائع من أبناء شعبنا في كل مكان يبحثون عن الخلاص الذاتي، وقد حاولنا أولاً عبر الطرق الحزبية، لكنا كنا نصطدم بالعقليات الحزبية المتحجرة، وبالدوغما الفكرية التي كانت منتشرة في ذلك الوقت، والتي تتسم بضيق أفق ومحدودية التفكير. وكان الشاغل الرئيسي لتلك القيادات الحزبية هو إبعادنا عن العمل المباشر، فتغرقنا في بحر الصراعات الجانبية، لكن المعطيات التي كانت موقع تجربتنا الأولى، بدأت مجموعة طليعية بين عام 1953 و1954 بالتجمع وتكوين حلقات النقاش، ومن ثم الانتظام ضمن أطر وخلايا حددت معركتها الأولى مع الإدارة التي كانت تقبض على القطاع فتعيث فيه فسادا وقهرا وسرقة.. فكنا نقوم بمواجهة هذا الطغيان أولاً بجمع الحقائق ونشرها في الصحف العربية، أو إيصالها إلى الإدارة في القاهرة كي نكشف لها فساد الجهاز الذي عينته في القطاع. وللحقيقة أقول الآن بأنه حين كانت تصل هذه المعلومات إلى الرئيس جمال عبد الناصر، فإنه كان يصدر أوامره على الفور لمعالجة الأمر، وقد حدث فعلاً أن أصدر الرئيس عبد الناصر أمرًا يقضي بنقل جميع الضباط بمن فيهم الحاكم العسكري العام، ذلك أن الفضائح كانت قد زكمت الأنوف.

كان هذا هو إطار الصراع الأول من أجل انتزاع تعبير أولي لحرية أبناء فلسطين على أرضهم.

الكفاح المسلح: تشكل النويات والبداية

في تلك اللحظة التاريخية، وإلى جانب النضال ضد سوء الإدارة، وفي السياق نفسه الذي خلقه الوعي بالذات الفلسطينية، بدأ في التكون والتبلور خط المقاومة المسلحة للعدو الصهيوني، وقد بدأناها بتدريب مجموعات من شباب فلسطين على السلاح، فتمكنا فعلاً من تدريب مجموعات كبيرة، رغم أن المواجهة العملية المسلحة في الأرض المحتلة والمستعمرات الإسرائيلية هي التي كانت ساحة التدريب الرئيسية، وهي المواجهة التي فولذت إرادة مقاتلينا وحسنت تدريبهم، وقد نفذنا العديد من العمليات خلف خطوط الهدنة في ذلك الوقت.

وفي النقب كنا نرسل المجموعات لزرع الألغام المضادة للدبابات، أو تقوم بنسف أنابيب المياه في المستعمرات. وقد اتسع هذا العمل المسلح شيئًا فشيئًا إلى الدرجة التي أصبحت فيها مجموعاتنا تصل إلى منطقة “يازور” قرب مدينة يافا.

الفعل ورد الفعل

حين كانت تقوم إحدى مجموعاتنا بتنفيذ عملية لها كتفجير أنبوب ماء، أو تفجير لغم في تراكتور زراعي في الأراضي المحتلة، كانت قوات العدو تقوم بالرد بضرب القوات المصرية المتواجدة في القطاع، فيلتهب الموقف. فكنا نقوم مثلاً بتنفيذ عملية في مستعمرات دير البلح، فتقوم المدفعية الإسرائيلية بقصف مدينة غزة، وتحديدا ساحة التكسيات فيها؛ مما يخلق أوضاعًا متفجرة في القطاع بعد إصابة العديد وسقوط العديد من الشهداء المدنيين.

الفعل وردة الفعل الإسرائيلية هذه كانت تخلق تباعًا حالة جماهيرية متفجرة، فتوسع من الوعي بالذات الفلسطينية وتعمقه. هذا كله كان يدفع الإدارة المصرية لتوفير مطلب الحماية للقطاع وسكانه، فقامت بتشكيل الحرس الوطني لا ليقوم بقمع الحركة الجماهيرية وقواها الطليعية، بل لحمايتها، خاصة وأن الوعي الذي خلقته عملياتنا بضرورة الكفاح المسلح ضد العدو كشكل رئيسي من أشكال النضال، كان يتكفل بتوفير الحماية لطليعته المقاتلة.

وامتد هذا التواصل في العمل، وقمنا بتكثيف عملياتنا التي انطلق بعضها من منطقة هربيا، وأذكر أن الشهيد البطل عبد الله صيام كان يقود إحدى مجتمعاتنا من تلك المنطقة، فقد كان طالبًا في الجامعة بالقاهرة، وحين يأتي في الإجازات كان يتولى قيادة المجموعات القتالية.

التوسع وعملية خزان “زوهر”

من أبرز عملياتنا في تلك المرحلة كانت العملية المهمة التي نفذتها مجموعاتنا لتفجير خزان زوهر، وهو جزء من مشروع المياه القطري، وقد توفرت لدينا المعلومات عن هذا المشروع من مصدر وحيد يتمثل بعمليات الاستطلاع التي كانت تقوم بها مجموعاتنا في الأراضي المحتلة. وقد قامت مجموعة لنا بزرع عدد من “التنكات” المليئة بمادة الـ T.N.T، بتاريخ25 شباط/فبراير1955. وقد نجحت عمليتنا هذه بشكل باهر؛ إذ أنه حين انفجر الخزان انطلقت منه المياه بشكل هائل، وأذكر أنني كنت في طريقي إلى “بيت حانون”، وحين أشرفت على الوادي وجدته ممتلئا بمياه الخزان التي خرجت فيما بعد لتغطي مساحات هائلة من الأرض المزروعة بالذرة، واستمرت المياه بالتدفق إلى أن وصلت إلى “بيت لاهيا” لتصب في البحر الأبيض المتوسط.

كانت ردة الفعل السياسية على هذه العملية أن قام “دافيد بن جوريون” وزير الدفاع في حكومة “موشيه شاريت” بعملية ردة فعل مباشر، فأرسل قواته إلى “بئر الصفا” لتهاجم الحامية المصرية هناك وكانت تشكل فصيلاً، فقامت القوات الإسرائيلية بنسف الخزان الذي يزود غزة بالمياه، وجُرح ما يقرب من اثنى عشر شخصًا من المدنيين وجنود الحامية المصرية.

وفي ذلك الوقت كان هناك تشكيل عسكري فلسطيني يشكل كتيبة تابعة للجيش المصري، وكان مكان تواجدها في رفح، فما كان من قائد هذه الكتيبة إلا أن أرسلها إلى “بئر الصفا” لتدافع عن المنطقة.. وفي الطريق، وبالضبط عند “وادي غزة”، وقعت السيارة التي تحمل الكتيبة في كمين إسرائيلي حيث فُتحت عليهم النيران، فقتل منهم ثمانية وعشرون عسكريًّا.

وكانت عملية الغدر هذه قد تمت في الليل، وحين علمنا بما حدث في صباح اليوم التالي، قمنا بإغراق المناديل بالدماء وانطلقنا بمظاهرة عارمة من مدرسة فلسطين الثانوية باتجاه البلد، وفي الطريق كانت الجماهير تتوافد لتنضم إلى المظاهرة، كي تشهد غزة مظاهرة لم تشهدها في تاريخها، وكانت الشعارات الرئيسية التي أطلقناها في تلك المظاهرة: “جندونا تنقذونا”، “دربونا تسعفونا”، “سلحونا تنجدونا”، وذلك إلى جانب شعارات رفض التوطين و”فلسطين عربية”.

وبات واضحًا أن انفجارًا جماهيريًّا أخذ يشمل غزة؛ بحيث يكون من الصعب فيما بعد ضبط الوضع هناك. حينذاك تحركت الإدارة المصرية فقامت باعتقال عدد من المواطنين.

أبو عمار يتحرك من القاهرة

في هذا الوقت كنا قد أجرينا اتصالاتنا مع أخواننا في رابطة الطلبة الفلسطينيين بالقاهرة الذين كانوا قد تابعوا ما جرى في غزة، وحادثة قصف أحد المستشفيات، فقام الطلبة وفي طليعتهم الأخ أبو عمار والأخ فتحي بلعاوي بالاعتصام في جامعة الدول العربية. وبعدها قام الرئيس جمال عبد الناصر بانتداب الأخوين (أبو عمار وبلعاوي) على رأس لجنة إلى غزة لإعداد تقرير عن الوضع هناك.

وفي ضوء تقرير أبو عمار قام الرئيس جمال عبد الناصر بتعزيز القوات المصرية في القطاع وإرسال قوات الحرس الوطني.

لحظة بناء التنظيم

كان تفجير العمل المسلح ضد العدو الصهيوني هو الشاغل الرئيسي لنا في مثل هذه التجربة الأولى. كان يشغلنا أن نزرع في الوعي الفلسطيني العام فكرة العمل العسكري واستخدام السلاح ضد العدو بعد أن ازدحم هذا الوعي بركام هائل من التنظير والعمل العسكري المعزول والدوغما النظرية.

لكن بعد حدوث التفجير، وبعد أن تحول كفاحنا المسلح إلى حقيقة عملية تكاد تستقطب الشارع الفلسطيني برمته، شعرنا أن مثل هذه الحالة تتطلب بناء التنظيم القادر على استيعابها، وعلى إعادة صياغتها، وإنتاجها في قنوات وأطر تبلورها إلى عمل مستمر؛ بحيث يكون هذا التنظيم هو الناطق باسم هذه الحالة الجماهيرية، أو المعبر عنها، أو ممثلها في الصراع الناشب.

وقد شكلت لنا هذه التجربة درسًا ثمينًا من أجل بدء التفكير بتشكيل حركة “فتح”. في هذه الفترة بالذات، أي منتصف الخمسينيات، كان التفكير بتأسيس وبناء حركة “فتح” قد أخذ ينتقل تدريجيًّا إلى الفعل كي يصبح واقعًا ملموسًا، والمدهش في الأمر أن مثل هذا التفكير أو مثل هذا التوجه كان قد أخذ يتحول وفي نفس الوقت إلى واقع في العديد من مواقع التجمع الفلسطيني، فظهرت العديد من البؤر التي تلتقي بنفس التفكير والتوجه والرؤيا المشتركة للواقع الفلسطيني والعربي، في كل من السعودية، الأردن، مصر، الكويت وقطر. وكان ذلك يشكل في الواقع النويات الأولى لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (“فتح”).

الأخ الشهيد كمال عدوان كان يشترك معي في هذا التوجه بعد أن عملنا معًا خلال فترة مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لغزة.

وكان هناك مجموعة من الأخوة في القاهرة قد بدأوا بالتفكير في بناء التنظيم، كذلك كان هناك مجموعة الخليج، ومجموعة أوروبا.

كان هذا التفكير رغم التوزيع الجغرافي ينطلق من حقيقة تقول بضرورة الاعتماد على الذات استنادا لسياسة “ما حك جلدك غير ظفرك”.

الإرهاصات والمناخ العام

لكن استتباعا لسياسة التدخل والوصاية العربية على الساحة الفلسطينية، شعرت الأجهزة العربية المعنية بمثل هذه الإرهاصات التي بدأت تعج بها ساحتنا، فأخذت تحاول الدخول إلى هذه الإرهاصات منذ نشأتها الأولى لمحاولة السيطرة عليها، وذلك من خلال بذر تنظيمات مسلوقة، وأذكر على سبيل المثال أن مسؤولاً عربيًّا قد التقى في هذه الفترة بثماني شخصيات فلسطينية، وكلف كل واحد منها بتشكيل تنظيم.

وبالرغم من هذه المحاولات، إلا أن بدايات حركة “فتح” سارت في طريقها وذلك لأنها جاءت تعبيرًا حقيقيًّا عن احتياجات الواقع. ولكن في مقابل ذلك كان هناك أشكال من التفكير المختلف، إن كانت تعبر عن شيء فهي تعبر عن الحاجة الماسة التي أخذت تسيطر على الساحة الفلسطينية إلى ضرورة التعبير المستقل.

فقد نشأ تيار بين عدد من الشباب في القاهرة يدعو إلى جمع عدد من القيادات الفلسطينية، ودفعها لتشكيل إطار محدد يقود شعبنا الفلسطيني، وقد ظهرت محاولات في هذا السياق، لكن عجز هذه القيادات والصراعات التي نشأت بين هذه المجموعة جعلها تقف أمام طريق مسدود. وكان هناك تيار آخر تمثله مجموعة أخرى ترى أن هناك ضرورة لإعلان حكومة فلسطينية في المنفى تقوم على أنقاض “حكومة عموم فلسطين” لتمثل شعبنا الفلسطيني وتقود النضال لاستعادة الحقوق الفلسطينية، لكنها محاولة أخرى اصطدمت بالرفض العربي الرسمي، وبالعراقيل التي وضعتها الأجهزة والقيادات العربية.

أما التيار الثالث فكان يؤمن أن مثل هذا الواقع العربي القائم لا يمكن أن يسمح بمجرد قيام تنظيم فلسطيني، ولذا فليس أمام الفلسطيني من خيار غير النزول تحت الأرض واعتماد السرية المطلقة في التنظيم إلى أن يستطيع فرض وجوده على هذا الواقع ويعترف به.

وكان هذا التيار الأخير هو التعبير الحقيقي عن طموحات وتجربة الأغلبية الساحقة لتجمعات شعبنا، وهي التجمعات التي ذاقت المرارات من الواقع العربي، فكنت ترى وجود نويات هذا التيار في كل موقع من مواقع الشتات الفلسطيني، فنشأت أطر عديدة في معظم هذه المواقع تعبر عن هذا الفهم، وهكذا كان الظرف الموضوعي ناضجًا لإعلان التنظيم، وولادة حركة “فتح”.

!!!!!

اللقاء مع أبو عمار: ولادة اللحظة التاريخية

 

قبل عام 1957 كان هناك لقاءات عديدة بيني وبين الأخ أبو عمار، يجمعنا الهم المشترك، والبحث عن الخلاص، وعن ماهية العمل، وضرورة إيجاد الشكل التنظيمي الأنسب والمعبر عن مجموع حالتنا الفلسطينية ورسم خطوط التحرك المشترك. دعونا عددا من الأخوة الذين يشاركوننا الهم والفهم المحدد لبناء التنظيم، وكان مجموعنا خمسة أشخاص هم الإخوة: أبو عمار، أبو جهاد، عادل عبد الكريم، يوسف عميرة، توفيق شديد، وكان الاجتماع التأسيسي.

لحظة البدء للاجتماع التأسيسي وولادة “فتح”

عقدنا اجتماعنا التأسيسي في بيت أحد الأخوة في الكويت، ووضعنا في هذا الاجتماع الخطوط العريضة الأولى لعملنا التنظيمي. أمَّا في الاجتماع الثاني فقد تخلف أحد الخمسة عن الحضور ممتنعا عن مواصلة الطريق، فبقينا أربعة أخوة بدأنا بوضع اللبنات الأولى لحركة “فتح”، وهنا أريد أن أوضح أن هدفنا كان بناء تنظيم من أجل فلسطين. على مثل هذا الأساس العريض اتفقنا، فلا يكون تنظيم فئة أو شريحة أو طبقة، كما لا يكون من أجل أهداف غير تحرير فلسطين، ولذلك فلم نبدأ باسم ما، ولكن كان اتفاقنا أن الأهم هو البدء بالعمل دون الالتفات إلى الاسم، فالساحة الفلسطينية تعج بالأسماء، وبقينا نعمل طيلة ثمانية عشر شهرًا دون أن يحمل عملنا أي اسم، لأنه لم يكن في اعتبارنا غير الهدف، وهو العمل من أجل فلسطين.

وفيما بعد، وبتمهل شديد، أخذنا نناقش مسألة الاسم، وطرحت أسماء عديدة، إلى أن رسونا على قاعدة مشتركة تقول إن إطارنا الذي اخترنا العمل من خلاله هو حركة وليس حزبًا أو تنظيمًا أو رابطةً، بل حركة بكل ما تحمل من مفاهيم وديناميكية وآفاق مفتوحة، وهي حركة لتحرير فلسطين، أي حركة التحرير الوطني الفلسطيني، ورمزنا لها بكلمة “فتح” التي تحمل العديد من الدلالات والمعاني في الوجدان الشعبي الفلسطيني والعربي، والكلمة تعد اختيارًا معكوسًا للحروف.

وهكذا ولدت “فتح” بعد مسيرة طويلة من العمل؛ مما يوضح أن حركة “فتح” لم يكن يهمها يوم ولدت اسمًا أو تعريفًا بقدر ما كان يهمها العمل، وهي بذلك وضعت نفسها وبشكل تلقائي في إطار قومي يوصل إلى الهدف، وهذه كانت حقيقة أولى رافقت مسيرتنا.

الخطوة التالية: تجمع البؤر الثورية

حين انطلقنا لم تكن الأرض ممهدة أمام عملنا التنظيمي؛ إذ إن كل الظروف في كل المواقع كانت صعبة، لكننا بمزيد من التصميم على خلق الحالة الثورية الفلسطينية كنا نواصل المسيرة، ونقوم بإجراء الاتصالات بالمواقع المختلفة لتجمعات شعبنا، ونتحرك للقاء مع تلك المجموعات التي تلتقي معنا، والتي سبق لنا التعرف عليها، فنتحرك في كل اتجاه سواء في المناطق المحيطة بأرضنا المحتلة في المخيمات والمدن والقرى، أو في تجمعات الغربة.

وكان الوضع العام في الكويت يسمح لنا بالتحرك ويسمح باتساع حركتنا. وتكاثرت اللقاءات مع أخوتنا في قطر، والسعودية، وسوريا، والأردن، فكان أن تكاثرت حركتنا واتسعت وتقدمت بعد أن تبلورت بنيتها ومنهجها من خلال العمل في الواقع الصعب المرير؛ لإحداث التغيير فيه، بل وتفجيره لحمل الراية الحقيقية إلى الوعد الفلسطيني.

“نداء الحياة فلسطيننا” .. الراية الأولى

في فترة محدودة قطعت حركة “فتح” خطوات هامة إلى الأمام، وقد حدث هذا التقدم عبر رايتين رئيسيتين ارتفعتا خلال عملها التنظيمي، فكأنها بذلك قد اختارت المفاتيح المناسبة تمامًا والمتلائمة مع مجمل الظرف الفلسطيني والعربي، من أجل فتح الأبواب المغلقة أمام الحركة وأمام الشعب.

كانت الراية الأولى هي المجلة التي صدرت في بيروت وذلك في شهر تشرين الأول/أكتوبر سنة 1959 والتي حملت اسم: “نداء الحياة فلسطيننا”. وقد لعبت هذه المجلة دور الشمعة في ظلام النكبة، وكانت تتجه إليها عيون الحيارى فتسير عليها، وذلك حينما ارتفع صوت المجلة ينادي من أجل كيان ثوري فلسطيني يواجه ما كان ينادي به في ذلك الوقت من كيان سياسي برعاية الأنظمة العربية.

كانت المجلة تنادي بالثورة المسلحة لاجتثاث الكيان الإسرائيلي، وشكل هذا شعارًا أساسيًّا لها تتشكل من خلاله رؤيتها السياسية والتنظيمية. أمَّا الشعار الأساسي الآخر الذي اعتبرته هدفًا مركزيًّا فهو الدعوة الدائمة والمفتوحة إلى بناء وخلق وصناعة الوحدة الوطنية الفلسطينية، وحدة الشعب كله بعيدًا عن جميع التيارات الحزبية، وبعيدًا عن جميع الصراعات الجانبية. وكانت الدعوة: فلتجتمع قوانا في جبهة وطنية متراصة، أو حركة نضالية واحدة تتجه أساسًا نحو فلسطين لتحريرها.

وأقول الآن إن مثل هذه الدعوة قد تمكنت من جمع وتوحيد كافة الطلائع التي سبق لها أن انضوت في الأحزاب والتجارب الحزبية الفاشلة فأحبطت، فجاءت الدعوة لتشكل إنقاذا لها من حالة الإحباط هذه، وتبث فيها روحا معنوية جديدة وفذة قادرة على صناعة الطريق إلى فلسطين.

أمَّا الشعار الأساسي الثالث الذي رفعته “فلسطيننا” وأخلصت له بشكل مطلق أيضًا، فهو التعبير عن الإدراك الفلسطيني الشعبي العميق برفض الوصاية العربية، فكانت الدعوة إلى إدراك طبيعة هذه الوصاية المحبطة، والتي يتلخص هدفها بمصادرة الإرادة والقرار الفلسطيني المستقل، ومنع الكيان الفلسطيني من النشوء إلى جانب شقيقاته العربيات.

هذه هي الشعارات والأسس التي استندت إليها “فلسطيننا” في مسيرتها الخلاقة؛ بحيث لم يمض وقت على صدورها وإذا بها تصبح محجًا لمختلف المواقع والتجمعات الفلسطينية.

كان نداء المجلة الدائم، والذي كان بمثابة الدعوة إلى الانقلاب البشري الهائل، وإلى إعادة صناعة البشر، وصياغة العقل والجسد الفلسطينيين، هو أن يفتح كل فلسطيني عينيه ويرى الحقيقة والواقع بكل مراراته، وأن ينتشل نفسه من حالة العدم التي يعيشها، والانخراط في الفعل الثوري والالتحام المطلق بحركة التحرير الوطني الفلسطيني.

وكان فرحنا عظيمًا حين كنا نرى هذا الصدى الهائل العظيم لندائنا، هذا الصدى الهائل العظيم لرؤيتنا الفاعلة، فتصلنا الرسائل المتوالية تسأل وتستفسر كي تعرف لتشارك. فكان يصلنا رسائل تقول: “نحن نشكل مجموعة ثورية ارتبطنا بعمل تنظيمي شكل إطارنا التنظيمي، ولنا نظامنا الداخلي ودستورنا، وحددنا أهدافنا، ونرى أن صوتكم هو صوتنا، والذي تقولونه هو ما تمتلئ به صدورنا. أين أنتم وكيف نلتقي بكم، للبدء بحوار بيننا وبينكم؟”، وكنا نسارع إلى البدء بهذا الحوار، فما أسرع ما ينضوي هؤلاء الأخوة تحت راية “فتح”.

وبسبب ذلك تمامًا قلنا إنَّ حركة “فتح” شكلت نهرًا تصب فيه وتلتقي كل جداول العمل التنظيمي الثوري الحقيقي التي تعددت، فأصبح النهر زاخرًا بالحياة والمياه، وأصبح نهر حركة “فتح” بكفاحها ونضالها العظيم الخلاق.

الراية الثانية .. مكتبنا الأول في الجزائر

راية أخرى لازمت عودة الكيان السياسي الفلسطيني إلى الحياة بتأسيس حركة “فتح”؛ إذ حدث أن قام الأخ أبو عمار، وبعد اتصالات مسبقة أجريناها مع الثورة الجزائية قبل انتصارها، بزيارة إلى الجزائر للمشاركة في الاحتفال بعيد الاستقلال الجزائري، وهناك تم الاتفاق على أن يتم فتح مكتب لفلسطين في الجزائر تتولى مسؤوليته حركة “فتح”. وحين رجع الأخ أبو عمار إلى الكويت تقرر أن أستقيل من عملي في التدريس بالكويت كي أسافر إلى الجزائر لتسلم مسؤولية المكتب. وهكذا تم فتح مكتب الجزائر الذي قدر له أن يلعب دورًا رئيسيًّا في العمل الإعلامي والسياسي الفلسطيني لكي يتحول إلى معلم من معالم حركة “فتح”.

وحين بدأنا في العمل هناك لم يكن في الجزائر غير (14) فلسطينيا؛ لذا فإن المهمة الأولى التي وضعها المكتب على عاتقه هي توسيع التجمع الفلسطيني هناك، فقمنا أولاً بفتح الأبواب أمام مئات من الطلبة للالتحاق بالجامعات الجزائرية، ثم فتح الأبواب أمام مئات من المعلمين الفلسطينيين ليقوموا بالتدريس في الجزائر، فضلاً عن أعمال أخرى عديدة كانت الجزائر بحاجة ماسة لها بعد الاستقلال.

وجميع هؤلاء الأخوة كانوا على ارتباط وثيق بالمكتب الذي كان يقوم بتقديم كافة التسهيلات لهم، كما يقيم اللقاءات والندوات، ثم النشاطات التنظيمية.

ومثل هذه الحركة والنشاط خلق بين الفلسطينيين روحًا جديدة أعادت خلق الشباب الفلسطيني المتواجد هناك، والذين أصبحوا فيما بعد جزءًا رئيسيًّا من النويات والخلايا المقاتلة التي شاركت مشاركة عظيمة فيما بعد.

إذ قام المكتب بعد ذلك بإنشاء معسكر للتدريب، وترتيب الدورات التدريبية العسكرية الخاصة في الكلية العسكرية في “شرشال” ليتخرج منها الضباط.

لذا، ففي لحظة إطلاق الرصاصة الأولى التحقت أعداد كبيرة من هؤلاء الأخوة بالكفاح المسلح، واستشهد منهم أبطال عظماء كالشهيد منهل شديد والشهيد وديع عبد اللطيف. كذلك كان من بينهم الأخوة القادة الشهداء: الشهيد أبو علي إياد، والشهيد أبو صبري، وغيرهما.

أمَّا على صعيد العمل السياسي فكانت هي المرة الأولى التي يبرز فيها الصوت الفلسطيني على الصعيدين العربي والدولي؛ إذ لم يحدث أن زار الجزائر في تلك الفترة قائد سياسي أو رئيس إلا وعمل مكتب الجزائر على الاتصال به بشتى الوسائل؛ مما جعل للمكتب وجودًا حيًّا وفاعلاً في الأوساط العربية والدولية.

من الجزائر الانطلاق إلى العالم

في مثل تلك الظروف الصعبة التي كانت تمر بها قضية فلسطين، وبعد سعي حثيث، ذهبت لزيارة كل من الصين وكوريا الشمالية، وفيتنام، ويوغوسلافيا، وألمانيا الديمقراطية، وذلك بهدف خلق أسس للعلاقات بين فلسطين وهذه الدول.

إلى ذلك فقد كان الشغل الشاغل للمكتب يتمثل بتحضير العديد من الوثائق والمذكرات التي تلقي أضواء على القضية الفلسطينية كي ترسل إلى كافة الاجتماعات والمؤتمرات، وقد كان منها تلك المذكرات التي قام المكتب بإرسالها إلى مؤتمر القمة العربي الأول كي تصبح جزءًا من وثائق المؤتمر.

كل هذا جعل من مكتب الجزائر في هذه الفترة المبكرة من عمل حركة “فتح” معلما من المعالم يضاف إلى الجهد الخلاق الذي نشرته مجلة “فلسطيننا” لتخلق من “فتح” اسما بارزا في ساحة العمل السياسي الإقليمي والدولي.

وأود أن أؤكد هنا أن الدور الذي لعبه مكتب الجزائر كان دورًا تاريخيًّا بالفعل تكفل بخلق نوع من الثقة لدى أبناء شعبنا في كل مكان بمسيرة حركتنا وبخياراتها، وبالطريق الذي انتهجته من أجل تحقيق أهداف شعبنا.

الامتداد البشري والجغرافي

إضافة إلى هذين المعلمين السابقين اللذين ميزَّا حركة “فتح” في فترة نشأتها الأولى كان هناك سمتان بارزتان تكفلتا بتشكيل مدخل إلى قلب وعقل الفلسطيني أينما كان تواجده.

وتمثلت الأولى بهذا الزخم البشري من الطلائع الشبابية الفلسطينية الذي وجد لدى “فتح” أجوبة حقيقية على أسئلته، فكان أن انضوى تحت رايتها باختيار حر ومفتوح دونما عقد ثقافية، ودونما انغلاق على الذات، بل عالمًا مفتوحًا يصنعه الجميع، ويصنعه على أرض الفعل كل كادر وعنصر، فيتم فتح الآفاق أمام الجميع ليساهموا دون حدود في تعبيد الطريق إلى فلسطين.

أما السمة الثانية فتمثلت بهذا الامتداد الجغرافي الضخم الذي نشر نفسه دفعة واحدة من الكويت إلى قطر، والسعودية، والأردن، والضفة الغربية، ومخيمات سوريا، ولبنان، وغزة، ثم إلى أوروبا وأمريكا، فشكل مثل هذا الامتداد التنظيمي رافدًا أساسيًّا من روافد القوة؛ مما أعطى الحركة امتدادًا جعلها قادرة على تحمل كل الهبات العارضة التي حاولت منذ البدء أن تحتويها، وأن تكون وصية عليها وعلى حركة شعبنا. ومثل هذا الرافد كان خلاقًا إلى حد كبير فيما بعد، إلى الدرجة التي رأينا فيها التنظيمات تنشأ في هذه الأقاليم فتنتج الكوادر المبدعة التي تقدمت لتصبح في المواقع العليا من القيادة كما في تنظيم أوروبا الذي أنتج الإخوة هاني الحسن وحمدان وأبو الهول. هذا كله جعل من حركة “فتح” وجودًا راسخًا في وجدان شعبنا يصعب على أحد تجاوزه، بنفس الوقت الذي يصنع فيه فعالية حقيقية منتشرة على بقعة واسعة من العالم.

راية الكفاح المسلح

وفي السياق نفسه حيث اعتبرنا أن كل ما سبق من عملنا التنظيمي والسياسي والدبلوماسي كان يهدف أساسًا إلى تهيئة المناخ وبناء الأساس الصلب لإعلان اتجاهنا الأساسي وطريقنا الرئيسي في النضال، وهو الإعلان عن بدء الكفاح الفلسطيني المسلح وإطلاق الرصاصة الأولى في 1/1/1965 لذلك فكل ما تجمع لدينا من إمكانيات في تلك الفترة، وكل ما جمعناه من تبرعات أو وصلنا من دعم، كان يتجه بكل ثقة وحماس لبدء وتعزيز واستمرار الانطلاقة المسلحة.

من هنا، فإن شاغلنا الأساسي في تلك الفترة قد تركز حول تنظيم وتدريب وتجهيز الوحدات القتالية، وخاصة تلك الوحدات التي تملك خبرة ومعرفة بطبيعة الأرض ومداخلها.

ثم كان شاغلنا الملازم لهذا التنظيم والتدريب هو العمل الحثيث على جمع كل ما يمكن جمعه من الوسائل القتالية من سلاح ومواد وتجهيزات.

الاستمرارية والمسؤولية عن الشعب

في غمرة هذا الاستعداد كان شاغل رئيسي وذو أهمية إستراتيجية يحكم تفكيرنا ومسارنا منذ البدء، وهو مسئولية “فتح” الاجتماعية تجاه شعبنا الفلسطيني؛ إذ منذ اللحظة الأولى كنا ندرك الحساسية المطلقة لمثل هذه المسألة، فتجربة شعبنا كانت حافلة بالمرارات من خلال المصير المر الذي عاشته عائلات شهداء 1948 وكان السؤال المطروح في الشارع الفلسطيني: هل إذا انضويت تحت هذه الراية سيكون مصير عائلتي مشابها لمصير هذه العائلات التي أراها؟

وأخذنا من هذا الواقع عبرة، فكنا كلما نجمع دينارًا نحتفظ بنصفه لتحقيق الرعاية الاجتماعية لعائلات الشهداء والأسرى والمتضررين.

وعلى المدى تحولت هذه الرعاية إلى سمة مشرقة من سمات حركة “فتح”، وعنوان بارز من عناوينها العظيمة؛ حيث أصبحت مؤسسة الشؤون الاجتماعية ورعاية أسر الشهداء والأسرى أحد المعالم البارزة في سياق تعزيز انطلاقة ثوارنا بثقة واطمئنان دون الانشغال على مصير أفراد عائلاتهم.

القواعد الأولى للعمل الثوري

خلال مسيرتنا، ومنذ اللحظة الأولى، كان أحد شواغلنا الرئيسية هو استنباط قوانين وقواعد العمل الثوري في ساحتنا انطلاقًا من الظروف الخاصة بنا والظروف المحيطة وطبيعة الصراع، ذلك إنه رغم دراستنا لمجمل التجارب الثورية القائمة، ورغم معايشتنا ومعرفتنا الملموسة للعديد من هذه التجارب، إلا إن حرصنا كان عاليا منذ البدء على وضع قواعد العمل الخاصة بنا، والتي تمثلت في:

1- القاعدة الأولى التي أرسينا وعينا السياسي والنظري على أساسها هي اعتبار مسألة الوحدة الوطنية إحدى الضرورات المطلقة التي لا يمكن التهاون حيالها، فيكون اتساع الصدر ورحابة الأفق ميزة أولى من ميزات “فتح” بهدف استيعاب كل الطاقات الخيرة من أبناء شعبنا.

2-القاعدة الثانية التي أرسينا ثوابتها هي توظيف كل الطاقات من أجل تفجير الكفاح المسلح من حيث كونه ركيزة ثابتة تسعى إلى تحقيق الحرب الشعبية الطويلة الأمد التي تحتاج إلى صبر ونفس طويل، بحيث تتم صناعة القدرة على تحمل العمل الشاق والمعاناة الطويلة.

3-القاعدة الثالثة أنه خلال مسارنا الطويل لابد من العمل الحثيث على تفتيت جبهة الأعداء سواء عن طريق شن النضالات العسكرية الثورية، أو عن طريق العمل على تفتيت البنية الداخلية للخصم من خلال إحداث الشروخ في هذه البنية وتعميق الصراعات داخلها بوسائل تحددها الثورة وتناضل من أجل ترسيخها.

4- أمَّا القاعدة الرابعة والتي تشكل إحدى الضرورات كذلك، فهي أن نكون دوما على وعي كامل بالظروف العربية التي تحيطنا، والعمل على منع الإرادات العربية من احتلال إرادتنا الثورية، ومنع فرض الوصاية على قرارنا السياسي. ولذلك فإن شاغلاً رئيسيًّا من شواغلنا كان وسيبقى هو التأكيد الدائم على استقلالية الوطن الفلسطيني.. وهو توجه أو ضرورة لا تنبع من قطرية ضيقة أو إقليمية مغلقة، بل تنبع من منطلقاتها ذات الأبعاد القومية استنادًا إلى أن صاحب الجرح هو الأكثر إحساسًا بالألم، والأكثر إحساسًا بحجم المعاناة، ولذا لابد أن يكون هو الأكثر تفاعلاً واندفاعًا لمعالجة جرحه.

وبعد وضع كل هذه الأسس والقواعد والقوانين كانت “فتح” قد نشأت، وكانت قد وضعت قدمها على طريق الارتقاء والتطور لتتولى قيادة شعبها إلى النصر، وكان شعارها الدائم “ثورة حتى النصر”.

!!!!!

 

اكتشاف المعادلة الدولية: تجربة مكتب الجزائر

في الفترة السابقة على الانطلاقة لعب مكتب الجزائر دورًا بارزًا بحيث إن الاتفاق شبه شامل على أنه شكل في فترة التأسيس الأولى إحدى رايتين رئيسيتين استندت إليها حركة “فتح” كي تبدأ مسيرتها الطويلة. وقد سبق أن أشرت إلى أنَّ قرارًا حركيًّا كان قد صدر بعد زيارة للأخ أبو عمار إلى الجزائر للمشاركة في احتفالات الاستقلال، يقضي باستقالتي من العمل في التدريس بالكويت، والانتقال إلى الجزائر لتولي مسؤولية المكتب.

كيف تأسس مكتب فلسطين؟

استنادًا إلى وثيقة تاريخية صدرت في (كانون الأول) ديسمبر 1963 عن “مكتب فلسطين 1 نهج فيكتور هوجو، ص ب 611، هاتف 958117 الجزائر العاصمة”، تحت عنوان: “هذا برنامجنا”، وتحمل شعاري “فتح” الدائمين: “الثورة طريقنا للحرية” و”ثورة حتى النصر”، فإن هذه تحمل نصا موسعا يتضمن أهداف المكتب والمبادئ العامة لحركة “فتح”، ثم ماهية المكتب وسياسته في المجالات العربية والدولية، ثم يشرح الصيغة التنظيمية للمكتب. ويقول النص:

“في الثالث والعشرين من شهر أيلول/سبتمبر سنة 1963 صدر قرار من رئاسة الجمهورية الجزائرية بممارسة مكتب فلسطين بالعاصمة الجزائرية لنشاطه العام في خدمة القضية الفلسطينية”. ثم حدد النص أهداف المكتب كما يلي:

1- تجنيد طاقاتنا البشرية والمادية والمعنوية وتهيئتها وربطها في كادر منظم موحد.

2- تعبئة القوى والإمكانات والجهود تعبئة ثورية شاملة، وحشدها ضمن الجهد الفلسطيني الثوري الشامل الموحد والممثل لإرادة أغلبية شعبنا.

3-العمل على أن نكون إحدى القواعد الثورية الحرة التي تسهم في تحقيق إرادة شعبنا في تنظيم قواه وتعبئة جهوده وإمكانياته.

4-العمل على تعبئة القوى والجهود والإمكانيات العربية والصديقة لتسند كفاحنا في معركة المصير.

ثم شرح النص “ماهية المكتب”، فقال:

“إن هذا المكتب لا يمثل حزبًا أو فئة أو هيئة، إنما يمثل جزءًا من الإرادة الثورية  الحرة الشابة المتطلعة للعمل الفلسطيني الشامل الذي يمثل إرادة شعبنا في الثورة لتحرير الوطن المغتصب.. وهذا المكتب غير خاضع لحزب أو جماعة  أو هيئة أو قيادة قديمة أو أي من الاتجاهات والقيادات التي عرفها عالمنا العربي، بل هو تيار جديد عنها.. بإرادة جديدة تمثل جزءًا من التيار الشعبي الفلسطيني الثوري الموحد الذي نرنو إليه جميعا ليكون سبيلنا لتحرير أرضنا السليبة، والذي يجب أن تصب فيه جداول العمل الثوري في كافة مناطق تجمع أبناء النكبة. وهو أيضا لا يتبع دولة ما أو ينحاز إلى جهة ما أو يعادي جهة ما”.

استنادًا إلى هذه الماهية والأهداف سار المكتب في عمله يبني من العدم، ويستقطب وجودًا، وتحالفات، وصداقات، ويعيد فلسطين إلى الحياة وإلى الخريطة السياسية، والأهم من ذلك إعادتها إلى المعادلة الدولية التي  كانت قد شطبت منها في العام 1948م.

ولا أغالي إذا قلت إن الدور الذي لعبه المكتب كان دورًا طليعيًّا بلا حدود، فلم يكن شاغله الوحيد أو حتى الرئيسي هو تأكيد العلاقة وتكريسها بين فلسطين والجزائر، فمثل هذه العلاقة لم تكن بحاجة إلى تأكيد أو تكريس، والتعاطف الجزائري مع فلسطين كان في أوجه، بل إن الأهم الذي كان شاغل المكتب، يتمثل في إجراء الاتصالات مع القوى السياسية التي كانت تمر في الجزائر؛ حيث لا ننسى أن الجزائر المستقلة كانت محجًا لجميع القوى الثورية في العالم.

وهكذا، لم يترك المكتب قوة أو طرفًا سياسيًّا مقيمًا أو مارًا في الجزائر إلا وأقام معه العلاقات، وشرح أبعاد القضية الفلسطينية التي عادت إلى الحياة بنشأة “فتح”. وقد تمكن المكتب فعلاً من بناء علاقات ناجحة مع القوى الثورية والاشتراكية في العالم، مثل الصين الشعبية، وكوريا الديمقراطية، وفيتنام الشمالية، وألبانيا، وألمانيا الديمقراطية وغيرها.

يوميات الزيارة الأولى إلى الصين

وكنتيجة مباشرة لهذا الجهد الخلاق الذي قام به مكتب الجزائر تقرر أن يقوم وفد يمثل فلسطين لزيارة جمهورية الصين الشعبية، فكان أن اتصلت بالأخ أبو عمار في الكويت الذي حضر إلى الجزائر، وقمنا معًا بهذه الزيارة التاريخية إلى الصين التي فتحت أمامنا وأمام حركة “فتح” آفاقًا عظيمة.

وهكذا تبدأ يومياتي في الصين :

بكين، الأحد 15/3/1964:

في التاسعة من صباح اليوم كان لنا لقاء مع الرفيق لي، وبحث معنا موضوع المهرجان الشعبي الذي سيقام بعد غد تضامنا مع فلسطين؛ حيث ستلقى كلمة السفراء العرب ويلقيها سفير مراكش، ثم كلمة مكتب فلسطين في الجزائر التي سيلقيها الأخ محمد رفعت (وهو الاسم الحركي الأول للأخ أبو عمار)، وأذكر أن اسمي في ذلك الوقت كان (علال محمد).

بكين، الثلاثاء 17/6/1964:

الثانية والنصف من بعد ظهر اليوم هو موعد المهرجان الشعبي تضامنا مع شعب فلسطين العربي.. وقد حدثت مشكلة بهذا الشأن؛ إذ حدث أن جاءنا الرفيق “نو” سكرتير لجنة التضامن الآسيوي الإفريقي في الساعة الثانية والربع ليطلب التحدث معنا، فقال إن السفراء العرب رفضوا المشاركة في المهرجان إلا بعد التعرف عليكم ومن تمثلون؛ لذا فأرجو أن لا يكون لديكم مانع لمقابلتهم. فقلت له إن الأمر لا يحتاج لأكثر من مقابلتهم فخذونا إليهم لنحل سوء التفاهم. عدنا إلى قاعة المهرجان في الثانية وخمس وأربعين دقيقة لمقابلة السفراء العرب، لكننا أبلغنا أنهم قد غادروا القاعة، في حين طلب السفير المراكشي أن نتصل به مباشرة. عدنا إلى الفندق بسرعة للاتصال بالسفير، لكننا لم نجده، فاتصلنا بالسفير المصري وكان أن التقينا به، فحدثنا بما يلي:

لقد أفادونا قبل أيام أن وفدًا من جبهة التحرير الفلسطينية سيصل إلى بكين، وأن مهرجانا شعبيًّا سوف يقام تضامنا مع شعب فلسطين. وأضافوا أن عدد أعضاء الوفد الفلسطيني أربعة أشخاص قادمون من الجزائر والعراق ولبنان والكويت، وحين سألنا عن أسماء الأعضاء أجابوا أنهم لا يعرفون.

وقد شككنا في الأمر، وخشينا أن يكون وراءه أمر ما.. وقد اتصلوا بنا بعد ذلك وقالوا إن وفدًا فلسطينيًّا قد وصل إلى بكين، فسألنا عن الأسماء؛ حيث لا يمكننا حضور مهرجان يضم وفدًا فلسطينيًّا لا نعرف أسماء أعضائه. بعدها قالوا إن الوفد يتكون من اثنين وهو برئاسة السيد محمد خليل (وقد كان اسمي)، فطلبنا الاجتماع بكم فتأخروا في الرد، فاتفقنا أن نحضر كأفراد وليس بصفة رسمية، وبعدها تأجل المهرجان. وكنا نخشى أن هناك أمرًا ما يدبَّر.

أضاف السفير المصري: “كان تصرفنا سليمًا حفاظًا على قضية فلسطين، وكنا قد أعددنا كلمة ليلقيها السفير المراكشي باسمنا جميعا، وقد امتنعنا عن ذلك إلا بعد التأكد”.

شرحنا للسفير الوضع تفصيليًّا، وقدمنا صورة واضحة عنا وعما نمثل، وكذلك فصلنا الأمر مع السفيرين المراكشي والعراقي.

ثم التقينا بالرفاق الصينيين الذين اعتذروا كثيرًا عن مثل هذه الإشكالات، وشرحنا لهم الموقف، وبحثنا معهم موضوع المهرجان.

في التاسعة من صباح اليوم التالي كنا في لجنة التضامن، فعقدنا الجلسة الأولى من المباحثات، ثم اتفقنا على استئنافها ليلاً بعد المهرجان الشعبي مباشرة، وانتقلنا بعدها إلى سفارة كوريا الشمالية حيث تحادثنا معهم بشأن زيارتنا إلى كوريا.

في الثانية عشرة إلا عشر دقائق عدنا إلى الفندق حيث التقينا بقائم الأعمال السوري الذي تناول الغداء معنا.

ثم كان لنا لقاء مع عدد من الوزراء وعدد من مسؤولي المنظمات الجماهيرية، وكان رئيس الحفل هو رئيس لجنة التضامن الآسيوي الأفريقي عضو اللجنة المركزية.. وكان حديث المائدة هامًا تناول قضايا الاستعمار وإسرائيل كقاعدة له، ثم قال هذا المسؤول العبارة التالية التي نشرت بمانشيت في الأهرام حينذاك. قال:

“لا أخفي عليكم سرًا عندما أقول إن إسرائيل طلبت مرارًا منا أن نعترف بها وأن نتبادل التمثيل الدبلوماسي معها، وهي تغازلنا دومًا، لكننا رفضنا، وحاولت ذلك بواسطة أصدقاء لنا من الدول الاشتراكية، وقد واجهنا ضغطًا شديدًا من العديد من الأصدقاء، لكننا نقول لكم الآن، وهذا عهد علينا لكم، مؤكدين أننا لن نعترف بها، أو نتبادل التمثيل الدبلوماسي، لا الآن ولا بعد سنين ولو امتد هذا الوضع 100 عام”.

قلنا له أننا سنعمم هذا الموقف، فقال: إنني أعلن لكم وأؤكد أنني تحدثت باسم الحكومة الصينية.

  وبعده تكلم رئيس الحفل، والسفير المراكشي، والوفد الفلسطيني، وكان من حضور الحفل سفراء إندونيسيا وباكستان وكوريا الشمالية، وفيتنام الشمالية، وأفغانستان، وآخرون.

كان هذا هو أول مهرجان فلسطيني في العالم بمثل هذه الصفة الرسمية، وبعدها انتقلنا إلى قاعة الاحتفالات الكبرى حيث قوبلنا بكثير من الحماس والتصفيق الحار، ثم بدأ الاحتفال بتقديم السيد نائب رئيس الجمعية الإسلامية، ونائب رئيس اتحاد الطلبة باسم المنظمات الجماهيرية، ثم تكلم الرفيق وزير الثقافة كلمة طويلة منددا بالاستعمار، مؤيدا لكفاح شعب فلسطين والشعوب العربية.

وكنتيجة لذلك قام “شو إن لاي” و”ليو تشاو تشي” بإرسال برقيات التأييد لحقوق الشعب الفلسطيني.

وبعد هذه الزيارة مباشرة سمحت الصين بفتح مكتب فلسطين هناك؛ حيث كانت هي المرة الأولى كما قالوا التي يرون فيها فلسطين. وحققنا كذلك مكسبًا في غاية الأهمية؛ إذ أقمنا جدلاً مهما معهم حول ضرورة مقاطعتهم لإسرائيل طالما يعتبرونها جزءا من المعسكر الاستعماري، وقد لبوا طلبنا.

مكثنا ثلاثة أيام معا في الصين، وفي اليوم الرابع غادر أبو عمار إلى الكويت في حين بقيت هناك، ثم انتقلت إلى كوريا. وحين كنت في كوريا طلبت للعودة إلى بكين، والتقيت السفراء العرب الذين أبلغوني أن “شو إن لاي” استدعاهم وأبلغهم الموقف:

“بناء على الطلب الفلسطيني فقد اتخذنا القرارات التالية:

1- المقاطعة الشاملة لإسرائيل.

2- عدم السماح لأي سفينة إسرائيلية بالرسو في أي ميناء صيني.

3- عدم السماح لأي سفينة مرت على ميناء إسرائيلي بالرسو في ميناء صيني.

4- عدم السماح لأي سفينة صينية بالمرور على ميناء إسرائيلي”.

وكوثيقة تاريخية أورد فيما يلي جزءًا من الكلمة التي ألقاها الأخ أبو عمار في المهرجان التضامني الأول مع فلسطين:

“أيها الرفاق

إن أكثر من مليوني عربي فلسطيني أيها الرفاق يعيشون الآن لاجئين مشردين، بينما العدو الغاصب لأرضهم وديارهم يعيش على أبعاد قريبة من أبصارهم فوق هذه الأرض وفي هذه الديار.

لقد أراد الاستعمار، وقد شعر بموجة التحرر تجتاح منطقتنا العربية التي تشكل مركزًا استراتيجيًّا خطيرًا بالنسبة للعالم وتشكل بالتالي خطورة كبيرة على مصالحه في هذه المنطقة، لقد رأى الاستعمار أن يخلق إسرائيل في قلب أمتنا العربية لتكون خنجرًا مسمومًا في جسدنا، ولتكون قاعدة استعمارية لضرب حركات التحرر العربي منها وبواسطتها. وليست المؤامرة الثلاثية التي حدثت على شعبنا العربي في مصر وقطاع غزة إبان حرب السويس بعيدة عن الأذهان، والتي أدركها شعب الصين العظيم وقادته الأبطال، فوقف الموقف المشرف ببسالة وعظمة وشرف.

وظلت هذه الدويلة، ولا زالت، مخلبًا للاستعمار يضرب سوريا شمالاً مرة، وجنوبًا الجمهورية العربية المتحدة مرة أخرى، والتجمعات الفلسطينية لشعبنا في الضفة الغربية من الأردن مرة ثالثة. “ولكن شعبنا مع ذلك انتصر على هذه القوى الاستعمارية مجتمعة، وخرج من حرب السويس مرفوع الرأس وأكثر قوة مما كان، بفضل تأييد الشعوب الصديقة المحبة للعدالة والحق والحرية والسلام.

ليس هذا فحسب، بل إن الاستعمار، وخاصة الأمريكي الآن، يتسلل إلى أفريقيا وآسيا ودولهما الحديثة التي نالت استقلالها بكفاحها ونضالها، بهذا الوجه الجديد، وجه إسرائيل. وكان الاستعمار، وهو يخرج من أفريقيا وآسيا ملعونا مطرودا، يحاول أن يعود استعمارًا أمريكيًّا من النافذة الإسرائيلية، خادعا الشعوب بشعارات هذا الوجه الجديد واشتراكيته المزيفة الهدامة.

إنني اكتفي هنا أيها الرفاق بسؤال واحد هو: كيف تستطيع إسرائيل، تلك الدويلة التي تعيش على المساعدات والمعونات الأمريكية المباشرة وغير المباشرة والتي بلغت آلاف الدولارات والماركات، والتي بدونها لا تستطيع إسرائيل أن تعيش مطلقا، كيف تستطيع أن تعطي بعض هذه الدول الآسيوية الأفريقية المعونات والمساعدات المالية والفنية؟

إنني لأرسلها من هنا من منصتي هذه في بكين، صيحة تحذير إلى الأخوة المكافحين في أفريقيا وآسيا ليتيقظوا لهذا الوجه الاستعماري الأمريكي الجديد بوجهه الإسرائيلي.

لقد أبرق الرئيس الأمريكي السابق جون كنيدي لرئيس وزراء إسرائيل ما يلي:

“نرجو أن تتوحد الجهود لتحقيق آمالنا ومصالحنا المشتركة في آسيا وأفريقيا”.

كذلك قال “أبا إيبان”، وهو يشغل حاليًّا منصب نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي في خطاب له في جمعية الصداقة الأمريكية اليهودية: إن إسرائيل الآن تمثل وتدًا في الشرق الأوسط، ونأمل أن يتسع هذا الوتد ليصبح جسرًا يمتد من الفرات إلى النيل والبحر الأحمر لتقوم في الشرق دولة عظمى تحمي الديمقراطية في آسيا وأفريقيا إذا فشلت سياسة أمريكا وفرنسا وبريطانيا.

ونشرت مجلة “أنتويك إنجلند”: “هنالك فكرة تفرض نفسها من أجل نوع من تقسيم العمل والتعاون، فإسرائيل تقوم في بعض حالات بتكوين إختصاصيين وترسلهم إلى أفريقيا، في حين أن النفقات تضطلع بها كليًّا أو جزئيًّا دول أخرى”.

ونشرت بعض وكالات الأنباء ما يلي: “إن رشاشات إسرائيلية من طراز (436) قد أرسلت إلى فصائل القمع البرتغالية في موزامبيق وأنغولا وغيرهما، وللعنصريين في جنوب أفريقيا”.

هذه بعض من حقيقة إسرائيل الرهيبة ومن يقف خلف إسرائيل.

ويريد الاستعمار، وخاصة الأمريكي، أن ينفخ في هذه الدويلة، فتراه يؤيدها بقوة وبكل ما لديه في محاولتها الأخرى الآثمة لتحويل مجرى نهر الأردن لجذب المياه من المناطق العربية وحرمانها من هذه المياه، وتحويلها إلى داخل هذه الدولة المغتصبة ليزيد من قابليتها لاستيعاب ملايين أخرى. إنه يطمع بتحويله النهر أن يتمكن من جلب ثلاثة أو أربعة ملايين أخرى ليصبح عدد سكان إسرائيل خمسة أو ستة ملايين، ليتضخم الوتد الاستعماري في قلب الأمة العربية، وليحاول أن يفرض وجوده، وليكون رأس حربة لعدوانات جديدة يشنها على المنطقة العربية الصاعدة نحو التحرر والحرية والاشتراكية.

ويقف الأسطول السادس الأمريكي في البحر المتوسط يساند إسرائيل ويهدد ويستعرض عضلاته، تمامًا كما يقف الأسطول السابع الأمريكي في جنوب شرقي آسيا يلعب نفس الدور الإجرامي محاولاً القضاء على حرية الشعوب.

كما يجذب الاستعمار قواته البريطانية والأمريكية إلى جزيرة قبرص، كل ذلك كمحطة ليثب منها على قلاع التحرر العربية، ومدافعًا عن إسرائيل وجرائم إسرائيل.

إننا نحن العرب الفلسطينيين ننظر إلى قضية تحويل نهر الأردن على أنها جزء من قضيتنا الأساسية، قضية وطننا السليب، وهي في نظرنا قضيتنا الواحدة التي لا تجزئة فيها ولا أنصاف حلول. نحن ننظر إليها من جميع زواياها، فتحويل النهر واغتصاب الأرض ومؤامرات التهجير والإبادة لشعبنا والاستيلاء على وطننا وطردنا منه، كل هذا قضية واحدة لا خلاف عليها، وهي كل لا تتجزأ.

ونحن كشعب نكافح صممنا على أن نقود المعركة ونستمر فيها بصدق وشرف، فإما أن نحيا شرفاء كرماء في أرضنا، أو نموت بعزة دفاعًا عن قضيتنا التي تمثل ركنًا هامًا من أركان العدالة الإنسانية لتنير الطريق إلى الأجيال القادمة، وإلى الشعوب المكافحة من أجل التحرر والحياة الأفضل. لقد سقط منا شهداء وشهداء، ونحن على استعداد دائمًا وأبدًا أن نقدم المزيد من التضحية والفداء.

إننا ننظر إلى هؤلاء الأعداء على أنهم أعداء للإنسانية جمعاء، أعداء السلام، أعداء الحرية، أعداء الشعوب. ولنا من تأييد إخواننا الشرفاء في العالم أجمع، وفي الصين بصورة خاصة كشعب آمن بعدالة قضيتنا، كل أمل في أننا سنحرر هذه الديار المغتصبة من براثن الصهيونية والاستعمار. ولن يخيفنا أسطولهم السادس، ولا تجمعاتهم العسكرية في قبرص، ولا حتى قنابلهم الذرية.

إن الشعوب المكافحة صاحبة الحق أقوى بكثير من قنابلهم الذرية، وأقوى من تجمعاتهم العسكرية، ولنا في الجزائر، وفيتنام، واليمن، وكوريا، وكوبا دروسًا حية مشرقة تنير لنا طريق الحرية بمشاعل براقة قوية.

ونحن نعرف أن الاستعمار والصهيونية والرأسمالية لا يمكن أن تهبنا الحرية والحياة الكريمة، ولهذا علينا أن نأخذها بقوة السلاح، بالتضحية والفداء. إننا سنأخذ حقنا بالقوة، وسندافع عنه بكتاب بيميننا، وسلاح بيسارنا، وليفهم الاستعمار وليفهم البيت الأبيض الأمريكي وليفهم تجار الحرب أن الوضع قد تبدل، وأن الأرض الصلبة التي كانوا يقيمون عليها يبتزون أموال ودماء وقوت الشعوب ما عادت لهم.

إن جزيرة تايوان ستعود سريعًا إلى الصين الأم، ولن يستطيع الاستعمار الأمريكي أن يقف أمام إرادة شعب الصين في تحرير تايوان.

إن الاستعمار الذي يمد إسرائيل بالسلاح والمال هو نفس الاستعمار الذي يمد شان كاي شيك الخائن عميل أمريكا في تايوان بالسلاح والمال.

ولكنكم ستنتصرون لا محالة، وستحررون تايوان من براثن الاستعمار الأمريكي البغيض، وسينتصر شعبنا العربي، وستحرر فلسطين من براثن الصهيونية والاستعمار.

أيها الرفاق.. إن قلوب الشعب العربي الفلسطيني والشعب العربي كله معكم في كفاحكم من أجل تحرير تايوان، وفي كفاحكم ضد الاستعمار الأمريكي الآثم أينما وجد.

وسنتضامن جميعا، شعبكم العظيم في الصين وشعبنا العربي كله في هذا الكفاح المشترك مع كافة الشعوب المحبة للعدالة والحرية والسلام في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ضد هذا العدو المشترك، ضد الاستعمار والاستغلال والصهيونية والرأسمالية. وإن الشعوب بتضامنها واتحادها لهي أقوى سلاح”.

وأود أن أقول هنا إن مثل هذه الزيارة إلى الصين الشعبية قد شكلت فتحا على صعيد العلاقات العربية الصينية؛ إذ كانت هي المرة الأولى التي جرى فيها الحديث عن علاقات مع “الصين الحمراء”، وحتى عبد الناصر لم يكن قد أقام علاقات معها بعد.

وحين عدت إلى الكويت، أقمت ندوة في الإذاعة الكويتية تحدثت فيها عن القرارات التي اتخذتها الصين بشأن إسرائيل، كذلك ندوة أخرى في التلفزيون الكويتي، وأذكر أن المذيع الذي أجراها معي كان يسمى أحمد سالم، حيث تحدثت بإسهاب عن التأييد الجماهيري الواسع الذي تجده القضية الفلسطينية في الصين. ثم أجريت مقابلتين مع الإذاعة والتلفزيون في العراق، ثم في سوريا، وحين وصلت إلى بيروت أقام لي شفيق الحوت ندوة موسعة حول الموضوع. وفي القاهرة أجريت مقابلة مع إذاعة “صوت العرب”، وكذلك في ليبيا وتونس والجزائر، ثم قمت بكتابة تقرير موسع عن الزيارة إلى الصين ومنطقة الشرق الأقصى، وعن التواجد الإسرائيلي هناك ونشرتها في “فلسطيننا”. وحين سافر الوفد الجزائري إلى مؤتمر القمة العربي، وذلك قبل إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، قمت بتزويده بعدد من الوثائق حول الوجود الإسرائيلي في شرقي آسيا (هونج كونج وتايلاند وكوريا الجنوبية)، وقد عرضها الوفد في المؤتمر، فاعتبرت وثائق  من وثائق المؤتمر حيث اتخذ قرار من المؤتمر ينص على أن ما قدمه مكتب فلسطين في الجزائر يعد من وثائق المؤتمر.

نحن والمؤتمر الفلسطيني الأول

في تلك الفترة كان يجري الإعداد لإعلان الكيان الفلسطيني، والإعداد للمؤتمر الفلسطيني الأول الذي عقد في القدس.. وقد تولى السيد “أحمد الشقيري” تحديد أعضاء المؤتمر بنفسه، ودون أي قاعدة إلا وجهة نظره الخاصة، وفي تلك الفترة كان لنا علاقات مع الشقيري، وكنا نلتقي به من خلال أصدقاء مشتركين.

وفي تلك اللحظة كنا قد بدأنا التفكير لإحداث الرابطة بين تنظيمنا السري وبين الحركة العلنية.. وكنا نقول للشقيري دائمًا لن تفيدك علاقاتك العربية، ضع يدك في يدنا، واعتبرنا ركيزة لك، قاتل بنا الأطراف الأخرى؛ إذ لن يسندك غير أبناء شعبك، لكن الشقيري بطبيعته ذو نفس طويل ويمحص المسائل بدقة مبالغ فيها. وعندما بدأ يعد للمؤتمر، جاء إلى الجزائر، وقابل الرئيس بن بيلا، واطلع على نشاط مكتب فلسطين، ولكنه حين اختار أعضاء المؤتمر من الجزائر لم يخترنا، بل اختار سيدة تدعى سميرة السقا وشقيقها سعيد السقا، وكانا مرتبطين بجهات عربية ومتفرغين لشن الحملات ضدنا وضد مكتب الجزائر، ولم أدع إلى المؤتمر وكذلك الشهيد كمال عدوان، فانتقلنا على الفور إلى القدس مقر المؤتمر، وعاتبنا الشقيري بشكل حاد، فما كان منه إلا وأن اختارنا كأعضاء في المؤتمر. وتشكلت لجان المؤتمر، فسجل أربعة منا أسماءهم في اللجنة السياسية للمؤتمر وهم الإخوة: أبو عمار، أبو جهاد، كمال عدوان ورفيق النتشة، لكن أبو عمار لم يحضر المؤتمر رغم أنه كان موجودًا في القدس، وحضر الإخوة: خالد الحسن وزهير العلمي وهاني القدومي. وقد ضم المؤتمر الفلسطيني الأول ما لا يقل عن خمسة عشر شخصًا من حركة “فتح”.

وفي اللجنة السياسية للمؤتمر شرحت لهم ماذا جرى خلال زيارتنا للصين، وكان الشقيري حاضرًا الاجتماع، وخلال ذلك تماما أرسل “شو إن لاي” برقية باسم المؤتمر، فما كان من اللجنة السياسية إلا أن اتخذت قرارًا بإرسال برقية باسم المؤتمر الفلسطيني الأول إلى حكومة الصين لشكرها على موقفها واستقبالها للوفد الفلسطيني. وكذلك فقد ضمت الوثيقة السياسية الصادرة عن المؤتمر فقرة خاصة بموقف الصين المؤيد لشعبنا. وبذلك فقد انتزعنا شرعيتنا من المؤتمر الفلسطيني الأول.

.. ومكتب الجزائر يضاعف نشاطه

وبعد العودة إلى الجزائر كان شعوري الأساسي هو ضرورة مضاعفة نشاطنا، وضرورة مضاعفة التواجد البشري الفلسطيني هناك، ولذلك فقد قمنا بتهيئة الظروف لمجيء أعداد كبيرة من المدرسين، ففي حين لم يكن يزيد عددهم عن (14) مدرسًا، ازداد العدد إلى (400) مدرس ثم إلى (1000) مدرس، وتمكنا من تقديم المنح الجامعية إلى (150) طالبًا فلسطينيًّا، ثم أقمنا الدورة العسكرية في شرشال.

وفي الوقت نفسه ازداد عملنا الإعلامي والدبلوماسي، فلم يكن يمر مسؤول أو رئيس إلا ونقدم له المذكرات ونلتقي المسؤولين.

… وعيش الكفاف

دون أية مبالغة أقول إننا جميعا أعضاء “فتح” في الجزائر كنا نعيش عيش الكفاف، فكنت مثلا أقيم مع أم جهاد وجهاد في غرفة على سطح مكتبنا، وأقل ما يقال بشأن هذه الغرفة أنها فعلاً لم تكن صالحة للسكن، وقد ولدت أم جهاد ابننا نضال ونحن في هذه الغرفة، فأصبحنا أربعة أشخاص في غرفة واحدة.

كانت أم جهاد تخرج إلى مدرستها في الخامسة صباحًا فتستخدم ثلاث وسائل للمواصلات كي تصل إلى مكان عملها، وتفعل نفس الأمر بالعودة. وكان راتبها هو مصروفنا الشهري، وهو لم يكن يصرف علينا فقط، بل ربما على اثنى عشر شخصًا آخرين، فقد كان هناك الشهيد أبو صبري، والشهيد أبو علي إياد، والأخ عبد الكريم العكلوك، وأحمد عقل، وجمعة عيسى، ووجيه حسن وغيرهم، وعند الظهر يتعاون الجميع في إطار جماعي تضامني متقشف إلى أبعد الحدود. كنا مزدحمين بالعمل والحوافز على النشاط في كل اتجاه من أجل تعبيد الطريق الصعب والمرير إلى فلسطين.

وخلاصة القول هنا إن تجربة مكتب فلسطين في الجزائر شكلت في وقت من الأوقات، وعلى كافة الأصعدة، أساسًا ثابتًا ومتينًا للنهوض الوطني الفلسطيني الذي انطلق رسميا في الفاتح من كانون الثاني/ يناير 1965، لكن الجهد الخلاق الذي سبق ذلك هو الذي صنع هذا النهوض، وهو الذي أرسى الطريق لتحقيق الإرادة الفلسطينية وبروز حركة “فتح”.

وكمثال ليس أكثر نورد فيما يلي إحدى الوثائق الصادرة عن مكتب الجزائر، وتتعلق ببيان مشترك صدر عن مكتب فلسطين وبعثة الجبهة الوطنية لتحرير فيتنام الجنوبية في الجزائر كإشارة ليس إلا إلى شبكة العلاقات التي تمكن المكتب من إقامتها مع حركة التحرر في العالم تمهيدا للإعلان عن نهوض حركة التحرر الوطني الفلسطيني، حركة “فتح”، وهنا نص الوثيقة:

“مكتب فلسطين

15نهج فكتور هوغو

ص.ب(611)، هاتف (658117)

الجزائر

بيان مشترك من مكتب فلسطين

وبعثة الجبهة الوطنية لتحرير فيتنام الجنوبية بالجزائر

“بمناسبة أسبوع التضامن الجزائري مع شعب فلسطين، وبصفتنا مجتمعين بقاعة ابن خلدون في هذا اليوم 29/1/1964 في الساعة الثامنة مساءً، وبعد أن درسنا دراسة مشتركة قضية فلسطين والتطورات الأخيرة لنضال الشعوب المظلومة المستعبدة في العالم، فإن ممثلي مكتب فلسطين وبعثة الجبهة الوطنية لتحرير فيتنام الجنوبية يصدرون البيان التالي:

1- إنَّ الحركات الثورية للشعوب المستعبدة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية تمر في مرحلة من النضال العنيد الذي تؤيده كل الشعوب المؤيدة للحرية والسلام.

2- إنَّ الاستعمار الدولي أصبح يلفظ أنفاسه الأخيرة، وإن المستعمرين يشعرون في كل وقت أن نهايتهم قد قربت، وأن نفوسهم الضريرة أبت عليهم أن يكون هناك تفاهم بينهم وبين الشعوب، ولا سبيل إلا مقارعتهم بالقوة، فهم يستعملون كل الوسائل الوحشية الإجرامية الدنيئة، ويتخذون وجهًا استعماريًّا جديدًا للقضاء على كفاح الشعوب التي تناضل من أجل حريتها واستقلالها.

3- إنَّ الجزائر التي آمنت بالثورة المسلحة طريقًا لنيل حريتها واستقلالها ما زالت في طريقها لدعم كفاح الشعوب التي تناضل لنيل استقلالها.

4- إنَّ مكتب فلسطين بالجزائر يساند كفاح شعب فيتنام الجنوبية والجبهة الوطنية للتحرير الفيتنامي ضد الاستعمار الأمريكي لتحقيق المبادئ الأساسية بالاستقلال والديمقراطية والسلام والحياد الإيجابي ووحدة فيتنام إيمانا منه بعدالة قضية فيتنام كعدالة قضية فلسطين.

وإن القضية الفيتنامية تنتقل من نصر إلى نصر رغم ما يقترفه المعسكر الإمبريالي الأمريكي ومناصروه من الاستعماريين من جرائم وحشية يصعب على المرء وصفها.. مثل الغازات السامة، والقنابل المحرقة، بالإضافة إلى بحيرات الدم والقتل والإبادة الجماعية.

ومما لا شك فيه أن النصر سيكون حليف الفيتناميين في كفاحهم المسلح.

5- إن بعثة الجبهة الوطنية لتحرير فيتنام الجنوبية تعترف أن:

( أ )  تكوين إسرائيل بعد الحرب العالمية الثانية هي فكرة خبيثة للاستعمار الدولي بتفاهم مسبق مع الصهيونية، وهي مسمار في قلب العالم العربي ضد استقلاله وسيادته، ومصدر بؤس وشقاء لشعب فلسطين المشرد والمليون فلسطيني الذين أجبروا على النزوح عن وطنهم وأصبحوا لاجئين.

(ب) إنَّ الحركة الثورية الفلسطينية بكفاحها المسلح تعترف بعدالة قضية فيتنام الجنوبية.

6- إن مكتب فلسطين وبعثة الجبهة الوطنية لتحرير فيتنام الجنوبية اتفقا على إقامة وحدة متماسكة مترابطة للكفاح المسلح الثوري، والوقوف جنبا إلى جنب وصفا واحدا ضد الإمبريالية الدولية والصهيونية العالمية.

7- إن مكتب فلسطين وبعثة الجبهة الوطنية لتحرير فيتنام الجنوبية يرفعان صوتهما إلى الرأي العام الحر في العالم ليبينا الأعمال الوحشية البربرية التي يقترفها الاستعمار لتفكيك الشعوب والتسلط عليها واستعبادها، ويطالبان كل الشعوب والمنظمات الدولية للسلام والعدل والتقدم الاجتماعي لاتخاذ مواقف إيجابية مشرقة لتوثيق عرى الصداقة والتضامن لدعم كفاح الشعوب ضد الاستعمار لتحقيق النصر النهائي، ويطلبان فورًا وقف العمل الإجرامي الوحشي ضد الشعبين الفلسطيني والفيتنامي.

مدير مكتب فلسطين بالجزائر

ممثل جبهة التحرير لفيتنام الجنوبية بالجزائر

“محمد خليل الوزير”

صحافتنا في مكتب الجزائر

منذ اللحظة الأولى كنا ندرك الأهمية الاستثنائية لعملنا الإعلامي في العمل الثوري، من أجل ذلك سارع مكتب الجزائر وكجزء من نشاطاته إلى تأسيس صحافته كي يحقق مستويين من الفائدة:

1- نشر الوعي حول قضية فلسطين، كما هو نشر الوعي حول الخيارات التي حددتها “فتح” كطريق إلى تحرير فلسطين.

2- تعميق وعينا الذاتي وتوسيعه وبلورته؛ إذ إن العمل الإعلامي يعد وسيلة فذة لخلق حالة جدل بين الإطار والمجتمع، وين الإطار والحياة.

وهكذا أصدرنا صحيفتين أطلقنا على الأولى اسم “صرخة فلسطيننا”، وأطلقنا على الثانية “أخبار فلسطيننا”. ورغم البدائية التي كانت تطبع هاتين الصحيفتين من الناحية التقنية والطباعية، إلا أنني أستطيع أن أقول إنهما لعبتا دورًا بارزًا في مثل هذه الفترة المبكرة من تاريخ حركة “فتح”، خاصة وأننا كنا نعيش حالة نقاش واسعة عشية الانطلاقة، وبالذات حول مسألة الانطلاقة.

وأرى من الضروري هنا تثبيت بعض النصوص التي تم نشرها في هاتين الصحيفتين للتدليل على حجم الحوافز التي كانت تزدحم في بنية “فتح” قبيل انطلاقتها العظيمة. وقد حمل المقال الأول الذي نشر في “صرخة فلسطيننا”، والذي صدر في كانون الثاني/يناير 1964، عنوان: “ستة عشر عاما قد توالت وجراح فلسطين.. هي الجراح.. وآلام شعبها تزداد على الأيام قسوة واتساعا”، كما وجاء فيه:

“ومع هذه الآلام تتعمق للشعب العربي الفلسطيني وللأمة العربية جمعاء حقائق راعشة بالدماء.. صارخة بالنذير.. تقذف ضمائرنا بحمم من النداء اللاهب الذي يشدنا إليها داعيَّا إلى أن نفتح عيوننا وقلوبنا على ما ورائه.

“وأولى تلك الحقائق هي أن نتأكد أن كل يوم جديد يمضي إنما يحمل لأعدائنا الغزاة دفقات من الحياة جديدة تزيد معركتنا مع الصهاينة المستعمرين ضراوة وتكاليفا.

“وإننا من أجل ذلك يجب أن نضع نهاية لهذا الانتظار والصمت.. فإن فيهما من الخطر الكامن أكثر مما تحمله المعركة ذاتها، وهذا ما يحكيه واقع أعدائنا وتطورات حياتهم.

“والحقيقة الثانية.. هي أن قضية فلسطين قد اتخمت بالعواطف وأغرقتها أنهار الدموع والرثاء والخطب.. وأن واقع ستة عشر عاما يصرخ بنا أن حل قضيتنا ليس عن طريق هيئة الأمم التي أكدت على ظلمنا، وليس في قرارات الجامعة العربية التي تموت مع ولادتها ولكن طريق الحل الجذري الحاسم لقضيتنا تجسده ثورة شعبية فلسطينية على الصهاينة المستعمرين الغزاة في أرضنا المحتلة… ثورة تدعمها أمة العرب في كل مكان، ويسندها الجهد العربي في الوطن العربي كله. ومن أجل ذلك يجب أن تلتزم أمة العرب بمسؤولياتها لإفساح المجال لأبناء فلسطين للعمل من أجل قضيتهم.. وأن عزل شعب فلسطين عن المعركة وإبعاده عن ميدانها يجب أن ينتهي.. وأن الوصاية العربية ينبغي أن تزول ليسمح له بتنظيم قواه وتعبئتها وحشدها من أجل خوض معركة الثأر”.

 أما صحيفة “أخبار فلسطيننا” قد جاء في إحدى افتتاحياتها وتحت عنوان: “يا أخي العربي”، ما يلي: “إن قضية فلسطين يجب أن تخرج عن هذا الجمود  الذي أرادوه لها. يجب أن ترتفع هذه القضية عن مستوى العواطف الساذجة، وهي في كل مكان مدعوة إلى العمل الإيجابي المنظم، وإلى توجيه الجهد نحو فلسطين، وتكتيل القوى الشعبية والوطنية من أجل فلسطين، وإلى حشد الطاقات الخلاقة، كل الطاقات لمعركة فلسطين، إن الجماهير العربية بطلائعها أينما كانت مدعوة للوقوف بجانب الطليعة الثورية الفلسطينية ومؤازرتها لترفع هذه الوصاية المفروضة على شعبنا العربي الفلسطيني في كل مكان يعيش فيه، ولتتحطم هذه القيود التي بقيت تحرم شعب فلسطين من حق العمل لقضيته. إن هذه الوصاية يجب أن تنتهي، وهي تحتاج من جماهير شعبنا العربي في كل مكان أن ترفع أصواتها عاليًّا معنا لرفع هذه الوصاية، ولتطلق لشعبنا حرية العمل لتنظيم قوى شعبنا المبددة وحشدها من أجل معركة الأثر القادمة.

“إن قضية فلسطين قضية كل عربي، ومعركتها معركة مصير أمتنا بأسرها… وهي تحتاج اليوم من كل عربي أينما كان إلى سلوك سبيل إيجابي يقصر الطريق للعودة الكريمة لأرضنا العربية المغتصبة. وإن طلائع شعب فلسطين الثورية.. التي سلكت طريق الإعداد للانطلاقة العربية الثورية في فلسطين لترسل نداءها إلى كل عربي..

فإن كل فرد، وإن كل جماعة.. إن كل مدينة وقرية.. إن كل الرجال والشباب والنساء والفتيات… إنكم يا هؤلاء جميعا مدعوون لتحمل المسؤولية التاريخية والأمانة الوطنية من أجل العمل الإيجابي المنظم لمساندة طلائع شعبنا.. في تحقيق أهدافها من أجل إشعال الثورة على الغزاة في أرضنا العربية المحتلة.. فلا حل لقضية فلسطين إلا بالثورة المسلحة يقودها شعب فلسطين بطلائعه الثورية.. وتسانده أمة العرب، لأن الثورة الفلسطينية في انطلاقها لهي ثورة العروبة بأسرها للثأر لكرامتها وغسل عار النكبة… إن هذه المساندة يجب أن تبدأ من الآن بالعمل بكل جهد لعدم عرقلة سير هذه الطلائع نحو تنظيم قوى هذا الشعب وتوحيد صفوفه التي بعثرتها النكبة الطويلة وظروف أقوى منه تكالبت عليه.. ولمناشدة كل السلطات في عالمنا العربي بأن لا تحول بين شعب فلسطين وبين حريته للعمل من أجل معركة تحرير دياره.. وأن تسند هذا الشعب في البعد بنفسه وبقضيته عن مستوى الصراع والخلاف العربي حتى نضمن لعمله الثوري السلامة والبعد عن مخاطر التشتت، أو مواجهة عراقيل جديدة.

“نعم يا أخي.. الواجب يدعوك.. فلا تتوان عن عمل كل ما يسهل الطريق أمام انطلاق هذا الشعب لخوض معركته.. وكل ما يزيد من قوة الدفع الثوري لهذه الطلائع..

“إنها مسؤوليتك.. مسؤوليتك الوطنية العربية.. نضعك أمامها وجها لوجه.. ولنا معك يا أخي العربي من هذه الطلائع، قبل هذا وبعده.. حديث نضال.

“وعاشت فلسطين عربية حرة.

“وعاش النضال العربي من أجل الثورة لتحريرها”.

“فتح”

!!!!!

أدبنا السياسي: الإشراقة الأولى

إن النزوع إلى الاستقلال من غير الممكن أن يتناول جانبًا ويقفز عن الآخر، من غير الممكن أن تكون أحاديًّا. إن النزوع إلى الاستقلال يكون شاملاً أو لا يكون.

ومنذ النشوء الأول لحركة “فتح” كان هذا النزوع شاغلها الأساسي، فمثل حركة “فتح” التي وضعت على عاتقها مهمة تكاد أن تكون مستحيلة وتتمثل بانتزاع استقلال فلسطيني، لا بد لها أولاً وقبل أي تحرك وقبل النشوء أن تخلق أسس استقلالها كحركة سياسية وفكرية أرادت أن تمخر المجتمع الفلسطيني والعربي، وأن تخترق المعادلة الدولية القائمة؛ إذ ليس هناك أي معنى أو مستقبل لتابع يسعى لاستقلال بلاده. وهكذا فإن استقلالنا الفكري والسياسي والتنظيمي كحركة سياسية وحركة نضالية كان لابد أن يكون هدفا مبدئيًّا ورئيسيًّا، وبه نبدأ.

إن من عاش تلك المرحلة يذكر بلا شك كيف كانت الساحة السياسية والفكرية العربية تعج بالمناهج والتيارات التي أقل ما يقال فيها: “إنها كانت نقلاً مسلوقًا متعجلاً بعيدًا عن تفهم المعطيات والظروف الخاصة”.

ويذكر من عاش تلك المرحلة أن الساحة الفلسطينية كانت تبدو وكأنها استقالت عن دورها، وكأنها اكتفت بالتبعية لهذا التيار السائد في المنطقة أو ذاك، ففقدت ليس فقط أرضها وكيانها ودولتها، بل فقدت منطقها الخاص وفقدت ذاتها وفقدت روحها. من أجل ذلك فإن المهمة الأولى التي تحملتها حركة “فتح” تتمثل باستعادة المنطق الخاص، المنطق الفلسطيني، واستعادة الروح الفلسطينية القادرة على حشد القوة والإمكانيات وبناء الذات من جديد.

وللتدليل على هذا السياق الذي وضعت “فتح” نفسها به، نورد فيما يلي وثيقتين أساسيتين تحملان الدلالة على هذا المنطق الفلسطيني الاستقلالي الفتحوي، وتوضحان أسس هذا المنطق وكيانه ولغته. والوثيقة الأولى تعد بيانًا إستراتيجيًّا، أو أنه إحدى الأدبيات الرئيسية لفكر “فتح” ولخياراتها ومنهاجها وخطها السياسي، وكانت قد أصدرته “اللجنة المركزية العليا” بعنوان: “حركتنا .. فتح”، وحمل الشعارين الأساسيين للحركة: “الثورة طريقنا للحرية” و”ثورة حتى النصر”. وقد بدأ هذا البيان بالتوجه إلى “أخي ابن فلسطين” قائلاً له ومانحًا إياه الثقة والطريق: “نحن نثق بك وبوطنيتك”.

هذه هي الثقة المطلقة التي تقدم إلى هذا الفرد الفلسطيني الذي سحقته التبعية، وسحقه غيابه وانعدام وجوده السياسي، فتبدأ بأن تقول له: نحن نثق بك وبوطنيتك، وكأنك قد انتزعته من يم غارق به، كأنك انتشلته من فظاظة الهزيمة والإلحاق العربي السائد ويضيف البيان: “نحن نعتمد على حبك وإخلاصك لفلسطين العزيزة، وتحرقك للعمل من أجل الثأر والخلاص من واقعك الدامي الرهيب”. ويقول البيان محافظًا على حرية هذا الفرد بالاختيار، محافظًا على حرية رأيه: “لذلك نعرض عليك هذه الصفحات”، ثم يحمله المسؤولية من بدء الاتصال، منذ اللحظة الأولى للاتصال، فيقول: “ولذلك.. نأتمنك على كل كلمة فيها”، ثم تشرح لهذا الفرد الفلسطيني المسحوق باختصار وبلغة واضحة، فتقول:

“أخي يا ابن النكبة.. إن كان لحديثنا هذا صدى عندك، فمرحبا بك مع العاملين من أجل معركة المصير، معركة التحرير. وإن توانيت راجين ألا يكون ذلك فلنا ثقة في ضميرك الحي بأن تصون كل ما علمت عنا.. وتحفظ ما عرفت سرا لا تفرط به في حديث أو تلميح”.

إن التأمل في هذا النص الذي كتب في أواسط الخمسينات حيث بدأ النهوض الوطني العربي يحمل العديد من الدلالات، لابد من التوقف عند بعضها:

1- فتح الخيار أمام الفلسطيني.

2- عدم التقدم باغتصاب قضيته.

3- عدم إدانته إن توان أو تكاسل، فله ظروفه المريرة، وله الأفواه الفاغرة الباحثة عن لقمتها.

4- احترامه والثقة به وبفلسطينيته من خلال جعله مؤتمنًا على سر ثمين هو بيان حركة “فتح” الذي هو بيانه رغم عدم قدرته من المشاركة في تنفيذه.

5- حتى وإن رفض المشاركة فإن البيان يظل باعتبار إياه عضوًا في حركة “فتح”، فيضع على عاتقه دورًا مهمًا يمنع عنه التفريط بأسرار الحركة وكأنه عضوًا فيها، أو كأنه عضو مؤهل سيمارس المهمة حيث تتاح له الفرصة.

وهنا لا بد من الإشارة أن ما يقف وراء هذه الأدبية هو الاعتبار الداخلي العميق الذي تأسست عليه حركة “فتح”، والقائل بأنها حركة الشعب الفلسطيني بكافة فئاته وشرائحه وطبقاته، فكل فلسطيني هو عضو في “فتح” بالقوة أو بالفعل.

ومثل هذه الدلالات قائمة فعلا ومستمرة وتشكل إحدى القنوات الأساسية التي تحكم العلاقة بين “فتح” وبين الشعب الفلسطيني.

وبعد ذلك يطرح البيان شعارات الحركة فيقول:

“حركتنا.. حركة وطنية ثورية منبثقة من صميم إرادة الشعب العربي الفلسطيني ووجدانه”.

“حركتنا.. حركة تدعو الشعب الفلسطيني إلى الوحدة الوطنية”.

“حركتنا.. تهدف لخلق الشخصية العربية الفلسطينية في الوجود العربي والدولي”.

“حركتنا.. تسعى لتهيئة الشعب الفلسطيني.. ليقود ثورة تحرير فلسطين من الصهيونية والاستعمار”.

“حركتنا.. بعيدة عن الإقليمية، وتؤمن بأن فلسطين جزء لا يتجزأ من الوطن العربي الكبير”.

إنها أقانيم “فتح” التي أثبتت الحياة صحتها، وإذا راقبنا الآن ماذا يجري بعقل مفتوح يمكننا القول أن “فتح” قد حققت قسمًا رئيسيًّا من أهدافها التي وضعتها في لحظة البدء الأولى، فهي التي صنعت من العدم وحدة الشعب الفلسطيني، وهي التي صنعت من العدم الشخصية العربية الفلسطينية، وهي التي صنعت التهيئة والظروف كي يتمكن الشعب الفلسطيني من قيادة ثورته. وكل ذلك يتم بعيدًا  عن الإقليمية.

ومن أجل وضع هذا الأدب السياسي المبكر لحركة “فتح” في موقعه المناسب، نثبت فيما يلي هاتين الوثيقتين التاريخيتين، وهنا الوثيقة الأولى:

الحركة وأصالة شعبنا الثورية

“لقد عاصر الجيل الحاضر من أبناء فلسطين الثورات المتتابعة من أجل حرية الوطن واستقلاله. ولقد فهم شعبنا منذ البداية بأن الثورة هي السبيل الوحيد للقضاء على آمال الصهيونية والاستعمار الرامية لاغتصاب أرضنا. ومنذ أن حلت أفواج الغزاة بوطننا لم تشهد أرض فلسطين سنة غير دامية. وكان شعبنا العظيم جبارًا في كفاحه.. قارع الجيوش البريطانية والمؤامرات الصهيونية بعتادها وقوتها وإمكانياتها الهائلة، ولم يستسلم ولم يخضع مطلقًا، في مضاجعهم ولكل جيوشهم،ولم تضع منه فلسطين إلا بعد أن أبعدته الجيوش العربية عن معركة وجوده أثر دخولها في الخامس عشر من أيار/مايو عام 1948م”.

“إن الثورية لا تزال راسخة عميقة الجذور.. ولئن غطى البؤس والشقاء ملامح هذه الروح الثورية في شعبنا، فإنها ستنفجر طاقات تحريرية زخمة يوم يجد ثوارنا البواسل من يعيد لهم الثقة بنفوسهم. إنها بحاجة إلى إبراز وصقل، وعلى الطليعة الواعية من شعبنا تقع مسؤولية ذلك حتى تعصف رياح الثورة العاتية بدولة اليهود وتجتثها”.

“وإن الحركة لترتكز على الإيمان بحب شعبنا لوطننا المغتصب، ووفائنا لعهدنا بالعمل على تحريره، وهذا نابع من نبتة الثورة الأصلية في صدورنا”.

طليعة الحركة

“كان لتطور أحداث النكبة بما رافقها من قسوة ظروفنا، وما حل بشعبنا من شدة الظلم وويلات التشرد، أبعد الأثر في خلق النزعة الانفرادية واللامبالاة، وعوامل اليأس والانهزامية بين كثيرين من أبناء الوطن. ولو أحس الناس جميعًا بالظلم وواجب التضامن لقمعهِ لعاشت الإنسانية في جو فاضل لا بغي فيه ولا ظلم ولا عدوان. إلا أن نواميس الطبيعة على مر العصور أكدت استحالة ذلك، وأثبتت أنها لا بد أن تجود على الشعوب المظلومة بطليعة من أبنائها تكون أكثر شعورا وأشد إحساسا بوطأة الظلم، يندفعون مناضلين من أجل حرية شعبهم، متناسين ذاتهم ومصالحهم في سبيله. وقد يكون هذا النفر قليلاً إذا ما نسب إلى الشعب، إلا أن قوة إيمانهم بأهداف الشعب يطغى على الضعف، ويرقى بالطليعة إلى إمكانية توجيه الشعب وتعبئته للثورة في سبيل حقه..

“إن على الطليعة أن تتناسى ذاتها في سبيل تحقيق الأهداف التي نذرت لها نفسها ووجدت من أجلها.. وهي أهداف الشعب. وكلما تبلورت ذهنية الطليعة بالنسبة لواقعها، كلما كانت أكثر حزما وأسرع في الوصول إلى أهدافها”.

إنسانية الطليعة

“إن الشعب العربي الفلسطيني يعاني مرارة ضياع الوطن والتشرد والنكبة، فهو الذي يواجه المأساة ويعيش ظروفها القاسية. وقد حرم هذا الشعب من حقوقه الإنسانية في العيش والحرية والكرامة. وهو بجانب ذلك يعيش شتى الأوبئة والأمراض الاجتماعية والنفسية، وقد وقفت الدول العربية موقفًا غير مشرف من هذا الشعب، فساعدت على خلق هذه الأمراض وانتشارها وامتدادها”.

“إن الطليعة من أبناء فلسطين ستأخذ بيد شعبنا لترفع من مستوياته، وتعيد إليه الثقة بنفسه، وتقوده في طريق الحرية والحياة الكريمة”..

“إن على هذه الطليعة من أبناء عرب فلسطين عبئًا إنسانيًّا كبيرًا، وهو تخليص المجتمع الفلسطيني من آثار النكبة كلها، من آثار الجوع والمرض والتشرد وهدر الكرامة وكبت الحرية وسلب الوطن، وستقوم الطليعة بدورها في أداء هذه الأمانة فتنهج أرقى أنواع السلوك الوطني والأخلاقي والإنساني، وستذوب الطليعة مع شعبنا ليزرع بهذا الاندماج فجر الثأر والحرية والعودة الكريمة؛ حيث تنطلق حركة وطنية فلسطينية ثورية تمزق ظلام المأساة.

الحركة والحزبية

“لقد دفع الزخم الثوري الذي يملأ جوانح شعبنا إلى اندماج شبابنا في مختلف التكتلات الحزبية محاولاً دفع هذه التكتلات للعمل من أجل فلسطين”.

“وإننا لا نريد هنا بحث أيديولوجية هذه التكتلات، ولكننا معنيون بمعرفة نتائج أعمال هذه التكتلات الحزبية نحو وطننا السليب”.

“لقد قادت هذه الأحزاب أفراد شعبنا إلى خلافات جانبية ضيقة بددت قابلية الثورة عند الكثيرين من أبناء شعبنا. ولم يطرح أي من تلك الأحزاب شعارًا عمليًّا يؤدي مباشرة إلى العودة، ولم تقم بأي عمل جديد جدي، بل بعثرت الجهود، وفرقت صفوف شعبنا، وحجبت الرؤية الصادقة عنه، وصرفت أنظار شعبنا بعيدًا عن قضية فلسطين”

“إننا نطالب بتجميد العمل الحزبي، والانضواء تحت راية حركتنا صفًا واحدًا بعيدًا عن الحزبية التي أثبتت فشلها تجاه قضيتنا. ولذا، فإن هذه الحركة لا تحمل أيديولوجية حزبية؛ بل إنها إعداد لعمل ثوري بناء. إن حركتنا تنتظم طليعة تسمو على الحزبية والأهواء والميول لتشمل جميع الشعب من أجل التضحية لإنقاذ الوطن المقدس ومن ورائه الشعب العربي كله.

الحركة ووضع شعبنا السياسي

“لقد أبعدنا شعبنا عن المجرى السياسي لقضية بلاده منذ أول يوم في النكبة، فأحدث ذلك فراغًا سياسيًّا كاملاً لقضيتنا، وكانت خطة إبعاد شعبنا ومنعه عن العمل السياسي أفظع جريمة ارتكبت في حق الشعب الفلسطيني، أدت إلى الميوعة المعاصرة التي شوهت وجه القضية، وانحرفت بتيارها بعيدًا عن المخططات العملية التي يريدها شعب فلسطين لتحقيق أمنياته في الثار والعودة”.

“إن حركتنا ستدفع بالعجلة السياسية إلى المستوى الوطني الثوري الذي يعتلج في صدر شعبنا منذ البداية. والحركة ستفرض شعارات سامية وتضع الخطط لتحقيق الهدف الكبير.. هدف تحرير الوطن المغتصب. وإنَّ الحركة لا تعترف بأنصاف الحلول، ولا قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين أو غيرها من مشاريع الخيانة والتصفية..

“إن فلسطين عربية، ويجب أن تعود كلها لنا، عربية حرة، ولا سبيل لذلك سوى ثورة منظمة تطيح بالوجود اليهودي في أرضنا المحتلة”.

الحركة ووضع شعبنا الاقتصادي

“يعيش شعبنا ضمن وضع اقتصادي استعماري مدروس. فلقد فطن الاستعمار ما للوضع الاقتصادي السيئ من تأثير على الشعوب، فوضع بمؤازرة حكام العرب شعبنا في مركز اقتصادي حرج؛ إذ إن السياسة الاقتصادية المبنية عليها أحوالنا تقوم على وكالة الإغاثة الدولية الاستعمارية. فتستطيع هذه الوكالة شل أيدينا وتفكيرنا عن العمل تحت ضغط الحاجة المتوالية، أو الضغط على شعبنا اقتصاديًّا ليقبل بالمشاركة الخائنة. وقد لوحت فعلاً – بتأييد بعض الدول العربية – بأسماء ومشاريع وحجج خطرة على قضيتنا. ولولا وقوف الواعين من أفراد شعبنا وأمتنا العربية لاستطاع الاستعمار أن يحقق الشرعية لدولة اليهود في وطننا بتحقيق تلك المشاريع، إبان فترات الجوع المظلمة التي مرت على شعبنا المناضل العظيم”.

“إن انبثاق الكيان الثوري يهيئ لنا مجال معالجة أوضاعنا بأنفسنا، وفرصة تخطيط وضع اقتصادي لا يخضعنا لمشاريع الاستعمار والصهيونية كما هو  الحال الآن”.

الحركة ووضع شعبنا الاجتماعي

“لا ينكر أحد مرارة الوضع الاجتماعي السيء الذي يعيشه شعبنا نتيجة النكبة. إن قسوة ظروفنا وشقاء معيشتنا. وإن حياتنا المؤلمة في المعسكرات وسائر مواطن تشردنا قد أثرت بعواملها على نفسية الكثيرين من أبناء النكبة؛ فلقد طغت الفردية على أخلاق الكثير منهم، وحاول البعض تناسي آثار النكبة باللامبالاة أو اليأس والتخاذل أو الأنانية، ولا يستغرب تفشي مثل هذه الأمور بين مثقفينا، فهي أمراض لا يستبعد وجودها عند الأمم المنكوبة”.

“وإن الحركة ستعالج هذه النواحي بثوريتها؛ حيث تعيد الثورة إلى النفوس الحائرة ثقتها. ويوم يجد شعبنا التيار الثوري يتدفق لتطهير أرضنا المحتلة ستندمل جراحنا وسينصهر الجزء المنحرف بمجموع شعبنا مستعدًا للثورة من أجل تحرير الوطن السليب”.

الحركة والوضع الثوري لشعبنا

“إن شعب فلسطين لم يذب رغم توالي السنين، وإن معاول النكبة لم توهن من عزيمته وصلابته. لقد بقي في غزة وخان يونس وجنين وطولكرم والقدس وأريحا والخليل، في كل مدن فلسطين وقراها، وفي سائر معسكرات اللاجئين ومواطن التشرد بقي شعبنا وفيا لوطنه، ثابتًا على عهده، متكلاً على نفسه، صابرًا على كل ما يعاني، ومخلصًا في الالتفاف حول أمانيه الكبرى في تحرير دياره المغتصبة.. تغلي روحه بالإصرار على الثأر، وتحطيم المؤامرات الاستعمارية لتصفية القضية، فلا صلح، ولا تقسيم، ولا إسكان ولا تهجير، ولا تعويض ولا توطين، ولم يثنه عن إصراره جوع وحرمان، أو إغراء ووعيد”.

“وهكذا ظل شعبنا الأبي صامدًا، يقظًا، ينتظر إشراق فجر التحرير”.

“وهكذا ظل وضعه ثوريًّا، عنيدًا، وقادًا، يشحذ همتنا، ويقوي إيماننا بشعبنا المجاهد، ويسند انطلاق حركتنا لتحقيق أهدافها”.

“إن الحركة رسمت طريقها الثوري لاسترداد الوطن السليب، وإن الوضع الثوري يشمل القطاعين العسكري والسياسي، وستقوم الحركة ببعث القطاعين في الظروف المناسبة والوقت المحدد لساعة الصفر”.

“فالحركة تؤمن بأن الثورة في فلسطين هي الحل الوحيد لاجتثاث دولة اليهود، وإن لنا من الأصالة الثورية في شعبنا ضمانة ضخمة لتحقيق أهدافنا”.

أهداف الحركة

“إن هدف حركتنا الأساسي هو إنقاذ وطننا السليب، ومن هذا الهدف تنبثق الأهداف الأخرى المتطلعة إلى بعث الحرية والكرامة الوطنية لشعبنا، والرامية إلى تعبئة شعبنا ماديًّا ومعنويًّا، وإعداده إعدادًا ثوريًّا عسكريًّا يهيئ لانطلاق الثورة المسلحة في الجزء المغتصب من وطننا كحل جذري لنسف هذا الاغتصاب، والحركة تؤمن بضرورة الحياد في طريقها، فلن تنحاز لأي جهة ضد الأخرى، لكنها ستكون بالمرصاد لأي جهة تضر بمصالح القضية الفلسطينية”.

“وهي ستقبل العون غير المشروط من المصادر النظيفة، وستمضي في طريقها مستنيرة بآراء المخلصين في دنيا العرب، غير تابعة، ولا خاضعة أو موجهة، مدعومة بقوة الشعب العربي في كل مكان”.

تكتيك الحركة

“لا بد للوصول إلى أهداف الحركة من تخطيط شامل مدروس تسير على هداه. وإنَّ السرية في الوقت الحاضر عنصر أساسي من عناصر الإعداد للعمل الثوري ما دام العمل العلني ممنوعًا علينا”.

غير أن هناك تخطيطًا آخر لعمل علني مواز للعمل السري وهو يقوم على الأساسين التاليين: “الوحدة الوطنية” و”الدعوة للكيان”.

الوحدة الوطنية

“إن الوحدة الوطنية شرط أساسي لقدرة شعبنا على تفجير الثورة في داخل أرضنا المحتلة؛ إذ لا يمكن لشعب متفرق الكلمة أن يقوم بأي عمل بناء”.

“إن الدعوة للوحدة الوطنية بعيدة كل البعد عن أية عصبية تكتلية. بل إنها تمثل الضمير الحي الذي يعيش في نفوس شعبنا”.

“لقد كان تفتيت وحدة شعبنا هدفًا رئيسيًّا للاستعمار والصهيونية وأعوانهما، وذلك لإشغالنا وإبعادنا عن الإعداد للعمل الثوري للعودة؛ فالوحدة الوطنية أقوم طريق لجمع شمل شعبنا وتوحيد قواه وجهوده وتعبئتها للمعركة القادمة”.

“إن الوحدة الوطنية هي خير ملجأ للشعوب المنكوبة، فهي التي تجمع أبناءها وتوحد أهداف أفرادها وخطواتهم”.

الكيان الوطني

“ليست مطالبتنا بالكيان دعوة إقليمية، فنحن نؤمن بأن وطننا فلسطين جزء لا يتجزأ عن الوطن العربي الكبير الواحد. بل نطالب بهذا الكيان لنخلق منطلقا لثورتنا لتحرير وطننا؛ فالكيان الفلسطيني أمر ضروري لحشد جهود شعبنا وتعبئته وتنظيم إمكانياتنا المهددة”.

“إن الكيان مطلب شرعي لنا.. وخلق هذا الكيان وتنظيمه واجب علينا، فهو الذي يهيئ الفرصة لاتصال شعبنا بعضه ببعض، بعد أن عملت المؤامرات المتوالية على تمزيق شمله وحرمانه من الاتصال والارتباط.

“وسيحمل هذا الكيان شعارات شعبنا العملية لثورة من أجل التحرير؛ حيث تعود بذلك الثقة للنفوس. إن انبثاق الكيان الفلسطيني الثوري لخطوة سياسية كبرى على طريق كسب التأييد العالمي لحقوقنا وكفاحنا؛ فإن أبناء فلسطين أكثر دراية وتفهما، وأعنف وطنية بالنسبة للقضية من الحكام العرب”.

العضو والحركة

“إنَّ آمالاً عظامًا مبنية على هذه الحركة بعد هذه النكبة الطويلة التي حورب شعبنا المنكوب خلالها من قبل اليهود والاستعمار والحكام العرب، حيث كبتوا أنفاسه، وفرضوا عليه إقامة جبرية في الخيام والمعسكرات، ومنعوه من إبداء رأيه أو العمل للإعداد للثورة الكبرى، ومن ثم فإن أعباءً جسامًا تقع على كواهل أعضاء هذه الحركة. وإننا أمام هذه الحقائق التي تبرز من خلال واقعنا الدامي الرهيب وحياتنا المريرة القاسية والظروف الصعبة المحيطة بشعبنا أينما كان لمُكرَّهون على العمل السري إذا ما أردنا العمل لإنقاذ وطننا. لذا، فإن السرية المطلقة واجبة على الأعضاء الذين يسيرون في الحركة، وإن الكتمان والسرية المطلقة والحذر من أهم المميزات التي تضمن لحركتنا سلامة الوصول إلى الساعة التي يحين فيها الإعلان عن حركتنا وثورتنا”.

“ويجب أن يكون العضو على علم تام بأن النتائج التي تترتب على التفريط في أي سر من أسرار الحركة ستعرضه لأعباء يصعب عليه تحمل آثارها. إن أية بادرة قد تكشف عن هذه الحركة إنما تضر بمصالح وطننا المنكوب وشعبنا المعذب. فعلى العضو أن يلتزم بالسرية التامة في القول والعمل، وبالنسبة لكل ما يتعلق بالحركة”.

“لقد حملت الطليعة من أبناء هذه الحركة أمانة العمل لإشعال الثورة وتحقيق أهداف هذا الشعب. وهي، وقد حملت هذه الأمانة الغالية وبدأت بسيرها، لتعاهد الله والوطن والشهداء على الصمود في هذا الطريق الصعب المليء بالأشواك والعقبات”.

“وإننا لماضون في سبيلنا مهما كلفنا ذلك من جهد وتضحيات ودماء، ولن نتراجع”. “والله خير شاهد… وعاشت فلسطيننا عربية حرة”.

“اللجنة المركزية العليا للحركة”

فتح

 

الفذلكة السياسية ومنطق “العاصفة”

أمَّا الوثيقة الثانية والتي كتبت في عام 1964، أي بعد أن كنا قد أقمنا أساس عملنا التنظيمي وحددنا خياراتنا الفكرية والسياسية والتنظيمية، فقد تناولت المعطيات القائمة في الساحة الفلسطينية حينذاك، فتصدت للكسل الذهني والجسدي القائم، كما للاتكالية التي زرعها منطق “الفذلكة السياسية” كما تقول الوثيقة. إذن، وبتوقيع “ابن النكبة”، وتحت عنوان: “عقلية الفذلكات السياسية والقانونية ومنطق العاصفة الفلسطينية”، ردت “فتح” على منطق الإلحاق العربي الذي كان يهيئ نفسه لتشكيل الكيان السياسي ومنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة زعامات الإلحاق وتغييب الكيان والشخصية الفلسطينية ، فتحدث منطق الاستقلال يقول:

“عقلية الفذلكات السياسية والقانونية ومنطق العاصفة الفلسطينية”

“عشنا نحن أبناء النكبة سبعة عشر عاما من التشرد والحرمان المدني والحقوقي، وفي جو مليء بالاتهامات لدرجة أن مرض الحساسية تجاه لفظ (الاتهام) قد أصابنا”.

“فلو طلبنا الرزق (اتهمنا) بالتقاعس عن العمل لفلسطيننا. ولو بقينا نعاني ألم الجوع والحرمان (اتهمنا) بالكسل. ولو أردنا أن نقول ما نؤمن به وما نشعر به بصراحة كاملة خالية من المجاملة والمداورة (اتهمنا) بالشغب والتدخل فيما لا يعنينا وعدم الأدب في مخاطبة الناس. ولو أردنا أن ننتقد (اتهمنا) بالسلبية والتشويش”.

“ولو أردنا أن نعمل، أن نحمل السلاح ضد عدونا في أرضنا المحتلة (اتهمنا) بالعمل على توريط البعض أو إفساد خطط البعض الآخر، أو الرعونة، أو عدم فهم الظروف والملابسات أو عدم تقدير المسؤولية”.

“كثرة (الاتهام) هذه ولدت لدى أبناء النكبة – وأنا منهم – عقدة دفعتهم، وخصوصًا أولئك الذين لم يدرسوا القانون أمثالي ولم يحصلوا بالتالي على شهادة في الحقوق، دفعتهم ليتفهموا المعنى القانوني والحقوقي والسياسي (للاتهام..) وبعد سبعة عشر عامًا من ترديد الاتهامات ومحاولة فهم معنى الاتهام تمكنت أن أعرف قاعدة قانونية أو حقوقية أو فقهية (لا أدري..) تقول بأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، أي أن الاتهام يحمل في طياته معنى الشك. وما لم يقم دليلك على ثبوت التهمة واقتناع المحكمة بهذا الدليل وصدور حكمها بالإدانة، فإن المتهم يبقى بريئًا، وبالتالي فإن اتهام أمريكا أو بريطانيا أو الاستعمار أو عدالة هيئة الأمم المتحدة، التي وصلت إلى مستوى (أعلى) من مستوى إدراك ابن النكبة الذي لم يدرس (القانون)، اتهام هؤلاء بالتآمر على القضية الفلسطينية أو العمل على تصفيتها ما هو إلا كلام بكلام ما لم يصدر حكم القاضي بثبوته وبإدانة المتهمين. والقاضي في السياسة الدولية في هذه الأيام هو، عند المتحذلقين والقانونيين، هيئة الأمم المتحدة”.

“في أخبار الأسبوع قرأنا وسمعنا أن السيد أحمد الشقيري أدلى بتصريح رسمي (اتهم) فيه الولايات المتحدة الأمريكية بأنها تعمل على تصفية القضية الفلسطينية”.

“إن النظرة الموضوعية إلى هذا التصريح لابد أن تتجنب شخص الأستاذ الشقيري، وتنطلق بتفتح إلى تناول العقلية التي تعالج القضية الفلسطينية والتصريحات المتلاحقة التي تصدر عن الكثيرين من ذوي العلاقة في مجال القضية الفلسطينية”.

“هذه العقلية التي لا تزال تقويم على توجيه (الاتهامات) واعتلاء المنابر على اختلاف أنواعها لتثبت أن العرب الفلسطينيين مظلومون والصهاينة ظالمون سفاحون والاستعمار الغربي ممثلاً بالتحالف الأنجلو أمريكي هو المسؤول المباشر عن مأساة فلسطين، ولتناشد ضمير هؤلاء بمحاولة التعرف على الظلم الذي ارتكبوه، ولتوضح باستمرار لنا، أبناء النكبة فلسطينيين كنا أو غير فلسطينيين، بأن الحجج التي يستند إليها الإدعاء قوية وخلقية لا تدحض إلا بالغدر والكذب و الخداع من الاستعمار ومن يدور في فلكه ويعمل معه”.

“والظاهر أن هذا (الاتهام) لأمريكا بأنها تعمل على تصفية القضية الفلسطينية، جاء (مدروسًا) حسب خطة مرسومة من ناحية التوقيت والترغيب المبني – على رأي شراح القانون – حتى يستقيم مع مستوى (الاتهام) ومستوى (القاضي) ومستوى (المدعي العام) الذي سيعتلي منصة هيئة الأمم المتحدة لإثبات التهمة والمطالبة (بتوقيع) أقصى العقوبة بحق المتهم، إذا ثبتت إدانته. وهنا لا بد من استعمال كلمة “إذا” ليتناسق الكلام باعتباره ينطق من الفهم القانوني لمعنى (الاتهام)”.

“بعد هذا التوضيح والتحقيق (الحقوقي) لابد من الدخول إلى صلب الموضوع، بعقلية غير قانونية، بعقلية لا تفهم إلا أن أرضا سلبت ولا بد من استعادتها، وأن شعبًا تشرد ولا بد من عودته، وأن احتلالا قد وقع، ولا بد من سحقه واجتثاث جذوره. هذه العقلية، قد يخونها الهدوء والحلم وأدب الحديث أحيانًا، فتصرخ بدلاً من أن تتحدث بهدوء ورزانة ومنطق (قانوني). هذه العقلية، لابد أن تزعق في آذان الجميع وعلى رؤوس الأشهاد لتعلن أنه لابد من القضاء على أسلوب الفذلكات السياسية (الاتهامات) القانونية في معالجة القضية الفلسطينية سواء ثبت (اتهام) أمريكا بالعمل على تصفية القضية الفلسطينية أم لم يثبت”.

“وأنه لا بد من سحق النظرة التي تفهم أن السياسة الدولية تضع القانون والحق العدل في تفكيرها عندما تنظر إلى أي مشكلة صغيرة كانت أم كبيرة”.

“وأنه لا بد من أن يفهم أن السياسة الدولية تقوم على المصلحة والنفعية والأنانية اللاأخلاقية، وأن وسيلتها وطريقها هي القوة والسطو ولا شيء غير ذلك مهما أحيطت بستار الشرعية تارة، والحرص على مستوى البشر والشعوب النامية أو (المتأخرة) تارة أخرى”.

“نظرة واحدة إلى مجريات الحقيقة التاريخية التي نعيشها تكفي لعدم الخوض في أحداث التاريخ وبطون المآسي في السياسة الدولية؛ لإثبات قولنا”.

“فلو بقي الزنوج في أمريكا (.. يتهمون) الرجل الأمريكي الأبيض.. ألف ألف سنة، لما صدرت التشريعات التي تمن عليهم بتصنيفهم من بني البشر، ولبقوا عبيدًا يخدمون الرجل الأبيض الأمريكي ويزيدون في رصيده في البنوك وفي ألوان الطعام والشراب على موائد تسليته ومرحه وعبثه”.

“ولو أن زنوج أمريكا لم يستمروا في الكفاح والعنف بأشكاله المختلفة، لما حاول الرئيس جونسون تطبيق تشريعات كنيدي”.

“ولو أن حركة (الماو ماو) لم تظهر في كينيا الأفريقية، ولم تمارس عملها الثوري ضد الاستعمار البريطاني على أقصى درجة من العنف المسلح، لما استقلت كينيا، ولما خرجت منها بريطانيا العظمى”.

“ولو أن الشعب الجزائري البطل بقي ساكنًا خانعًا (يتهم) الاستعمار الفرنسي، لما تحررت الجزائر، ولما استعاد العرب جزءًا من كرامتهم التي وطأتها الأقدام التركية والبريطانية والفرنسية..إلخ، على مر الأعوام والسنين”.

“ولو أن الرئيس عبد الناصر اكتفى باتهام الغرب بمنع السلاح عن جيشه.. إلخ، إذاً.. لابد أن يتم قلع عقلية (الاتهام) من جذورها في مجال القضية الفلسطينية، ولا بد أن تحل محلها عقلية الثورة والثوار، عقلية القوة والعنف، العقلية التي تفهمها السياسة الدولية والمصالح الدولية، العقلية التي تفهم العنف وتعرف كيف تمارسه، العقلية التي تعمل بوحي الإيمان الوفي الصادق بأن الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد للعودة ولمنع تصفية القضية الفلسطينية”.

“العقلية التي (تتهم) يجب أن تتلاشى؛ ليحل محلها المنطق الذي يعمل، منطق منظمة العاصفة الفلسطينية، ثورة فلسطينية مسلحة تعمل في الأرض المحتلة، يقدم له المخلصون من أبناء العروبة السند والمدد والدعم المستمر لتختصر الزمن في بناء لبنات البطولة، وإطلاق زغاريد المجد، تمهيدًا للمعركة النهائية التي تعيد فلسطيننا إلينا.. إلى حظيرة العروبة”.

“وبعد، فإن مؤتمر القمة الثالث سينعقد قريبًا، ولا يسع كل مخلص إلا وأن يتمنى، أن تحكمه عقلية العمل الثوري ومنطق العاصفة العاصف، وأن يتلاشى من أجوائه ومن مقرراته كل ما يشير إلى أدنى بروز لعقلية (الاتهام….)”.

ابن النكبة

حركة “فتح”

!!!!!

خريطتنا التنظيمية تتشكل

في سنوات الخمسينيات، أو في منتصفها الثاني تحديدًا، كنا مجموعة من الشباب المتطلعين إلى بلورة عمل تنظيمي جديد، وكنا نقيم علاقات شخصية حميمة فيما بيننا. كان هناك كمال عدوان وكان عبد الفتاح حمود، وكان معاذ وأبو خالد سليمان وكنت أنا، وكنا نعمل جميعا بالتدريس في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية.

وقبل ذلك كنت في القاهرة، وبالصدفة المحضة أصبح عملي في مكتب العمل السعودي الذي كان يديره السيد “ناصر المنقور” الذي يعمل الآن سفيرًا للمملكة السعودية في بريطانيا.

وكان هناك ابن عم لي يعمل مديرًا لمكتب المقاولين، وكنت أتردد عليه. وبطبيعتي لا أستطيع أن أبقى ساكنًا دون عمل، فحين أذهب إليه أقدم له مساعدتي في العمل، فأقوم بتصنيف الملفات، وحين عرفوا ذلك، وكانوا لا يحبون عملهم، أخذوا يقدمون لي كل ما يجب أن يقوموا به، فأنفذه عن رحابة صدر كنوع من الرغبة، ثم أوكلوا لي بعد ذلك مهمة توزيع المدرسين العاملين في السعودية على مناطقها، وكانوا قد تعاقدوا مع (600) مدرس، فقمت بتوزيع (200) مدرس إلى جدة و(20) مدرسًا إلى مكة.

وهكذا، استنادًا لما كنت أخطط له، فقد قمت بتوزيع الشباب الذين هم على صلة معي إلى مناطق معينة تمهيدًا لبدء العلاقة معهم.

وقد وزعت الجميع ونسيت نفسي، إلى أن قال ناصر منقور:

يا أستاذ خليل أريد أن أرسلك إلى منطقة لم تزل خامًا ويرفض الجميع الذهاب إليها، وأميرها هو أخي ورجل طيب وسوف تكون مسرورًا لو ذهبت إلى هناك، فوافقت، وهكذا ذهبت إلى منطقة لم تزل بدائية فعلاً وتسمى “القنفذة” وتقع في منطقة عسير.

وحين علم الشباب اعتقدوا أن هذه المنطقة هي الأفضل بين المناطق على اعتبار أنه من غير المعقول أن أقوم بالتوزيع وأحدد لنفسي منطقة سيئة في حياتها اليومية ومعيشتها. واعتقد الجميع أن هذه المنطقة لا بد أن تكون جنة عدن، وأصر ثلاث وأربعون مدرسًا منهم على الذهاب إلى هذه المنطقة، وكان منهم الإخوة أبو خليل، وأبو هشام، وأخي أبو ماهر.

ركبنا في شاحنات ضخمة وحملنا إلى القنفذة، وقد واجهنا سيلاً في الطريق فجرف السيارة، ثم تمكنا من إخراجها بتعاون الجميع، واستمر سفرنا ثلاثة أيام بلياليها إلى أن وصلنا.

وهناك استقبلنا مدير التعليم في المنطقة، وأذكر أن اسمه “الأهدل”، وأمير المنطقة، وكان استقبالاً جيدًا، فالبيت الوحيد الذي كان في المنطقة كان بيت رئيس البلدية، وهو مبني من الطوب ولم يكتمل بعد، وأصروا على أن يكون مسكني.

وفي المدرسة أذكر أني قمت بتنظيم المدرسة بشكل مختلف عما كان عليه مما سرَّ مدير التعليم هناك.

صناعة “القنفذة”

لم يمض وقت طويل إلا وكان وجه القنفذة قد تغير كليًّا؛ إذ تمكنا من إعادة صنعها لدرجة أن صحيفة “عكاظ” أصبح همها متابعة التطورات الجديدة في القنفذة.

فضلاً عن ذلك، فقد قمنا بتأسيس فريق كرة قدم وفريق آخر لكرة السلة، وكتبنا ومثلنا مسرحية تدور حول نضال الجزائر، كتبها محمد البدوي بينما قمت بإخراجها وتمثيلها، وأذكر أن المنطقة قد اجتمعت كلها وعلى رأسها الأمير لمشاهدة المسرحية.

أمَّا عن الحياة المعيشية فقد ذقنا الأمرين؛ إذ كانت الصعوبة في حياة المنطقة أمرًا لا يطاق فعلاً، لدرجة أنه لم يبق أحد من المدرسين إلا وأصيب بالملاريا.

مكثت ثلاثة أشهر في هذه المنطقة مرت وكأنها دهور، وبعد ذلك حيث لم أعد قادرًا على الاحتمال طلبت المغادرة على أساس أن لدي موعدًا في القاهرة، فطلبوا مني توزيع الحصص المخصصة لي على المدرسين الآخرين، وأبدى الجميع استعداده بروح عالية. وحين غادرت كان المرض قد حل بي بحيث لم أكن قادرًا على تحريك أي جزء من جسمي، بل كنت أحس وكأني أغيب تدريجيًّا عن الوعي، لدرجة أني كنت أرى أمير المنطقة الذي كان في وداعي وكأنه خيال أو شبح. وكان هناك طبيب المنطقة الذي أصر على أن يوصلني بسيارته، ورغم إحساسي الشديد بوطأة المرض، إلا إن الغريب الذي حدث أنه بمجرد مغادرة السيارة للمنطقة شعرت بعافية جديدة تهبط علي، وكأن كابوسًا قد انزاح عن صدري.

ثم وصلت إلى جدة حيث أقمت في بيت ابن عم لي لبضعة أيام، ثم سافرت إلى القاهرة، ومن مطارها انتقلت إلى بيت صديق يدعى عدنان الحاوي كان والده يعمل في “الهيئة العربية العليا”، وحين وصلته أخبرته بضرورة أن أرى الحاج “أمين الحسيني” وعلى وجه السرعة، وكان يقيم في ضاحية مصر الجديدة، فاتصل على الفور، وذهبت إلى الحاج أمين زعيم فلسطين لأحكي له عن المرارات التي يعيشها أبناء شعبنا في السعودية، وقلت أني قادم لأصرخ في وجوهكم جميعا، لماذا لا تتجمعوا؟، لماذا لا تلتقي قيادة الشعب الفلسطيني لتنظر في أمر شعبها والحالة التي يعيشها، وشرحت له كيف أن الجماهير الفلسطينية تأتي إلى السعودية بحجة الذهاب إلى الحج أو العمرة بعد بيع ما تملك، وذلك لأجل أن يصلوا السعودية لعلهم يجدون عملاً، فيعملون في أي موقع لشهرين أو ثلاثة. وحين كانت الشرطة تقبض على المتخلفين عن الحجيج كانوا يجمعونهم في مربعات، كل أربعة أشخاص في مربع، وذلك عند الكيلو رقم (10)، ويبدأون بضربهم بالسياط كي لا يعودوا.

وأقمنا تنظيمنا رغم المشاق

ورغم كل هذه المشاق المستحيلة، إلا أننا تمكنا من بناء تنظيمنا من مجموع المدرسين العاملين في السعودية؛ بحيث يمكن القول إن تنظيمنا هناك كان قد تأسس؛ إذ كان لدينا طليعة نشيطة في المنطقة الشرقية يقودها عبد الفتاح الحمود وكمال عدوان وأبو خالد سليمان وأبو العبد، ثم جاء ماجد أبو شرار وأبو علاء. وكنا ندعوهم إلى الكويت للتباحث معهم بشأن التنظيم.

ومن السعودية كنت قد انتقلت إلى الكويت، وكنت على اتصال دائم من خلال الرسائل مع الشهيد عبد الفتاح، وكان الشهيد كمال عدوان قد انتقل إلى قطر حيث كان هناك الشهيد محمد يوسف النجار وشخص آخر يسمى الدكتور محمود المغربي.

وكان هناك الأخ أبو مازن. إذن، فكان تنظيم المنطقة الشرقية قد تشكل، وكذلك تنظيم الدمام، ثم تنظيم قطر، وطبعًا تنظيم الكويت.

وكان تنظيم الكويت هو الأقوى والأكثر متانة، فكنا نقيم حوارًا مستمرًا مع هذه التنظيمات. وحين دعونا لتشكيل التنظيم الجامع وتأسيس حركة “فتح”، جاءت هذه التنظيمات وطلبت أن تكون في قيادة الحركة، فتم فعلاً اختيار الأخوين أبو مازن وأبو يوسف النجار.

أما الأخ كمال عدوان فقد رأينا تأخير عضويته للجنة المركزية؛ لأننا خشينا أن يكشف عملنا بسبب كثرة حواراته وعلنيتها.

إذن هنا تكون هذه الروافد قد تجمعت في النهر، وتم تشكيل حركة “فتح” كطريق حر للاستقلال الفلسطيني.

!!!!!

الضفة الغربية.. خريطتنا التنظيمية

كمدرسين في الكويت كنا نستغل كل إجازة نحصل عليها، مثل إجازة نصف السنة أو إجازة عيد الأضحى، أو حتى إجازات طارئة، لننتقل إلى أقطار أخرى لنتابع أوضاع التنظيم هناك، وكنت أكثر من يأخذ الإجازات بين الإخوة.

في عام 1960 و1961 لا أذكر تحديدا الآن، انتقلت من الكويت إلى عمان التي كانت تعيش حالة تمرد على الإطارات الحزبية، وكان الأخ أبو ماهر يقيم فيها، وبمجرد أن أصل تبدأ الاتصالات الحزبية مع كافة المجموعات فنقيم الحوارات، وننتقل في مدن الضفة الغربية من مدينة إلى أخرى، فمثلاً كان ضابط اتصالنا في مدينة طولكرم الأخ حلمي الصباريني، الذي شكل مركز اتصال مهم في تلك المنطقة.

وفي عام 1962 عدت إلى الضفة الغربية؛ حيث كنا قد تمكنا من بناء تنظيم متماسك في منطقة الخليل، وكان يتكون من حوالي أربعين عنصرًا.

وكانت توجيهاتنا إلى تنظيم الخليل بالعمل الحثيث على شراء وتخزين السلاح، وأذكر أننا قمنا في إحدى المرات بشراء اثنان طن من المواد المتفجرة من العقبة، وأثناء نقلها إلى أماكن التخزين صادفت المجموعة نقطة تفتيش، فتم اكتشاف المواد مما أدى إلى اعتقال المجموعة وحبسها لمدة طويلة، وقد قمنا بإجراء الاتصالات مع السلطات؛ حيث أوضحنا لهم هدف المجموعة من المتفجرات، وهو تدبير عملية لنسف مقر الفرن الذري الإسرائيلي. وقد اقتنعت السلطات فعلاً بما قلنا لهم حيث أفرج عن المجموعة فيما بعد.

وقد استمر عملنا التنظيمي في الضفة الغربية بكثافة وسرعة، وأنجزنا أكثر مما توقعنا، وربما يعود هذا إلى تعطش الحالة الجماهيرية لنمط جديد من العمل يقوم أساسا على مبدأ الكفاح المسلح ضد العدو الصهيوني.

وفي تلك الفترة تعددت زيارات الأخ أبو عمار إلى الضفة الغربية؛ حيث بدأ في العمل على إعادة بناء الهيكل التنظيمي وترسيخه وتحديد أسسه.

واستمر عملنا في الأقاليم الأخرى كذلك، ففي سوريا تمكنا من توفير ضباط اتصال هناك، فكان لنا الأخ محمود الخالدي والأخ عبد الله عبد الكريم اللذان قاما بدور مهم في إجراء الاتصالات واللقاءات بين المجموعات بهدف تثبيت أسس التنظيم.

وفي الكويت حيث كان الوصول إلى هناك صعبًا بسبب صعوبة الحصول على تأشيرة الدخول، كان لـ “فتح” مواقعها المهمة في الإدارة الكويتية بحيث كان من الممكن تقديم كافة التسهيلات، فقد كان الأخ خالد الحسن مثلاً يشغل موقع السكرتير العام للمجلس البلدي لمدينة الكويت، وهو موقع بالغ الأهمية في تلك الفترة، حتى إن معظم شخصيات الكويت ورجالاتها كنت تجدها دائمًا في مكتبه؛ فيكفي أن يشير أو يجري اتصالاً تليفونيًّا للحصول على كل ما يريد دون أي تأخير. كذلك كان الأخ هاني القدومي يشغل موقع السكرتير الأول لأمير الكويت وبمجرد أن يجري اتصالاً يكون اسمي مسجلاً في المطار، وأدخل الكويت دون عقبات.

مثل هذه الظروف كانت تطبع تنظيمنا في الكويت الذي كان يتميز بمرونة أكبر بحكم سهولة تحركه نسبيًّا.

ورغم أن اتصالاتنا كانت محدودة على مستوى الشخصيات الكويتية، إلا إننا حاولنا إجراء مثل هذه الاتصالات؛ حيث قام أبو عمار وأنا وأبو يوسف عميرة باللقاء مع بعض الشخصيات الكويتية؛ حيث قدمنا لهم تعريفا بأنفسنا بأننا تنظيم وطني فلسطيني ونملك إمكانية التنفيذ وبدء العمل، لكننا نعاني من قلة الإمكانيات، فبدلاً من أن ننتظر خمس سنوات أخرى لتوفير هذه الإمكانيات، فإننا نقترح أن يقوموا هم بتقصير هذه المدة، وذلك من خلال تقديم قرض لنا كي نبدأ العمل، على أن نقوم بتسديد القرض فيما بعد، وقلنا لهم أننا نوافق على كافة الشروط التي يفرضونها، وكان الجواب المؤسف: “إذا بدأتم فلكم ما تريدون، أمَّا قبل ذلك فنحن آسفون”. وربما شكل مثل هذا الموقف حافزًا إضافيًّا لنا على المواصلة والاستمرار.

وفي بلاد المغرب العربي شكلنا الخلايا كذلك؛ حيث كانت ليبيا مثلاً أرضا خصبة لعملنا، فلعبت لجنة نصرة الجزائر دورًا مهمًا في بناء تنظيمنا هناك، فتحولت إلى لجنة نصرة فلسطين إلى جانب نصرة الجزائر، وقد لعب الدور الأهم في هذا الإقليم الأخ أبو نبيل السراج. وقد بدأ العمل حثيثا في هذا الإقليم في سنة 1963، لذا فحين بدأت الانطلاقة، فإن أول دفعة مساعدات وصلتنا كانت من هذا الإقليم، وكانت تبلغ 30,000 دينار، وكان مبلغًا مهمًا في ذلك الوقت، حيث إن موازنتنا الشهرية لم تزد قبل ذلك عن 800 دينار، حيث كنا نحاسب على “البوط الواحد، وأذكر أنه عندما كنا نرسل دورية إلى الأرض المحتلة، يرصد لكل عضو في الدورية أربعة “أبواط”، وكانت قيمتها عشرون دينار، وكانوا يعتبرون ذلك إسرافا.

العلاقة مع الصين الشعبية

في هذا الوقت استمرت علاقتنا مع الصين الشعبية في تصاعد، ويذكر في هذا الشأن أنه في أعقاب المؤتمر الوطني الفلسطيني الأول أرسل السيد أحمد الشقيري يطلب من “شو إن لاي” تحديد موعد لزيارة له إلى الصين، فوجهت له الصين الدعوة وذهب إلى هناك على رأس وفد كبير ضم عددًا من الشخصيات مثل رفعت النمر وعبد المجيد شومان..إلخ. وأعلن الصينيون للوفد تأييدهم الكبير لحقوق الشعب الفلسطيني، فكان أن طلب منهم فتح مكتب لمنظمة التحرير الفلسطينية في بكين فوافقوا. بعد ذلك قمنا نحن بزيارة إلى الصين بوفد ضمني والأخ أبو اللطف والأخ محمود بسومي الذي كان عضوا في اللجنة المركزية لحركة “فتح.” قابلنا شو إن لاي فوجدنا أن لقاءهم لنا يشوبه بعض الجمود، فقمنا بشرح صورة الوضع الفلسطيني كما هو عليه، وكذلك صورة الوضع العربي والتأثيرات الضخمة لهذا الوضع على منظمة التحرير، وطلبنا منهم موقفًا واضحًا استنادًا إلى هذا الشرح، فأمهلونا بعض الوقت، ثم جاؤوا ليبلغونا ترحيبهم الشديد بالعلاقة معنا وبأسفهم لسوء الفهم الذي حدث، وكذلك استعدادهم لتطوير العلاقات معنا، فطالبنا بدعمهم، فقدموا لنا دعما للمرة الأولى، وذلك كمساعدة مالية بلغت ما قيمته 7000 جنيه إسترليني. ثم قدموا بعد ذلك (400) بندقية، ثم تطور الدعم تدريجيًّا؛ حيث قدموا لنا عام 1968 دعما يكفي لـ 2000 مقاتل، وفي عام 1969 دعمًا يكفي لـ 7000 آلاف مقاتل، وفي عام 1970 قدموا لنا دعمًا يكفي لـ 14000 مقاتل، ثم دعما لـ 15000 مقاتل وصلت إلى العراق، فقام المنشق أبو نضال بمصادرتها، وبعد ذلك قدموا لنا دعما ما يكفي لـ 30000 مقاتل. وقد استمرت العلاقة معهم في تطور بمثل هذا المستوى إلى أن تمكنت “فتح” من السيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية، فقمنا بفتح مكتب للمنظمة في بكين.

العلاقة مع الاتحاد السوفيتي

بدأت علاقتنا مع موسكو متأخرة، ويعود ذلك إلى موقف من الاتحاد السوفيتي غذته التقارير المغلوطة التي كانت تصله.

صديقنا رئيس وزراء فيتنام الشمالية الرفيق “فان دونج” الذي قال حين سألناه عن كيف تمكنت فيتنام من أن تقيم علاقات متكافئة مع كل من الاتحاد السوفيتي والصين: “عندما أذهب إلى الصين أشكر الرفاق في الاتحاد السوفيتي أولاً ومن على أرض الصين، ثم أشكر الرفاق في الصين، وحين أذهب إلى موسكو أشكر الرفاق في الصين أولاً ومن على أرض الاتحاد السوفيتي، ثم  أشكر الرفاق في الاتحاد السوفيتي، كما أني أكون واضحًا مع الطرفين”، كان هذا درسًا ثمينًا لنا. وبعد عودتي من الصين طالبت بضرورة أن نعيد طرق باب الاتحاد السوفيتي لإقامة العلاقة معه، واستمرت المحاولات إلى أن ذهب الأخ أبو عمار عام 1969 بصحبة الرئيس جمال عبد الناصر إلى الاتحاد السوفيتي وبجواز سفر مصري؛ حيث طلب السوفيت من عبد الناصر هناك الالتقاء مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، والتقى أبو عمار فعلا بوفد سوفيتي يضم أربعة أعضاء. وبعدها، وخلال زيارة لي إلى فيتنام وكان معي الأخوان أبو خالد اليشرطي وأبو خالد الصيني، نزلنا في مطار موسكو، فكان أن استقبلنا السوفيت بحفاوة في المطار، وطلبت لجنة التضامن الآسيوي الأفريقي الاجتماع بنا، فأقمنا أطول محادثات رسمية عقدت بين “فتح” والاتحاد السوفيتي، وأذكر أنها استغرقت ما يقرب الـ سبعة عشر ساعة متواصلة، وقد دار الحوار في أساسه حول قرار مجلس الأمن (242)، وأذكر أنهم قالوا لنا: “أليس الأفضل لكم أن تحاربوا من طولكرم على سبيل المثال من أن تحاربوا من الخارج”؟

وفي سياق هذه العلاقة يمكن القول إن بعض القوى السياسية المحلية تتحمل مسؤولية أساسية في تأخير إقامة علاقة لنا مع الاتحاد السوفيتي، فتارة يقولون لهم إننا بقايا أحزاب منقرضة، وتارة إننا عصابات مسلحة لا أكثر، وتارة عناصر رجعية. واستمر هذا الوضع حتى عام 1971 حين كان أركان السفارة السوفيتية في عمان يقومون بزيارتنا بصورة منتظمة في جرش وعجلون.

نحن والأنظمة العربية

في مرحلة ولادة “فتح” كانت الكثير من الأنظمة العربية تحدس وكأن شيئا ما سيلد، لكنها تجهل تمامًا ماهية هذه الولادة أو طبيعتها، وعند الولادة كانوا يتحدثون عن وجود منظمة كبيرة تدعى “فتح”، لكن أحدًا منهم لم يعرف كنهها أبدا. إذ كانت السرية في “فتح” في تلك المرحلة مطلقة؛ لأننا كنا نعرف سلفا أن الهدف الأساسي لهذه الأنظمة حين تكشف سرية “فتح” هو محاولة اختراقها والتأثير في اتجاهها وقرارها تمهيدًا للسيطرة عليها.

لذا، فقد أصبح الخيار الوحيد أمام الأنظمة هو تشكيل منظماتها التابعة لها، والتي تحمل اللافتات الفلسطينية والثورية والتي ستكون عينا لها لتعرف بها ماذا يجري في “فتح”، ولكن الكثير من هؤلاء المكلفين باختراق “فتح” كانوا يأتون لنا ليخبرونا بمهمتهم.

هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فنحن قد حاولنا ونجحنا في إقامة علاقات مع الأنظمة، وقمنا بوضعها في صورة تحركاتنا، فنحن نعرف أن العمل الفلسطيني بحاجة موضوعية إلى العلاقة العربية ومع السلطات الحاكمة، خاصة في الدول المحيطة بفلسطين.

فمثلاً كان هناك سعي من جانبنا في سنوات قبل الانطلاقة لتكون مصر في صورة ما يحدث، ومثل هذا السعي كان يستند إلى بيان “حركتنا” الصادر عن اللجنة المركزية العليا للحركة، والذي ينص على: “أن الحركة ستقبل العون غير المشروط من المصادر النظيفة، وستمضي في طريقها مستنيرة بآراء المخلصين في دنيا العرب، غير تابعة، ولا خاضعة أو موجهة، مدعومة بقوة الشعب العربي في كل مكان”.

وقد أجرينا العديد من الاتصالات واللقاءات في مصر، حتى تكون “مصر” على معرفة بالتيار الوطني المتمثل بحركة “فتح”، فلا تختلط معرفتها بتفسيرات بعيدة عن الحقيقة.

أمَّا في سوريا فقد كان الضغط على شبابنا هناك هائلاً ومرعبًا لدرجة أن الانتساب إلى ناد رياضي كان يكلف صاحبه السجن. ثم جاء حزب البعث إلى السلطة، وقد كنا على صلة مع مجموعة من الضباط كان لهم دور كبير في تسيير الأحداث بعد الانفصال عن الجمهورية العربية المتحدة، وقد تعمقت الصلات بيننا وبينهم لدرجة أننا كنا على اطلاع مستمر وتفصيلي بكل ما يحدث في سوريا، وكانوا هم بدورهم على إطلاع بأننا نقوم بتشكيل الحركة.

ثم قام الانقلاب العسكري على الانفصال، وذلك في أعوام 1963 و1964، فعززنا علاقتنا مع الضباط الذين وصلوا إلى السلطة، فعملنا على ترتيب استقبال السلاح القادم لنا من الجزائر، وكان زياد الحريري حينذاك رئيسا للأركان، وتم الاتفاق بينه وبين الرئيس بن بيلا على إرسال السلاح إلى حركة “فتح”. ولكن حدث وهو في طريق العودة أن منعت طائرته من الهبوط في مطار دمشق؛ إذ إن انقلابًا كان قد حدث ضد الحكم القائم.

ثم قمنا بعد ذلك بالاتصال بالقيادتين القطرية والقومية للحزب الحاكم، وتمكنا في عام 1965 من استقبال أول شحنة أسلحة قدمت إلينا من الجزائر.

أمَّا في العراق فقد زرنا العراق في عهد الرئيس عبد الرحمن عارف، وأقمنا مع الحكم هناك علاقات جيدة كوننا حركة وطنية فلسطينية سوف نبدأ قريبا بالعمل، ثم أقمنا لجنة للتضامن مع فلسطين وكان يرأسها السيد أحمد حسن البكر. وبعد أن أصبح البكر رئيسًا للجمهورية قام بإغلاق مكاتبنا.

وفي ليبيا كانت لنا اتصالات جيدة مع الشعب والحكومة في عهد الملك إدريس السنوسي، وذلك عن طريق أخت فلسطينية من عائلة الدجاني تعمل هناك.

ومن الجزائر جاءنا دعم قدمه المرحوم محمد خيضر.

وهكذا كنا قد تمكنا قبل الانطلاقة من بناء شبكة واسعة نسبيًّا من العلاقات على الصعيدين الإقليمي والدولي.

!!!!!

الانطلاقــــــة

كان الشاغل الرئيسي لنا في لحظة انطلاقة “فتح” يتمثل بالتساؤل عن كيفية ممارسة عمل ثوري متواصل ومستمر؟، فلا يكون عبارة عن هبة عاطفية عارضة تطوى مع انطواء لحظات الحماس العاطفي.

وللإجابة على هذا السؤال المركزي كنا نعمل باتجاهين:

الأول ويقوم على جمع أكثر ما نستطيع من إمكانيات بغية شراء السلاح، وتجهيز أكثر ما يمكن من الرجال، وتدريبهم، وإعدادهم لممارسة العمل الثوري، والثاني يقوم على المزيد من البناء التنظيمي في الوطن العربي والعالم.

وهنا لابد أن نشير إلى الدور الهام الذي لعبته المجموعة الفتحوية في أوروبا، وكان يمثلها الإخوة: هاني الحسن، حمدان، هايل عبد الحميد، حيث إن المناخ السياسي السائد هناك ساعد على أن تقوم المجموعة بعمل واسع على صعيد بناء التنظيم ورفد المركز بالطاقات والكوادر المثقفة.

منطقا الانطلاقة

وقد كان هناك منطقان أو وجهتا نظر فيما يتعلق بالانطلاقة:

وترى الأولى ضرورة أن نبدأ العمل بالإمكانيات التي نملكها وبما لدينا من طاقات، على أساس أن الانطلاقة بذاتها سوف تفتح الأبواب المغلقة أمامنا، وذلك من خلال التجاوب الشعبي مع حركتنا بعد أن جسدت الحركة الشعارات التي طرحتها. ووجهة النظر هذه كانت تعتقد أن التطور الخاص ببنيتنا العامة سيكون من خلال الممارسة والتجارب، ولذلك ليس من الواجب الانتظار حتى حدوث هذا التطور أو حتى توسع الإمكانيات.

أمَّا وجهة النظر الثانية فترى عكس ذلك؛ إذ كان يعتقد أصحابها أنه لا بد من توفير الكثير من المال والسلاح والعنصر البشري قبل البدء وقبل إعلان الانطلاقة، وذلك حتى نكون قادرين على تحمل نتائج الخطوة إذا ما كان هناك ردود فعل. ووجهتا النظر في رأيي كانتا سليمتين وتنبعان من الحرص الوطني على الحركة ومسيرتها، وقد جرى نقاش موسع وطويل بين وجهتي النظر، إلى أن تمكنت وجهة النظر الأولى من التغلب. والذي دعم هذه الوجهة هو أن الفترة السابقة على الإعلان كانت قد شهدت عملاً كثيفًا على كافة المستويات العسكرية والسياسية والتنظيمية، وقد ورد في إحدى الوثائق التاريخية عشية الإعلان عدد من النشاطات جاء ذكرها في سياق تعميم أصدرته “لجنة المراقبة العامة”، وجاء فيه:

تحية الثورة والعودة،

ترفع قيادات الحركة ما يلي:

أولاً: دعت اللجنة المركزية العليا إلى اجتماع عسكري سريع لهيئة أركان حرب الثورة، وقد دام هذا الاجتماع أكثر من ثلاثة أيام، وخرج بقرارات هامة جدًّا بالنسبة لأوضاع الحركة العسكرية، والظروف التي تمر بها قضيتنا في جميع مجالاتها.

ثانيًا: تحرك ضابط اتصال على مستوى خاص للاتصال بالزملاء في كل من ليبيا والجزائر وبيروت ودمشق وبغداد، وقد جرت محادثات على جانب كبير من الأهمية مع هذه المناطق، وتبودلت فيها الآراء حول العمل من جميع جوانبه.

ثالثًا: جرت محادثات ومباحثات بين الحركة والمسؤولين الجزائريين.

رابعًا: جرى اتصال بين الحركة والشقيري في كل من ليبيا وتونس والجزائر تبودلت أثناءها كثير من المسائل الخاصة بقضية فلسطين. وقد اتفق على أن تستمر هذه الاجتماعات في المستقبل؛ إذ اتفق على أن يكون هنالك اجتماع يرتب بين الشقيري والحركة في بلد عربي تم الاتفاق عليه.

خامسًا: قامت الحركة بالاتصال بالمسؤولين العراقيين في بغداد، وقد جرت مباحثات على جانب كبير من الخطورة والأهمية حول أوضاع القضية الفلسطينية، والحلول التي ترتأيها الحركة لحل القضية.

سادسًا: تقدمت لجنة منطقة الكويت باقتراحات مالية، وقد دعمتها بحلول عملية. وقد وجدت هذه الاقتراحات صدى طيبا لدى جميع الزملاء في كل المناطق، والحركة تشكر لجنة الكويت على هذه المقترحات العملية.

سابعًا: قامت لجنة ليبيا بنشاطات ضخمة في كثير من مجالات العمل، والحركة تحمي النشاطات الثورية التي تقدمها لجنة منطقة ليبيا، لدفع عملنا الثوري لتحرير وطننا السليب.

ثامنًا: جرت اجتماعات على مستويات مختلفة في الكويت بين مندوبي المناطق في كل من سورية وقطر وبيروت وغزة والكويت، بحثت فيها أمور هامة، وتبودلت أثناءها الآراء والاقتراحات، وقد رفعت نتائج هذه الاجتماعات إلى قيادات الحركة.

والحركة ترجو أن تتكرر مثل هذه الاجتماعات بصفة دورية ودائمة للفوائد الضخمة التي تترتب عليها والنتائج الطيبة التي نجمت عنها.

تاسعًا: علمت قيادات الحركة بما جرى بين كل من منطقة الكويت ولجنة منطقة قطر والترتيبات الجديدة التي جرت، وترحب دوما بمثل هذه الفعاليات التي أحدثتها هذه اللقاءات، وترحب كثيرًا بنتائجها، وتطلب من الإخوة في قطر تقديم فعالياتهم الثورية في أقرب فرصة.

“وعاشت فلسطين عربية حرة”

فتح

كان لابد إذن، وبعد هذا التأسيس الكثيف للعمل الشامل، وبعد أن أصبحت مجريات الواقع نفسها تحتم الإعلان عن نشأة الاختيار الفلسطيني الجديد، كان لابد لحركة “فتح” وقواتها “العاصفة” أن تعلن عن نفسها كي تفتح أمام شعبها الطريق الذي أغلقته سياسات الإلحاق والتبعية والإلغاء للكيان الفلسطيني والشخصية الفلسطينية وهكذا صدر البيان الأول عن “القيادة العامة لقوات العاصفة” يوم 1/1/1965 وكان نصه كالتالي:

“بسم الله الرحمن الرحيم

“بلاغ عسكري رقم (1)

“اتكالاً منا على الله

وإيمانا منا بحق شعبنا في الكفاح لاسترداد وطنه المغتصب

وإيمانا منا بواجب الجهاد المقدس

وإيمانا منا بالموقف العربي الثائر من المحيط إلى الخليج

وإيمانا منا بمؤازرة أحرار وشرفاء العالم

لذلك فقد تحركت أجنحة من قواتنا الضاربة في ليلة الجمعة 31/12/1964 -1/1/1965 وقامت بتنفيذ العمليات المطلوبة منها كاملة ضمن الأرض المحتلة. وعادت جميعها إلى معسكراتها سالمة.

“وأننا لنحذر العدو من القيام بأية إجراءات ضد المدنيين الآمنين العرب أينما كانوا، لأن قواتنا سترد على الاعتداء باعتداءات مماثلة. وستعتبر هذه الإجراءات من جرائم الحرب.

كما وأننا نحذر جميع الدول من التدخل لصالح العدو وبأي شكل كان؛ لأن قواتنا سترد على هذا العمل بتعريض مصالح هذه الدول للدمار أينما كانت”.

عاشت وحدة شعبنا

“وعاش نضاله لاستعادة كرامته ووطنه”

القيادة العامة لقوات العاصفة

ثم تبعه البيان الثاني وكان نصه كالتالي:

بسم الله الرحمن الرحيم

بلاغ عسكري رقم (2)

صادر عن القيادة العامة لقوات العاصفة

“تلبية لنداء الواجب المقدس تجاه وطننا السليب، وإيمانًا منا بحقنا المغتصب وبأن السبيل لاسترجاعه هو الثورة المسلحة فقد تحركت قواتنا في أرضنا المحتلة كما يلي:

1- قامت قوة ضاربة من المجموعة الأولى من الجناح الثالث بمهاجمة العدو ومنشآت تحويل نهر الأردن، واستطاعت هذه القوات أن تصيب أهدافها المحددة لها في كل من نفق عيلبون وسهل البطوف. وقد استشهد في هذه العملية مناضل واحد انضم لإخوانه في قائمة البطولة والشرف.

2- اصطدمت قوة من المجموعة الثالثة بمفرزة من جنود العدو على طريق بئر السبع إيلات، وقد قتل ثلاثة من جنود العدو في هذه العملية. وعادت القوة إلى  قواعدها سالمة.

3- تحركت قوة من المجموعة الثالثة ونسفت خزان المياه ومحطة للضخ في بيت نخاس في المنطقة الجنوبية، وعادت القوة إلى قواعدها سالمة.

4- تحركت قوة من المجموعة الثانية (الجناح الأول) ونسفت جسرًا على طريق عكا المنصورة”.

“عاشت وحدة النضال لشعبنا المناضل

“عاشت فلسطين حرة عربية”

القيادة العامة لقوات العاصفة

وتتابعت البيانات العسكرية الصادرة عن قيادة قوات العاصفة مما أثار عاصفة من التساؤلات والاستفهامات، وهنا كان لابد من صدور البيان السياسي لكي يجيب عن الأسئلة فصدر يوم 28/1/1965 بيان سياسي هام صادر كذلك عن “القيادة العامة لقوات العاصفة”، وقد حمل هذا البيان ملاحظات ثلاث أساسية لابد من تثبيتها كي يكون ممكنا لكادرنا ومقاتلنا الآن من إدراك الخطوط الأساسية للبنية العامة التي قامت واستمرت عليها حركة “فتح”:

1- أن من أطلق الرصاصة الأولى يدرك تمامًا الأبعاد الواسعة لمثل هذه الرصاصة، فهي ليست مجرد رصاصة أطلقت، بل إن انعطافًا رئيسيًّا قد حدث الآن في تاريخ الشعب الفلسطيني وفي تاريخ المنطقة العربية.

2- إن الانطلاقة ليس إلا لحظة البدء للحرب التحريرية ذات المنهج المخطط والمدروس، ولذا فالأمر لا يحتمل الجدل، بل لابد من التقدم دومًا نحو توسيع الانطلاقة كي تصل إلى مستوى الحرب، وبالتالي فإن قيادة “فتح” كانت تدرك منذ التأسيس ومنذ اللحظة الأولى أن الصراع مع الدول ليس حربًا خاطفة، بل لابد من تهيئة الذات لحرب طويلة المدى وشاقة ومريرة.

3- إن من الممكن دائمًا المزاوجة بين العمل العسكري والتنظيمي الذي قدمت “فتح” نموذجًا منه سوف يستمر ويتصاعد وبين العمل الرسمي الفلسطيني والعربي؛ لأن الكفاح من أجل فلسطين يصب في مجرى واحد يبتدئ وينتهي باجتثاث الخطر الصهيوني من على أرضنا كما يقول البيان.

وكوثيقة تاريخية لها دلالاتها العميقة ورؤيتها التي أثبت الواقع صحتها نورد نصها فيما يلي:

“القيادة العامة لقوات العاصفة”

بيان سياسي هام

“لقد مرت ستة عشر عامًا على شعبنا وهو يعيش بعيدًا عن قضيته التي قبعت في أدراج الأمم المتحدة كقضية لاجئين مشردين بينما العدو يخطط بكل إمكاناته على الصعيدين المحلي والدولي لإقامة طويلة الأمد في بلادنا متجاهلاً شعبنا الفلسطيني البطل.

ومن وحي هذا الواقع السيئ، ولأن عامل الزمن يسير وفي اتجاه مضاد انطلقت قوات العاصفة لتؤكد للعدو وللعالم كله أن هذا الشعب لم يمت، وأن الثورة المسلحة هي طريق العودة والنصر.

إن قوات العاصفة المنبثقة من إرادة الجماهير الفلسطينية الثائرة لتدرك إدراكًا تامًا أبعاد المعركة سياسيًّا وعسكريًّا، وهي تعمل متخطية كل الظروف والعقبات معتمدة على قوتها الذاتية وطاقات شعبنا العربي.

يا جماهير شعبنا الصامد المجاهد هذا طريقنا وهذه مسيرتنا إن الموقف جد لا هزل فالشهداء قد تساقطوا والدماء قد أريقت فلنرتفع إلى مستوى المسؤولية.. مسؤولية المعركة الشريفة؛ لأن هذه الانطلاقة ما هي إلا بداية لحرب تحريرية ذات منهج مخطط مدروس.

ويهمنا في هذه المرحلة التاريخية الحرجة أن نعلن بوضوح تام أن مخططاتنا في الميدانيين العسكري والسياسي لا تتعارض مع المخطط الفلسطيني والعربي الرسميين في المعركة؛ لأن الكفاح من أجل فلسطين يصب في مجرى واحد يبتدئ وينتهي باجتثاث الخطر الصهيوني من على أرضنا، وأننا لنناشد الأمة العربية وقادتها أن يرتفعوا بمسؤولياتهم إلى المستوى القومي الملتزم فمعركتنا مع إسرائيل معركة ضارية لابد لها من الاستعداد والاستنفار. أمَّا نحن فلقد تحركنا من منطلق فلسطيني مرتبط بتربة الوطن وخيره يدفعنا إيماننا بأن هذا هو الطريق السليم لإخراج قضيتنا من الدوامة التي عاشت فيها معتمدين على أمتنا العربية وكفاحها المشترك والقوى التحررية في العالم ولن يوقف هذا الزحف حتى يرفرف علم فلسطين فوق أرضنا الغالية مهما كانت التضحيات.

وأننا لنعاهد شعبنا على الاستمرار في هذا الطريق وألا نلقي السلاح حتى يتحقق النصر.

وبهذه المناسبة تتوجه قوات العاصفة بالشكر لجميع وسائل الإعلام العربية من إذاعات، وصحافة، وأقلام حرة شريفة، والتي تفهمت موقفنا وساندت بكل إخلاص في انطلاقتنا المباركة. كما نشيد بموقف المنظمات والهيئات الفلسطينية والعربية التي قامت بتأييدنا ووقفت إلى جانبنا. وإن الشعب العربي مطالب بتأييد هذه الانطلاقة وبذل المزيد من الدعم المادي والمعنوي حتى نحقق أهدافنا في العودة والحرية”.

“عاشت أمتنا العربية البطلة”

“عاشت فلسطين عربية حرة”

القيادة العامة لقوات العاصفة

28/1/1965

ثم عقب ذلك صدور بيان سياسي عن حركة “فتح” أو لجنة التوجيه الوطني فيها من أجل تدعيم بيان قوات العاصفة أكد مرة أخرى المدى الهائل للوعي الذي انبثق منه هذا العمل؛ إذ أكد البيان قبل أي شيء آخر أن قوات العاصفة قد فتحت “أمام جماهيرنا أبواب التاريخ” وكم كان هذا التعبير صادقًا وحقيقيًّا وممتلئًا بالدلالات التي تؤكد حجم المصداقية والواقعية السياسية الفذة التي انبثقت عنها انطلاقة “فتح” وهنا نص البيان:

لجنة التوجيه الوطني

“فتح”

بيان هام

“العمل المسلح هو الطريق لاسترداد الوطن السليب والتعبير العملي الواعي عن إرادة شعبنا المصممة على الثورة والعودة، وكل من سلك هذا الدرب سار في طريق الحياة والنور فاتحًا أمام جماهيرنا المشردة المحرومة باب التاريخ الواسع لتدخله قوافل الثوار والشهداء.

في الأيام القليلة الماضية طالعتنا الصحف ووكالات الأنباء العالمية واعترف العدو بأن الفدائيين الفلسطينيين (قوات العاصفة) قاموا في الآونة الأخيرة بضرب مشروع التحويل الصهيوني ونسف المنشآت البترولية بالإضافة إلى أعمال تدميرية متفرقة على الأرض المحتلة.

إن الطريق الذي سلكته (قوات العاصفة) هو الطريق الثوري السليم ولا يسعنا في زحمة هذه الأعمال والأحداث والملابسات إلا أن نحيي بإجلال هؤلاء الأبطال ونحيي نضالهم المسلح، ونهيب بجماهيرنا الصامدة أن تقف درعًا فولاذيًّا لحمايتهم ومساندتهم بقوة وصلابة.

لقد فتحت قوات العاصفة أمام جماهيرنا باب التاريخ ليسجل أروع البطولات وأعظم الانتصارات في معركة المصير والعودة. ولجنتنا تجد نفسها ملزمة بتحديد موقفها الإيجابي بوضوح تجاه هذه الأعمال البطولية.

لذلك تعلن لجنتنا إلى جميع أعضائها وإلى الشعب العربي الفلسطيني وإلى الأمة العربية تأييدها الكامل لهذه المنجزات الثورية التي حققتها (قوات العاصفة).

وتطلب من جميع الأعضاء في لجنتنا أن يجهروا بتأييدهم لهذه الأعمال الثورية وللأسلوب الثوري المتبع في تحقيقها.

إن هذه الأعمال البطولية هي الكفيلة بتعميق الوعي الثوري للجماهير العربية لترتفع بقضيتها إلى مستوى الثورة المسلحة الشاملة.

إننا نرى في هذه الأعمال ما دامت في إطار التحرير، والثورة الشاملة بداية سليمة لتطوير الأوضاع العربية، وتوحيد الجهود الفلسطينية، عملاً، وتخطيطًا، وقيادة على مستوى الثورة الواعية.

“والنصر لشعبنا الثائر… والموت لأعدائنا

“وعاشت جماهير شعبنا الثائرة على درب العودة والثورة المسلحة”

 

 

التفرغ للعمل الثوري

على أثر هذه النقلة النوعية في مسار حركتنا غادرت الجزائر وبدأت بالتفرغ للعمل الثوري بين دمشق وبيروت، وكان الأخ أبو عمار يعود إلى الكويت بعد انتهاء إجازته، وبعد عدة أشهر اتصلت بالشهيد أبو صبري والشهيد أبو علي إياد ومنهل شديد وأحمد الأطرش الذين كانوا في الجزائر وجاءوا إلى بيروت متفرغين للعمل الثوري.

وصرنا جميعا ننشر شعارات “فتح” ونعممها في الشارع الفلسطيني والعربي والقائمة على المناداة بالكفاح المسلح كراية أساسية في المسيرة، وبالكيان الثوري والوحدة الوطنية والتخلي عن الارتباطات الحزبية والاتجاهات الجانبية، ثم رفع الوصاية العربية عن الشعب الفلسطيني ليكون قادرًا على التحرك بإرادته وبقراره المستقل. وكان أن وجدت الشعارات صدى واسعًا لدى جماهير شعبنا حيث بدأنا نشهد التدفق البشري نحو “فتح”.

قساوة ردود الفعل على الانطلاقة

من الغريب أن تميزت ردود فعل القوى الفلسطينية تحديدًا بقساوة غير منطقية على انطلاقة “فتح”، فقد كالت “حركة القوميين العرب” الاتهامات ذات اليمين وذات الشمال، وأذكر على سبيل المثال أن “رفعت عودة” كتب مقالاً في مجلة “الهدف” هاجم فيه مبدأ الكفاح المسلح لمجرد أن “فتح” رفعته شعارًا إستراتيجيًّا لعملها الثوري.

ورغم أن حزب البعث العربي في سورية قد استقبل انطلاقتنا بحفاوة ملموسة إلا إن الفرع الفلسطيني في الحزب أثار ضدنا الحملات.

ولكن موقف حزب البعث السوري لم يستمر كما هو إذ سرعان ما تغير بعد حادثة الشهيد يوسف عرابي والشهيد محمد حشمة، وقد شنت ضدنا حينذاك حملة مليئة بالحقد، وقد تم اعتقالنا في العام 1966. ولم يكن هذا كله إلا بسبب أننا حققنا بعض الخطوات على طريق الكفاح المسلح في حين أنهم كانوا يريدون احتكار الكفاح لأنفسهم، ومع الأسف أنهم لم يفعلوا.

أما “حركة القوميين العرب” فقد تغير موقفها هي الأخرى، وأذكر هنا أن مؤتمرًا لجناحها الفلسطيني عقد عام 1966 كانت قضيته الرئيسية هي انطلاقة “فتح” وتليت تقارير في هذا المؤتمر تعترف أن “فتح” قد تمكنت من سحب القواعد الشعبية من صفوفنا، فلابد إذن من تشكيل فريق فلسطيني يمارس الكفاح المسلح كما تمارسه “فتح” وقبل أن تنهي “فتح” وجودنا تماما. وهكذا تم البدء بتنظيم “أبطال العودة” الذي تطور فيما بعد إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

أمَّا نحن فقد تلخصت ردود فعلنا على مثل هذه الحملات بترداد إيماننا الكلي بأن الكيان الثوري هو الذي يتجسد في النضال والثورة المسلحة على الأرض الفلسطينية، وإيماننا الكلي أن من يفجر العمل المسلح سيقود الساحة الفلسطينية ويتولى زمام القيادة. والقضية الأخرى المهمة التي شكلت ردود فعلنا هي اعتقادنا بأنه حين تكون هناك علاقات مع الأنظمة العربية فيجب أن تنطلق هذه العلاقات من القوة الفلسطينية ومن الاستقلالية الفلسطينية وطرحنا شعارنا: “لا خاضعة ولا تابعة أو موجهة إلا من شعبنا”.

ونأسف أن نقول الآن أن مثل هذا الجدل استمر سائدًا فترة طويلة، وربما هو سائد إلى اليوم، فنحن ندافع عن منطقنا، والبعض لا يجد إلا الهجوم وترتيب الحملات على هذا المنطق.

!!!!!

“فتح” ومنظمة التحرير الفلسطينية

لا نخفي على أحد القول إنه منذ اللحظة الأولى لنشوء منظمة التحرير الفلسطينية على يد الأطراف العربية الحاكمة، كنا لا نعتبرها إلا محاولة لقطع الطريق على الإرهاصات الثورية التي يحبل بها الشارع الفلسطيني بعد سكون وضم وإلحاق ما زاد على ستة عشر عامًا.

ولا نخفي على أحد القول إنه رغم تقييمنا هذا للمنظمة ولدورها الخفي، إلا إننا اعتبرنا أنها إطار رسمي يحوز شرعية عربية، ولابد لنا من الاحتفاظ به مع الحرص على اقتحامه والسيطرة عليه.

وقد سهلت قيادة منظمة التحرير مهمتنا حين أخذت بشن الحملات علينا في وقت كانت فيه حركة “فتح” ترسخ رويدًا رويدًا في الوجدان الشعبي الفلسطيني، وأصبح من الواضح أنها في طريقها لتكون البديل العملي الأمثل لسياسات الإلحاق والتبعية التي كانت تشكل حقدًا لا نظير له في المزاج السياسي للشارع الفلسطيني.

وكان خطأ قيادة المنظمة القاتل أنها لم تجد ما تهاجمنا فيه غير الشعار الثمين العزيز على شعبنا وهو الاستقلال، والذي يحمل على الدوام عنوانًا بارزًا وأصيلاً وثابتًا هو الكفاح المسلح. لم تجد ما تهاجمه قيادة المنظمة غير “الكفاح المسلح”، الخيار الذي لا بديل له، والذي بمجرد طرحه وحوزه على حجم من المصداقية، فلابد لصاحبه أن يستقطب الشارع الفلسطيني استقطابًا شبه مطلق، وهو الشارع المزدحم بالحقد، والثأر، والحنين القاتل إلى وطنه، وحريته، وكرامته، واستقراره.

الخطأ القاتل

وذهبت قيادة المنظمة إلى حتفها بيدها، حين سارعت في اليوم التالي لإعلان انطلاقة “فتح” وبيان قيادتها العامة لقوات العاصفة الأول، لإصدار بيان نفت فيه عن نفسها شرف المشاركة في الكفاح المسلح الفلسطيني الذي شكل الإعلان عنه انعطافة بارزة في التاريخ الفلسطيني والعربي.

سقطت قيادة المنظمة من حيث أرادت لنفسها النجاة، في وجه سطوع “فتح” وواقعيتها ومنطقها المعبر عن طموحات شعبها.

وهكذا أذاعت منظمة التحرير الفلسطينية بيانًا يوم 2/1/1965، أي في اليوم التالي مباشرة على الانطلاقة قالت فيه:

“ينفي مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان أن يكون للمنظمة أية علاقة بالبيان الذي صدر عما سمي بالقيادة العامة لقوات العاصفة، والذي جاء فيه أن بعض قوات هذه القيادة قد قامت بتنفيذ عمليات معينة في الأرض المحتلة.

وينتهز المكتب هذه الفرصة ليؤكد بأن أي عمل عسكري فلسطيني ضد إسرائيل هو من صلاحيات واختصاص جيش التحرير الفلسطيني الذي يتولى وحده مسؤولية التعبئة العسكرية لأبناء العشب الفلسطيني من أجل تحرير الأرض المحتلة”.

إذن، فقد سقطت قيادة المنظمة حين اعتبرت نفسها فريقًا يواجه فريقًا آخر، ولم تعتبر نفسها قيادة للشعب كله.. سقطت قيادة المنظمة حين اعتبرت أن تحرير الأرض مسألة تتعلق بالاختصاص وتوزيع المسؤوليات.

هكذا، فقد سقطت شرعية قيادة المنظمة حين أسقطت بيدها مصداقيتها فأعلنت رفضها الكفاح ضد العدو.

وهكذا كان لابد من بدء العمل الحثيث والكثيف لإعلان السقوط الرسمي لهذه القيادة، ولابد لـ “فتح” أن تعيد تنظيم المنظمة، فتلغيها كمنهج وأسلوب عمل وعلاقات وتحالفات، ولابد لـ “فتح” أن تعيد الحياة إلى هذا الجسد الميت والتابع والملحق بالكيانات القائمة التي لا تكاد هي أصلا أن تملك شرعية وجودها.

وهكذا بدأ العمل لإعادة إنتاج منظمة التحرير الفلسطينية .

“فتح” تلغي و”فتح” تبني

في نشرة خاصة موجهة إلى النواظم([2])، المستويات الخاصة، قادة المناطق، قادة الأجنحة، حددت “لجنة التوجيه الخاص” في “فتح” المهام الأساسية الواجب توجيه كل الثقل نحوها، وكان من ضمنها ما يتعلق بالموقف من المنظمة وقيادتها وكيفية السيطرة عليها.

وللأهمية الاستثنائية لمثل هذه الوثيقة التي صدرت بعيد الانطلاقة، وكان يحظر تداولها وتبلغ للأعضاء شفويا، وكانت تحمل عنوان: “الحركة والكيان المقترح”، نوردها بنصها:

لقد ثبت لنا بعد بحث ودراسة الكيان الفلسطيني أن هذا الكيان بفكرته واقع لابد من التسليم به وعدم مقاومته واعتباره مرحلة من مراحل العمل الفلسطيني، وما دام الأمر كذلك فلابد من ملء الكيان بعناصر ثورية تؤمن بالخط الفلسطيني وبالثورة المسلحة دون أن يكون الكيان خاضعًا أو موجهًا، على أن يكون له الهيئة العسكرية المستقلة.

أولاً: اعتبار الكيان مرحلة في العمل الفلسطيني، وليس بديلاً للثورة المسلحة.

إنَّ الأخذ بهذا المبدأ يفرض علينا أن نقوم بما يلي:

1- محاولة السيطرة على اللجنة التحضيرية بنسبة عددية وكيفية، وهذا يعني التأثير على الشقيري بمختلف الوسائل.

2- محاولة السيطرة على المجلس الوطني بأغلبية عددية.

3- محاولة السيطرة على اللجنة التنفيذية المنبثقة عن المجلس الوطني.

4- محاولة ملء شواغر الدوائر والمكاتب الفلسطينية المختلفة، على أن تترك لجان الدراسة للكفاءات السياسية والحقوقية.

أمَّا لجان التوعية والتنظيم القومي فلابد أن يكون لنا فيها السيطرة والتوجيه.

واستنادًا إلى ما سبق، لابد من إعداد أشخص معينين ليكونوا على استعداد لهذا العمل.

5- محاولة السيطرة على جميع دوائر ولجان الكيان في مناطق الخليج العربي.

ثانيًا: بديل المجلس الوطني والهيئات واللجان المنبثقة عنه.

إذا لم نتمكن من ضمان توجيه المجلس الوطني واللجنة التنفيذية والدوائر والمكاتب المنبثقة عنها، فلابد من العمل على خلق بديل يقف دون تسلط المجلس الوطني وانفراد اللجنة التنفيذية بالعمل الفلسطيني. والبديل لهذا هو الإسراع في:

1- خلق الاتحادات والنقابات المهنية حتى تكون مؤسسات دائمة وتنظيمات شعبية جماهيرية لها وزنها في المعركة.

2- إيجاد اتفاقات ثنائية بيننا وبين الجبهات والتجمعات الفلسطينية الثورية الأخرى.

3- خلق تيار فلسطيني وعربي يرفع شعارات يطالب الكيان تحقيقها:

( أ )  افتتاح معسكرات التدريب فورًا.

(ب) القيام بأعمال الدفاع المدني في الضفة الغربية وقطاع غزة، إنشاء الملاجئ وأماكن التدريب على الإسعافات الأولية.

(ج) تنظيم المقاومة الشعبية في الضفة العربية وقطاع غزة.

( د) المناداة بحرية الحركة والتنقل والاجتماع للفلسطينيين في الأقطار العربية.

(هـ)  السماح بإيجاد صحافة فلسطينية حرة في الأقطار العربية.

4- دعوة المؤسسات الشعبية العربية إلى إقامة المهرجانات، وإنشاء لجان نصرة فلسطين على المستويين الشعبي والحكومي.

ثالثًا: على المستوى التنظيمي للحركة

( أ ) على الأعضاء القيام بعمليات واسعة النطاق لاستقطاب المزيد من الشباب الفلسطيني الصالح للعمل والتعاون معنا على شكل تجمعات.

(ب) تركيز الجهد على مناطق الحدود وخلق أجهزة منظمة في جميع مدن وقرى الحدود، وخاصة في الضفة الغربية وقطاع غزة.

(ج) تعميق علاقة العضو بالحركة؛ بتكليف جميع الأعضاء بالقيام بأعمال مختلفة في جميع الميادين تحت ستار الكيان.

(د ) عمل كادر تنظيمي تسلسلي لتنظيم العمل والمسؤوليات بالنسبة للكيان وتحديدها.

رابعًا: المستوى الشقيري

1- إدخال التعديلات والتغييرات في الميثاق القومي والنظام الأساسي ليتلاءم مع مبادئ الثورة المسلحة، وضمان فلسطينية العمل والتخطيط والقيادة في مختلف المستويات

2- تحديد الموقف بالنسبة للشقيري والكيان مرهون بتجاوبه معنا على أساس ضمان الأغلبية لنا في العمل الثوري في الكيان، وإلا ضمان عدم وجود وصاية على العمل الثوري الفلسطيني من جماعة سياسية مناوئة.

خامسًا: استمرار محاولة كسب إحدى الدول العربية المجاورة للأرض المحتلة لدعمنا ومساندتنا.

سادسًا: على من توجه إليهم هذه النشرة تقديم آرائهم ومقترحاتهم حول ما ذكر خلال أسبوع من استلامهم النشرة.

“وعاشت فلسطين عربية حرة”

فتح

!!!!!

الانتقال إلى المرحلة الثانية

شكلت هزيمة حزيران/يونيو 1967 انعطافًا حادًا في عناصر الظرف الموضوعي المحيط بنشوء وتطور حركة “فتح”، حيث تجلى فشل جل أساليب العمل العربية السائدة في مقاومة الغزو الصهيوني، وحيث تجلى في المقابل صحة الرؤيا السياسية والعسكرية والتنظيمية التي طرحتها الحركة منذ نشأتها.

وقد ظهر بعد الهزيمة أن التعلق الجماهيري الفلسطيني والعربي بالأنظمة القائمة كرهان على مسالة الصراع العربي الصهيوني لصالح الأمة العربية ليس له ما يبرره على المستوى الواقعي والعملي، فجاءت الهزيمة لكي تشكل إعلانًا صارخًا عن هذه الحقيقة.

وفي الوقت نفسه تقدمت “فتح” برؤيتها البديلة لكي تشكل الرهان الجديد للجماهير العربية، فكان أن احتضنتا الجماهير بحماس واندفاعة قل نظيرها. وكان على “فتح” أن تأخذ باعتبارها كل هذه التطورات، وكان على “فتح” أن تكون الرهان نظرًا وممارسةً، فقامت أولاً بتقديم رؤيتها وأساليب عملها وتكتيكاتها إلى الجماهير، فكانت هذه الوثيقة ذات المنحى الاستراتيجي:

 

 

خطة العمل

1- مهمات الحركة

نتيجة للوضع العسكري العربي وللذيول الناتجة عن نكسة 1967، فإنه لابد من:

  • الانتقال إلى المرحلة الثانية من العمل متمثلة بحرب التحرير الشعبية وفق الأسس التي تبنتها الحركة منذ قيامها، كما يلي:

( أ )  حرب التحرير الشعبية كحل جذري للتحرير.

(ب) التوسع في التدريب العسكري نوعًا وكمًا ومستوى.

(ج) تنمية قواعد ومؤسسات الحركة لتغطي كل متطلبات العمل (جغرافيًّا وموضوعيًّا) وبشكل التنمية بالنوع لا بالكم، الأمر الذي يفرض وضع برنامج تربوي حصين يشمل النواحي الفكرية والتدريب العسكري الضروري بشكل إجباري والتدريب العسكري الخاص بشكل تطوعي.

( د) وضع برنامج ثقافي يشمل جميع كوادر ومؤسسات الحركة، يستهدف خلق أعلى مستوى ممكن من الإيمان بالتنظيم والتضحية بالنسبة للعمل (أي الإنسان الفلسطيني الثائر الذي يقاتل عن عقيدة).

(هـ) توعية سياسية خاصة لكافة كوادر الحركة لخلق الوعي السياسي العام بشكل يسير مع الأحداث ولا يختلف عنها.

(و ) العناية الخاصة ببناء العنصر المخطط فكرًا وعملا ضمن إطار لكافة الحركة ومؤسساتها وأنظمتها.

(ز) إفساح المجال باستمرار لكفاءات عناصر الحركة لتوفير صفوف متلاحقة لاستلام المسؤولية.

  • الشعب الفلسطيني

( أ ) إيصال أفكار ومبادئ الحركة إلى الشعب الفلسطيني.

(ب) خلق مناخ البطولة والتضحية والإرادة المستمرة لدى الشعب الفلسطيني من خلال التوعية والممارسة النضالية.

(ج ) رصد أفكار ومشاعر الشعب الفلسطيني، ومعالجة ما لا يتفق منها مع فكر الحركة.

( د) الاستفادة من العناصر الوطنية المؤيدة التي يسمح لها وضعها بالانضمام الفعلي إلى الحركة.

(هـ) تحسين فكرة القدرة الشعبية الآتية على العمل، ومقاومة روح الانهزام والاتكال على الغير، وخلق روح التحدي والمواجهة.

  • الجماهير العربية

“إن تحرير فلسطين لا يرتبط بالشعب الفلسطيني، وإنما يرتبط مصيريًّا بالأمة العربية، وجودًا أو حضارة، كما أن أبعاد المعركة لابد وأن تشمل إمكانات وطاقات الجماهير العربية. لذا كان لابد للحركة من توجيه عنايتها على الوجه الأكمل للجماهير العربية لتحقيق الأهداف الواردة، بالإضافة إلى النقاط التالية:

( أ ) إيجاد جبهات تدعم حرب التحرير الشعبية.

(ب) إيجاد جبهات تحمي الحركة من أعدائها في المجال الرسمي العربي.

(ج) العمل على الاتصال المستمر بالحركات والتجمعات العربية الشريفة لدعم العمل في حدود أحداث الحركة ومبادئها.

(د ) إيجاد كوادر الأنصار وفق نظام خاص، وكجهاز حركي خاص.

(هـ) العناية الخاصة بالاتحادات العربية الطلابية والنقابية لتكون نصيرًا لأهداف وأفكار الحركة.

  • الحكومات العربية

( أ ) المحاولة المستمرة لإفهام كافة المسؤولين العرب والحكومات العربية بمبادئ الحركة ومفاهيمها واستقلاليتها وعدم تدخلها في الشؤون الداخلية لأي بلد عربي.

(ب) الاتصال المستمر لدى الحكومات المؤيدة لأفكار الحركة لإنشاء معسكرات تدريب سرية فيها.

2- الحكومات الصديقة

الاتصال المستمر بالحكومات الصديقة للقضايا العربية للحصول على أكبر قدر ممكن من الدعم المعنوي والمادي.

3- الحركات المناهضة للاستعمار في العالم

( أ ) الاتصال بهذه الحركات لضمان تأييدها لكفاح الشعب الفلسطيني

(ب) الاستفادة من تجارب هذه الحركات.

4- الشعوب غير العربية

( أ ) الاتصال بالأفراد والتجمعات المناهضة للصهيونية العالمية لكسب تأييدها في مجالاتها لكفاح الشعب الفلسطيني.

(ب) إعطاء عناية خاصة للشعوب الإسلامية من خلال توضيح خطر الصهيونية العالمية على الإسلام، والعمل على أخذ العون المادي والأدبي من هذه الشعوب.

(ج) العمل على كسب أكبر عدد ممكن من الصحفيين والمفكرين.

5- المنظمات الفلسطينية

( أ ) نظرًا للإمكانيات المادية والرسمية المتوفرة للمنظمة، وانطلاقًا من مبدأ ضرورة وحدة الجهد الفلسطيني وعدم تقوقع حركتنا أو انغلاقها على نفسها:

“تقوم الحركة بشكل جدي وبناء بالاتصال المستمر بالعناصر الطيبة في جيش التحرير الفلسطيني ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، لإيجاد تعاون وثيق معها في مختلف المجالات ضمن نطاق أهداف الحركة وأفكارها ومصلحة العمل الفلسطيني، ويتم ذلك من لجنة حركية خاصة.

(ب) التنسيق ما أمكن مع المنظمات الفلسطينية المستقلة الإرادة، وعدم استعداء المنظمات الأخرى.

(ج ) العمل على تسيير كافة الاتحادات الفلسطينية ضمن أفكار وأهداف حركة “فتح”، والتعاون من خلالها في العمل داخل الاتحادات العربية والعالمية.

6- العمل العسكري

  • الوضع الحالي:

( أ ) تخزين السلاح في الأرض المحتلة.

(ب) استطلاع تحركات العدو وتصرفاته داخل الأرض المحتلة.

(ج) الاتصال بالعناصر الوطنية داخل الأرض المحتلة بالنسبة لمقاومة الاحتلال والتوجيه.

( د) التعرف على آراء الجماهير الفلسطينية في الأرض المحتلة وفي الأردن بالنسبة لاستئناف المقاومة المسلحة للاحتلال الصهيوني.

(هـ) تهديد العناصر المتعاونة مع العدو.

(و ) استطلاع مواقف العراق وسوريا ومصر والجزائر بالنسبة للمقاومة المسلحة للاحتلال الصهيوني ومدى ما ستقدمه من دعم (مال، سلاح، تدريب، وسائل اتصال لاسلكي، إعلام).

(ز) الاتصال بالعناصر الوطنية التي خرجت من الضفة الغربية لإقناعها بالعودة إلى الأرض المحتلة.

(ح) تهيئة أماكن للاختباء في الأرض المحتلة بعيدا عن التجمعات السكنية، وإعداد العدد الكافي من النوعيات التي تصلح للاعتصام والقتال السريع.

(ط) على ضوء ذلك كله يحدد موعد مباشرة المقاومة المسلحة داخل الأرض المحتلة، مع الأخذ بعين الاعتبار استمرار المقاومة من خلال السعي لتأمين متطلباتها المالية والمادية.

(ي) إمكانية تأمين إذاعة تنطق باسم الحركة، تستعمل لإثارة روح المقاومة في الأرض المحتلة ولتوجيه عناصر العمل العسكري فيها”.

!!!!!

([1]) محمد حمزة: “أبو جهاد: أسرار بداياته وأسباب اغتياله” (القاهرة: المركز العربي المصري، 1988).

([2]) الناظم هو الطرف الذي يقيم علاقة خاصة مع اللجنة المركزية لحركة “فتح”، فيكون له موقع ذو حساسية معينة أو أنه قريب من مركز القرار، وليس من الواجب كشف علاقته مع الحركة، فتصبح العلاقة بينه وبين اللجنة المركزية من خلال ناظم.

Did you find apk for android? You can find new Free Android Games and apps.

Latest Tweets

  • It seems like you forget type any of your Twitter OAuth Data.